ما لا يُقال في الإعلام عن هجرة اللبنانيين

أستاذ علم النفس في الجامعة اللبنانية، الدكتور توفيق سلوم، خرج بجملة نتائج لافتة في مسألة "الهجرة في أعماق اللبناني"، وفيما يلي أهم خلاصات هذه الدراسة.

  •  شاشات تحمل صور السفارات في وزارة الخارجية في بيروت عام 2018.
    شاشات تحمل صور السفارات في وزارة الخارجية في بيروت عام 2018.

يتناول الإعلام اللبناني غالباً مسألة الهجرة من مقاربات تقليدية تقتصر على الأسباب الاقتصادية، لكن أستاذ علم النفس في الجامعة اللبنانية، الدكتور توفيق سلوم، خرج بجملة نتائج لافتة في مسألة "الهجرة في أعماق اللبناني"، والتي استعرضها خلال مؤتمر "الهجرة والمكان - إشكاليات وتحديات"، الذي عقدته كلية الآداب والعلوم الإنسانية - الفرع الأول مؤخراً.

وفي أهم خلاصات الدراسة: 

· يميل اللبناني المتعلّم إلى الهجرة وترك البلاد.

· يميل بعض اللبنانيين الذين ينتمون انتماءً فاعلاً إلى حزب سياسي إلى البقاء في لبنان، لا حبّاً به، بل بُغضاً بالآخرين.

· يرى اللبناني في اللبنانيّ الآخر صفات لا يجدها في شعوب الأوطان البديلة، وخصوصاً الودّ وقابليّة الاعتماد عليه.

· يرتكز اللبناني في قراراته على المنافع والأضرار على حساب العاطفة والانتماء والتعلّق. وهنا يظهر التنازع بين العقلنة والتعلّق.

· انتقلت الدولة في عقل اللبناني من مستوى الدولة المهملة أو العاجزة إلى مستوى الدولة المضطهدة والكارهة والرافضة لأبنائها.

· الحصول على جنسيّة أخرى هو الطّريق لتحقيق الأحلام وضمان العيش الكريم.

· القيمة الذاتيّة في لبنان تعود إلى صبر اللبناني وكفاحه، ولا قيمة خارجيّة لجنسيّته أو انتمائه إلى هذا البلد.

· ما زال في لبنان من يُعيب على الآخرين فقرهم وعَوَزهم. لذا، الهجرة "سترة".

· الشهادة الجامعيّة اللبنانية ذات تقدير متدنٍّ في أذهان الشباب.

· لبنان راسخ في نفوس أبنائه، لأنّه الشعب؛ لا التراب، ولا النظام السياسي. لبنان شعب فقط.

· يتَّجه لبنان نحو فقدان بناته بعد أبنائه، من خلال تصاعد أرقام الراغبات في الهجرة والساعيات لها، وبالتالي يتجه البلد نحو ما سمّاه كاستلز وميلر "تأنيث الهجرة".

· ثمّة في لبنان والمهجر من يميل إلى تدريب أولاده على رفض التعلّق بلبنان، ورفض العودة إليه، فما الذي سيترتّب على قرار كهذا؟

انطلاقاً من تفضيل الناس على العموم الهجرة، بغية العيش بأمان، على التواجد في ظروف نزاع عاطفي، تساءل د. سلوم عن موقف اللبناني من الهجرة، وفي أي إطار من الانتماء إلى الوطن والالتزام بالمواطنة يجد نفسه، مقابل البحث عن الوطن البديل أو المؤقت.

للإجابة عن هذا السؤال، استقرأ سلوم صلة الشباب اللبنانيين بالهجرة، من دون الارتكاز على أية فرضيات مسبقة، إذ طلب من عيّنة نهائية مكوَّنة من 40 شخصاً من الجنسين، بأعمار تراوحت بين 18 و50 عاماً، ومن عدة مستويات تعليميَّة، أن تتحدَّث من دون تحضير مسبق عن أيّ شيء يخطر ببالها عند ذكر مسألة الهجرة.

إثر تحليل البيانات، انتهت الدراسة إلى مجموعة من المعطيات جاءت تحت عنوانين: النتائج الكميّة والنتائج النوعيّة. 

بيَّنت النتائج الكمية أن المتحمّسين للهجرة في لبنان من مختلف الأعمار الشبابيّة، وهم الذين يحاولون الهروب قبل أن تطالهم المسؤوليّة، أو ينشدون الخلاص من المعاناة التي رافقتهم طيلة حياته. والمعاناة هنا تشمل العجز الاقتصادي، ونقص الرفاهية، والشعور بالخوف وانعدام الأمن.

أما النّتائج النوعيّة، فركزت على مسائل:

- الانتماء: تبيّن أن الانتماء، بالنسبة إلى الإناث، ناجم عن الحقوق وقوّة العدالة والمساواة والتماسك الوطني، بينما يرتبط بالنسبة إلى الذكور بالمنافع المادية والسياسية. 

- المواطنة: أجمع المشاركون في عيّنة البحث على أن الوطن بوضعه الحالي لا يرقى إلى كونه مدفناً، وهو المكان الذي لا يجب أن تعود إليه إذا أردت أن تحقق أحلامك.

- ثنائية الوطن: اعتبرت الإناث أنّ الوطن هو العلاقات الاجتماعيّة. أما بالنسبة إلى الذكور، فهو اللغة والانتماء الإداري والسياسي إلى المجتمع الأصلي.

- الحنين والشوق والفقدان: صرّح المشاركون من المهجر بحنينهم وشوقهم، والواضح في ما ذكروه أنّ الأهل والأصدقاء هم مصدر هذا الشعور، واعتبروا أن وجود عائلاتهم معهم في المهجر يخفّف عليهم هذه المشاعر، لكنه لا ينهيها؛ فعلاقة المهاجرين بالوطن لا تتلخّص في علاقتهم بالأشخاص، وإنما بالأمكنة التي اضطروا إلى مغادرتها، والتي لا يمكن أن تغادر ذاكرتهم.

- القيمة الذاتية: ربط أغلب المشاركين، من الجنسين، العيش في لبنان بأنّه مدعاة للشّعور بنقص القيمة. وقد تبيّن أنّ الانطباع العام لدى الشباب يتمثل بأنّ التعليم في لبنان لا يرفع من شأن المتعلّمين. وفي المقابل، التعليم في المهجر مدعاة للاحترام.

- الانفتاح على الثقافات: اللبناني يقاوم ليحفظ هويته ولغته، ولكن المرونة والانفتاح سمتان عقلانيّتان. ويتم تخفيف المعاناة من خلالهما.

- التوقعات: اعتبر معظم المشاركين أن الأرض في الجهة المقابلة من الجبل خضراء، وأنّ الحلم يتحقّق فيها، وأنّ الهجرة طوق نجاة. وهنا، لا بد من الإشارة إلى التركيز على صور النجاح التي ينقلها المهاجر، إذ تسلّط الضوء على النماذج الناجحة من دون هوادة.

- القواعد: تشكّلت مجموعة من القواعد لدى المواطن اللبناني، مفادها أن البقاء في لبنان ممكن ما دامت الصعوبات ضمن حدود المقبول، ولكن إن تجاوزت هذه الحدود، فلا بد من الرحيل، إذ يغدو حينها الوطن هو المكان الذي تستطيع العيش فيه بمنأى عن هذه الصعوبات.

- التعصّب والتهديد: اعتبر المشاركون أنَّ التمييز في بلد غريب يمكن تجاوزه مقابل الرفاهية. أمّا في الوطن، فلا يمكن قبوله لاعتبارين:

 1. الوطن لا يعطي الرفاهية مقابل الإساءة.

 2. الوطن يشمل المحيط الاجتماعي الذي ينتمي إليه الفرد، ولا يمكن تجاوز الشعور بالمهانة ونقص القيمة الذاتيّة في مجتمع الأقارب. وقد رأى المشاركون أن الخوف تصاعدي في لبنان، بخلاف بلدان المهجر، لأنَّ الموت فيه غير محدّد المصادر والأماكن والأساليب، كما أنه غير مضمون التبعات.

ويستشعر د. سلوم في دراسته النماذج النفسية التالية:

· نموذج نزاع المنفعة مقابل قلق الانفصال.

· نموذج نزاع الشعور بتدنّي تقدير الذات الوطنية مقابل الشعور بالاعتداد الشخصي.

·  نموذج الفرد المنفصل عن الشعب (كل شخص يتحدث عن الشعب كأنّه منفصل عنه).