هل تشعل الملاحقات القضائية في انفجار مرفأ بيروت فتيلَ الفتنة في لبنان؟

بعد إطلاق المحقّق العدلي في قضية انفجار مرفأ بيروت مسارَ الاستدعاءات بحق مسؤولين سياسيين وأمنيين، محللون يرون أن مسار التحقيق يتطلّب مرحلة طويلة ومعقّدة، وقد يثير الفتنة في لبنان.

  • التحقيق في انفجار مرفأ بيروت طويل ومعقد ويتطلب رفع حصانات ومسارات وفق الدستور اللبناني
    التحقيق في انفجار مرفأ بيروت طويل ومعقَّد ويتطلّب رفع حصانات ومسارات وفق الدستور اللبناني

فجّر المحقق العدلي في قضية انفجار مرفأ بيروت، القاضي طارق بيطار، مفاجأة وقعت كالقنبلة المدوية، عندما أصدر مسار الملاحقات القضائية في هذا الملف بعد الانتهاء من مرحلة الاستماع إلى الشهود، وحدّد موعداً لاستجواب بعض المسؤولين السياسيين والأمنيين الحاليين والسابقين، وذلك قبل شهر واحد من الذكرى السنوية الأولى لكارثة انفجار المرفأ، في أزمة متداخلة تضاف إلى سلسلة من الأزمات التي يعيشها لبنان.

القاضي بيطار استأنف ما كان بدأه سَلَفه القاضي فادي صوان، الذي تنحّى عن مهمته، بعد 4 أشهر من تولّيه الملف، وسط مخاوف شعبية من عقبات سياسية وطائفية، قد تؤول إلى عرقلة المسار الذي ينتهجه القاضي بيطار، بحيث وصف كثيرون قراره بالخطوة الشجاعة.

طلب القاضي بيطار استدعاء رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب، كمدّعىً عليه في القضية، من دون أن يعلن الموعد. كما وجّه كتاباً إلى مجلس النواب، بواسطة النيابة العامة التمييزية، طلب فيه رفع الحصانة النيابية عن كل من وزير المال السابق علي حسن خليل، ووزير الأشغال السابق غازي زعيتر، ووزير الداخلية السابق نهاد المشنوق، تمهيداً للادعاء عليهم وملاحقتهم.

كذلك، وجّه كتابين، الأول إلى نقابة المحامين في بيروت لإعطاء الإذن بملاحقة خليل وزعيتر كونهما محاميين، والثاني إلى نقابة المحامين في طرابلس، لإعطاء الإذن بملاحقة وزير الأشغال السابق المحامي يوسف فنيانوس، وذلك للشروع في استجواب هؤلاء جميعاً في جناية القصد الاحتمالي لجريمة القتل، وجنحة الإهمال والتقصير.

وطلب المحقق العدلي من رئاسة الحكومة إعطاء الإذن باستجواب قائد جهاز أمن الدولة اللواء طوني صليبا كمدعىً عليه. كذلك، طلب الإذن من وزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال محمد فهمي بالادّعاء على المدير العام لجهاز الأمن العام اللواء عباس إبراهيم وملاحقته.

وردّاً على طلب القاضي بيطار، علّق فهمي في حديث إلى صحيفة "النهار" اللبنانية، وقال: "لم يصل طلب الملاحقة إلى مكتبي، ومبدئياً الإثنين يصل"، موضحاً أنّ "الطريقة قانونية مئة في المئة. وإذا كان الأمر كذلك، فجميعنا سيطبّق القانون".

جوني للميادين: مسار التحقيق عملية معقَّدة وطويلة، وقد تثير الفتنة في البلاد

وفي قراءة لهذه التطورات في المسار القضائي، رأى أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية، حسن جوني، في حديث إلى الميادين، أن "مسار التحقيق طويل ومعقَّد، وليس بهذه السهولة، فالقاضي بيطار ادّعى على نواب، وهذا يتطلّب نزع الحصانة عنهم. كما ادّعى على قضاة، وهو يتطلب محكمة خاصة للقضاة، وهذا الأمر معقّد أيضاً، ويعود إلى النائب العام التمييزي في قصر العدل غسان عويدات، الذي من المحتمل أن يكلّف قاضياً آخر، وقد يأخذ ذلك سنوات".

ورأى جوني أن عملية نزع الحصانة معقَّدة، وقد تؤدي إلى أزمة سياسية في لبنان، لأن المادة 40 من الدستور اللبناني تنصّ على أنه لا يمكن محاكمة النواب أو ملاحقتهم إلا بإذن من المجلس لنزعها، وهي تستوجب أن تمرّ عبر اللجان، ثم إلى الهيئة العامة.

وعمّا إذا كان القاضي بيطار سلك الطريق الصحيح في اتجاه مخاطبة المجلس النيابي، ومخاطبة نقابة المحامين والهيئات المعنية، أوضح جوني أن بيطار لم يقع في الخطأ الذي وقع فيه سَلَفه صوان، الذي لم يطلب نزع الحصانة، مشيراً إلى أنه "في مسار التحقيق، هناك مشكلة كبيرة من ناحية ملاحقة الإهمال، والاتهام بالضلوع في جريمة أو الإهمال أو التقصير. لكن السؤال هو: هل سيذهب إلى المحكمة الجنائية، إذ لا يمكن الإعلان عن الإهمال قبل إعلان الجُرم في واقع الأمر".

وطرح جوني عدة أسئلة، منها "هل لاحق القاضي بيطار موضوع الباخرة؟ التي توقّفت في تركيا، وتمّ تغيير قبطانها، ولماذا توقفت، ثم وصلت إلى بيروت؟ وهل صحيح أنها تعطّلت في بيروت؟"، وأشار إلى أن هذا يحتاج إلى تحقيق قبل الإعلان عن الإهمال، معرباً عن اعتقاده أن هناك أهدافاً سياسية.

أمّا عن استجابة رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب لطلب القاضي بيطار، بعد أن رفض الاستجابة للقاضي صوان والمثول أمامه، فلفت جوني إلى أن "هذا الأمر يعود إلى الرئيس دياب. واليوم هناك ضغط شعبي كبير جداً، وعندما يعلن وزير الداخلية أن 99 في المئة من القضاء فاسد، فهناك علامات استفهام بشأن القضاء اللبناني، بالإضافة إلى المشكلة التي ستقع في المسار الذي سيذهب إلى المجلس النيابي، بحيث إن هناك كتلاً لن تصوّت على رفع الحصانة. وإذا لم تُرفع الحصانة، فسيتحرك الشارع بقوة". وعلّق قائلاً "هذا القرار حشر الجميع".

وأعرب جوني عن خشيته من تكرار تجربة المحقّق ديتليف ميليس في قضية اغتيال رفيق الحريري، وقال "اليوم، هناك خوف في شأن هذا المسار، وخصوصاً بعد اتهام اللواء ابراهيم واستدعائه"، متسائلاً "لماذا هو؟ علماً بأنه قام بواجبه المهني، وأرسل رسالتين. وهنا، هل الاتهام الموجّه إليه هو لأنه لم يتابع القضية، بعد أن وصلت إلى رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء". 

وأشار إلى أن "السؤال هو عمّن يمثّل اللواء إبراهيم، في علاقاتة الدولية والإقليمية. وهو كان له دور أساسي في ملفات أمنية وسياسية كبيرة جداً في لبنان، والأهم هو مستقبله السياسي، والذي تمّ التداول به أخيراً". وأعرب عن تحفظاته في هذه المسألة، مبدياً خوفه من الذهاب إلى القضاء الدولي "والذي كان للبنان تجربة مريرة معه، وخصوصاً في ملف اغتيال الرئيس الأسبق رفيق الحريري"، وفق تعبيره.

وكرّر جوني مخاوفه من أنه "إذا لم يصوّت مجلس النواب على رفع الحصانة، فعندها لا أحد يعلم أين سيذهب لبنان. وأيضاً إذا تمّ استدعاء الحريري"، وأردف "هذا خطير، وقد يأخذ لبنان إلى الفتنة".

نقولا للميادين: لنُعْطِ القضاءَ فرصةً

أمّا بالنسبة إلى جديّة المرحلة التي سلكها القضاء أخيراً، واختلافها عمّا سبقها، فعلّقت، بدورها، أستاذة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية، ليلى نقولا، في حديث إلى الميادين، قائلة إن "اللبناني دائماً يستسهل التصويب على القضاء، ثم يقول ليس لدينا قضاء".

ولفتت إلى أنه "يجب على أيّ مسؤول أن يكون تحت القانون، ويتم استدعاؤه. وعليه أن يحترم الاستدعاء، ويُدلي بشهادته ليُثبت أنه بريء في حال كان بريئاً. وإذا لم يكن بريئاً فعليه أن يتحمّل المسؤولية".

وتابعت "لا نستطيع، في كل مرة يتحرك القضاء، وضعَ علامات استفهام، واعتبار أن هناك خطأً وكيدية سياسية"، مشيرة إلى أن القاضي بيطار اليوم لم يعلن عن التحقيقات التي قد تكون سرية، وهي قد تكون جزءاً من التحقيقات.

وتساءلت "لماذا لا نعطي القضاءَ إمكانَ أن يتحرّك بدلاً من التصويب عليه، واتهامه بأنه ليس نزيهاً وكفوءاً، ثم نتباكى على القانون في لبنان، ونبدأ الادعاء أن السياسيين يتدخّلون في عمل القضاء في لبنان؟". 

وبالنسبة إلى مروحة مَن طلب القاضي بيطار استجوابهم، وضعت نقولا علامة استفهام عن السبب الذي تمّ فيه استدعاء الرئيس دياب، ولم يتم استدعاء الرئيس المكلَّف سعد الحريري، ورؤساء الحكومات السابقين الذين كانوا موجودين في أثناء دخول الباخرة لبنان.

وشدّدت على أن "هناك مسؤولية تقع على كل وزارء الداخلية والأشغال، والمسؤولين عن المرفأ منذ عام 2013 لغاية اليوم"، معربة عن تأييدها ما تساءل عنه جوني بشأن فرضية قصف "إسرائيل" للمرفأ، وعما إذا أخذها التحقيق بجدية. وقالت "الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب كان قد تحدث عن تفجير، وأن الاستخبارات الأميركية (السي آي أيه) أبلغته بأنه تفجير، بينما مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ديفيد شينكر، كان قد تحدث عن تفجير بيروت وليس عن انفجار بيروت"، وتساءلت نقولا "هل أُخذ هذا الكلام بعين الاعتبار؟".

لكنّ نقولا اعتبرت أنه حتى لو كان هناك فرضية مفادها أن "إسرائيل" قامت بقصف المرفأ، "فهذا لا ينفي أن المسؤولين اللبنانيين تعمَّدوا الإهمال. وهنا أنا لا أجزم، لكنْ عندما يكون هناك جريمة بهذا الحجم، يجب أن نأخذ في الاعتبار كل الاحتمالات، مع وجود النيترات في المرفأ، وخصوصاً أنه كان هناك تحذير من أن النيترات تشكل قنبلة موقوته".

وأعربت عن مخاوفها من أن يكون هناك تدخلات دولية لحرف التحقيق عن مساره، وقالت "أنا أؤيّد استدعاء كل المسؤولين، بغضّ النظر عن الحصانات التي يتمتعون بها، أمام هول الجريمة ودماء اللبنانيين الذين كانوا ضحية هذا الانفجار". 

وأردفت نقولا قائلة إن "ميليس كان متهَماً بالفساد في ألمانيا قبل أن يأتي إلى لبنان، والأكيد أنه كان هناك مشروع لجورج بوش (الرئيس الأميركي الأسبق) في المنطقة، وتجلّى ذلك في اتهام التحقيق في اغتيال الحريري في البداية النظام السوري بالجريمة، ثم تحولت الأنظار إلى حزب الله، وشهود الزور. وكان يوجد إرادة دولية وأطراف داخليون، يعملون على استغلال هذا الأمر، الأمر الذي أدّى إلى تشويه مسار العدالة الدولية"، وفق نقولا.

يُذكَر أنّ انفجار مرفأ، الذي هزّ العاصمة بيروت، وقع في الرابع من آب/أغسطس 2020، ووصل صداه إلى مناطق بعيدة، وتسبب بمقتل أكثر من 200 شخص، وإصابة نحو 6500 آخرين، في إثر اشتعال أطنان من مادة نترات الأمونيوم الشديدة الاشتعال. وهي جزء من حمولة كانت تقدَّر بـ2750 طناً، وفق تقديرات رسمية، بعد أن تمّ تخزينها في العنبر الرقم 12، وكانت مُصادَرة من سفينة رست في مرفأ بيروت ومُخزَّنة فيها منذ عام 2014، وسط غموض وملابسات تُخفي خيوطاً من الحقيقة.