تهديد وجودي أو مكسب استراتيجي.. باكستان أمام المنعطف الأفغاني

مثّلت أفغانستان طوال السنوات الماضية تهديداً لباكستان، لكن التطورات الأخيرة قد تفتح طريقاً أمام إسلام آباد للتعاون مع حليفتها "طالبان"، والتي دعمتها طوال السنوات الماضية.

  • تهديد وجودي أو مكسب استراتيجي.. باكستان أمام المنعطف الأفغاني
    تطمح باكستان أن تكون أفغانستان ممراً تجارياً آمناً إلى دول وسط آسيا 

ترجع الأزمة الأفغانية-الباكستانية إلى زمان سابق لاستقلال البلدين، أي إلى فترة الاستعمار البريطاني للهند وأفغانستان، وما تلى ذلك من تشكّل كلٍّ من البلدين على أسس قومية، لكن بشروطٍ كانت المملكة المتحدة وضعتها بإنشائها خط ديورند في العام 1893، والذي لا يفصل جغرافيا البلدين فحسب، بل يفصل شعباً في إقليم واحد أيضاً؛ البشتون الذين صنعوا تاريخ السياسة في أفغانستان. 

تتوسّط الهند العلاقة بين أفغانستان وباكستان، وفق لعبة صفرية قوامها خسارة باكستان مقدار ما تكسبه الهند في أفغانستان، والعكس صحيح. الاستراتيجية الباكستانية تجاه كابول تقتضي إفشال محاولات الهند لمحاصرة باكستان عبر السيطرة على أفغانستان، واستخدام معارضي إسلام آباد في هجمات ضد النظام القائم.

ستكون باكستان محاصرة برياً إن خسرت أفغانستان، وستفقد امتيازها في تحوّلها إلى مرفأ آسيا الوسطى المطل على بحر العرب. الحكومات الباكستانية المتعاقبة عرفت أن مصلحتها تتمثل ببقاء أفغانستان ممراً يصلها بعمقها الاستراتيجي، أي بدول وسط آسيا، من دون أن تكون قوّة قائمة بذاتها أو تحت سيطرة قوى أجنبية، وهو ما حدا بباكستان إلى دعم حركة "المجاهدين" في ثمانينيات القرن الماضي، لمواجهة الحكم الشيوعي المدعوم من السوفيات برعاية وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، ثم دعم حكم "طالبان" بين العامين 1996 و2001.

حاولت إسلام آباد من خلال دعم "الجهاديين الأفغان"، بما في ذلك "طالبان"، إحداث تحوّل في العلاقات مع جارتها الغربية التي ظلّ يوترها خط ديورند الإنكليزي، وإرضاء البشتون (الإثنية التي خرجت "طالبان" من كنفها) المتواجدين في أراضيها، وذلك في مقدمة لكسب الاعتراف الذي لم تقدّمه أي حكومة أفغانية حتى الآن -بما في ذلك حكومة أشرف غني- بخط ديورند الذي يضمن حيازة إسلام آباد أراضي أفغانية، بما في ذلك مقاطعة بلوشستان المطلّة على بحر العرب. 

مخاوف باكستان من تصاعد المطالب الأفغانية التاريخية باسترجاع الأراضي المنزوعة بفعل القسمة البريطانية تبدو مشروعة، فهذه المسألة تهدد سيادة البلاد وتجعل مستقبلها في خطر، وخصوصاً إذا استغلت الهند هذا النزاع لمصلحتها، وهي مخاوف برهنتها الهند من خلال إنشائها قنصليات على طول الحدود الأفغانية الباكستانية. 

لكنّ سياسة باكستان في دعم حكم "طالبان" خلال التسعينيات طلباً للاعتراف بخط ديورند وكبح النزعة القومية لدى البشتونيين المقيمين في أراضيها (يزيد عدد البشتون في باكستان على ضعفي عددهم في أفغانستان) فشلت، فلا "طالبان" رضيت بالاعتراف بخط بالتقسيم البريطاني، ولا البشتونيون الباكستانيون تراجعوا عن طموحاتهم التمردية. 

استخدام الاستخبارات الباكستانية لـ"الجهاديين" ساعدها في التغلغل أكثر داخل المجتمع الأفغاني، إلا أنّه ارتد عليها سلباً في مواضع أخرى، وخصوصاً بعد الغزو الأميركي لأفغانستان. ضغوط واشنطن على حكومة برويز مشرّف لمواجهة المقاتلين المعادين لأميركا في أراضيها (الذين فروا إليها بعد الاجتياح الذي أطاح حكومة "طالبان") أدى إلى ازدياد حدّة المعارضة البشتونية للحكومة الباكستانية، وإلى تشكّل معارضة مسلّحة في العام 2007 عُرفت باسم "تحريك طالبان" أو "حركة طالبان باكستان"، والتي تطمح إلى إطاحة الحكومة الباكستانية وتشييد إمارة إسلامية.

مواجهة الجيش الباكستاني لـ"حركة طالبان باكستان" ساهمت في تسرّب بعض مقاتليها إلى تنظيم "داعش" في أفغانستان، وهو ما خلق نقاط اشتراك إضافية مع "طالبان" الأفغانية التي تعادي فرع التنظيم الخرساني، وهو عدو مشترك يمثل تهديداً لكلا الدولتين، فيما هدفت إسلام آباد من خلال دعم "طالبان" الأفغانية إلى ضمان عزلها عن "طالبان" الباكستانية التي تهدد استقرار البلاد. 

أفغانستان الممر الإلزامي للتنمية في آسيا الوسطى 

لا تريد باكستان عزل نفسها عن الفوضى والتطرّف في أفغانستان فحسب، فجارتها قد تؤدي دوراً أكبر بكثير. الاستثمار الصيني في مشاريع إعادة إعمار أفغانستان، بما في ذلك تطوير منجم النحاس في إقليم لوجار في شرق أفغانستان واستخراج النفط والغاز في شمال البلاد، سيعود بلا شك بمنافع على باكستان، وسيساهم على الأقل في التخفيف من حدّة أزمة المهاجرين الأفغان إلى أراضيها.  

إذا ما نجحت الصين في تعاونها مع "طالبان" وتحقّق الاستقرار في أفغانستان، فإنَّ إسلام آباد ستكون موعودة بنجاح سكة قطار "ممر كابول" التي تربط بين ترميز في أوزبكستان ومدينة بيشاور الباكستانية، مروراً بمزار شريف والعاصمة الأفغانية. بمعنى آخر، ستتمكن دول آسيا الوسطى من الاتصال بسكك الحديد الباكستانية المرتبطة بموانئ كراتشي وغوادار، وذلك على حساب ميناء بندر عباس الإيراني، ما يمنح باكستان مكاسب استراتيجية تفوق مكاسبها المادية. 

مشروع آخر يمر عبر الأراضي الأفغانية سيساهم في تغيير خريطة إمدادات الطاقة في جنوب آسيا ووسطها، وهو خط أنابيب الغاز "تابي"، الذي يمر عبر تركمانستان وأفغانستان وباكستان والهند. سيسمح هذا الخط البالغ طوله 1814 كيلومتراً، والقادر على ضخ 33 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً، بنقل الغاز من حقول الغاز الغنية في تركمانستان إلى جاراتها الجنوبية، ليضمن بذلك أمن الطاقة الضروري لتحقيق التنمية في هذه البلدان. 

إن كان الاستقرار في أفغانستان ضرورياً للصين لتجنّب تضخّم أزمة الإيغور وفتح ممرات آمنة أمام خطوط استثمارها البرية، ولإيران لمنع استغلال المعارضة المسلحة المتواجدة في الأراضي الأفغانية، ولطاجكيستان وأوزبكستان وتركمانستان لمنع تدفق المتطرفين الذين يهددونها كما يهددون موسكو، فإنّه أكثر من ضروري لباكستان التي لا تريد أن تكون في وضعية "كش مات" في آسيا الوسطى أو "رقعة الشطرنج الكبرى"، بتعبير مستشار الأمن القومي الأميركي السابق زبيغنيو بريجنسكي، أمام الهند.