كيميائي داعش .. حجم الجرعة وأي هدف؟

ما هي دلالات استخدام "داعش" للأسلحة الكيميائية في العراق؟ وعلى أي نطاق تم هذا الاستخدام ولأي أهداف؟ وكيف يحاول الأميركيون الاستفادة من ذلك، لتحقيق أهدافٍ كانوا قد رسموها لبلاد الرافدين؟

تقارير تفيد باستخدام داعش للأسلحة الكيميائية
كان لون الغبار الذي ارتفع إثر انفجار قنبلة بعيدة عنا أصفراً، وبعد سؤالنا عن اللون الغريب، رجح أحد مقاتلي الفصائل أنها موادٌ لم تعرف هويتها، يستخدمها داعش في تعبئة قنابله. لم يقطع المقاتل الشك باليقين. كنا فريقاً من الصحافيين من العراق ولبنان، نغطي أحداث الأنبار من السجارية شرقها في نيسان/ابريل من هذا العام. بعد هذه الحادثة، بدأت الأطراف العراقية تتحدث وإن بصوت خفيض، عن أن داعش استغل خبرة من كان يعمل سابقاً في معامل عراقية تنتج مواداً كيمائية تستخدم عسكرياً في توظيفهم بعد ترهيبهم. لم يكن الأميركيون بعد قد تحدثوا عن استخدام داعش لأسلحةٍ كيميائية، ليأتي النشر في صحيفة "بيلد" الألمانية عن مصادرها في وزارة الدفاع الألمانية أن التنظيم استخدم مادة "الكلور". "الكلور" أولاً. لماذا؟ لأنه بحسب التقديرات العملية أول مرحلةٍ من سلم الخطر الكيميائي، ولأنه متوفر على اعتبار أن التنظيم تجهز بكمياتٍ منه، كان قد تحصّل عليها من دوائر الدولة العراقية التي تتبع وزارة الموارد المائية في المناطق التي سيطر عليها ومن دوائر تحلية المياه. المتحدث باسم الخارجية الأميركية جون كيربي أكد أخيراً أن أي تقريرٍ عن استخدامٍ محتمل، أو حيازة الأسلحة الكيمائية من قبل مجموعة مثل "داعش"، هو بكل وضوح مصدر قلقٍ عميق؛ لكنه استدرك وأضاف ما هو أشبه بمعلومةٍ مؤكدة لدى الأميركيين، الخردل استخدم بشكلٍ مسحوقٍ معبأ في ذخائر تقليدية مثل قذائف الهاون. النظرية الأميركية المطروحة تشرح نفسها: هناك ثلاثة تفسيرات محتملة لكيفية حصول تنظيم داعش على هذا العنصر الكيمائي القاتل. فإما أنها خلية بحثية صغيرة نشطة مختصة بالأسلحة الكيمائية (أعضاؤها عراقيون كما تشير مصادر عراقية)، أو أن مسلحي التنظيم عثروا على مخابئ للأسلحة الكيمائية في العراق، أو في سوريا، وهو ما ينفيه الواقع قبل الأميركيين، على اعتبار خلو العراق من أي أسلحة كيميائية، وأن الدولة السورية سلمت مخزونها. أو أن هذا العنصر (الخردل) يصنع باستخدام المعلومات العلمية المتاحة على نطاقٍ واسع، لاعتبار ان التصنيع ليس صعباً عند أبسط دارسي التخصص العلمي.

الأميركيون والكيميائي .. سيرة سوداء

تتقاطع المعلومات حول استخدام "داعش" للمواد الكيميائية في هجماته، ولكن بغداد لم تجّهز الجيش العراقي والقوات الأمنية ولا الحشد الشعبي بما يتناسب وهذه المعلومات المقلقة، ولم تتحرك بشكلٍ أكثر فاعلية عند الحلف الذي تقوده واشنطن. مضافاً لذلك أن للأميركيين علاقة بالأسلحة الكيميائية سيرتها سوداء بين دفتي كتاب أسود. فمن أغفل استخدام النظام العراقي لهذه الأسلحة ضد المدنيين في ثمانينيات القرن الماضي، احتل العراق بعد خمسة عشر عاماً بحجة السلاح الكيميائي الذي لم يُعثر عليه، وان كل التقنيات والتطور الأميركي، لا يراد لها وله أن تقطع الشك باليقين لجهة استخدام السلاح من قبل "داعش". يتساءل البعض، هل الأميركيون يريدون الترويج لخطر داعش وتوسع إمكاناته العسكرية للبقاء في حربٍ بلا أفق؟ ولم سبق معلومات الكيميائي أن 75 % من الغارات عادت من دون تنفيذ ضربات على التنظيم؟ ومن ذا الذي يصدق أن طائرات واشنطن وحلفها التي تجوب سماء العراق، لم تتمكن من رصد أرتال "داعش" التي هاجمت الرمادي؟ ولم هذا الفتور في الجبهة من قبل العراقيين أنفسهم؟ الهدف الجيوسياسي من الحرب هو ما يقلق الباحث عن الأسباب. واشنطن تحاول التحصل على مكاسب لها علاقة بإقامة الإقليم في غرب العراق، وهي تضغط باتجاه تشكيل الحرس الوطني، وتبدي استعدادها للتسليح والتدريب، ويضيف السفير الأميركي في بغداد ستيوارت جونز إن "الحرس الوطني هو من سيعّمق الوحدة بين العراقيين"! في وقت ان وحدة العراقيين بحسب المنطق، ستتعزز إن شارك كل أبناء بلاد الرافدين في تحرير الأرض، وأن لا تلقى المهمة على أبناء المناطق المحتلة من "داعش". وإن كانت بغداد بشرعيتها وقوتها ومشاركة حلفائها تتحدث عن برود الجبهة لأسبابٍ ميدانية تتصل بالمدنيين، وغيرها من أسباب، كيف إذاً يمكن لقواتٍ يتم إنشاؤها حديثاً (الحرس الوطني) قتال التنظيم وتحرير الارض ومعالجة هجماته بالأسلحة الكيمائية؟ (هذا في العراق فقط ) لتأتي بعدها مرحلة الإعمار، والتي بطبيعة الحال ستوكل لمن حرر الأرض بتنسيق أميركي، على اعتبار أن الأميركيين سلحوا ودربوا وشاركوا في القتال، لتكتمل فصول إنشاء الإقليم الغربي. القلق الرسمي العراقي من السلاح الكيميائي ليس بحجم استخدامه، لأبسط حقيقةٍ عملية وهي أنها مواد ستعلق لسنواتٍ في تربة الأرض. كما أن السلاح سيمنح قوةً أكبر لتنظيمٍ إرهابي هو الأخطر. ومن يدري ما الذي سيمرره التنظيم مستقبلاً، وما هي أهدافه العسكرية المقبلة التي سيستخدم فيها سلاحاً خطراً، وما الذي سيقنع العراقيين أن النكتة تكمن في أن السلاح الذي امتلكوه يوماً لم يدافع عنهم، ولم يعطهم ما يرهب عدوهم عندما كانوا دولة تمتلكه، وأنه يراد لهم أن يرتضوا أي حلول مستقبلية، لأن تنظيماً متطرفاً يمتلك ما لا يمتلكون.

الأميركيون يحاولون الاستفادة سياسياً من حوادث استخدام الكيميائي