أميركا والحرب على داعش: الحقائق تكذّب التقارير

قسم التحليل في مكتب واشنطن بالتعاون مع مركز الدراسات الأميركية والعربية يستعرض ما يتم تداوله من "تدخل قادة القيادة المركزية تعديل استنتاجاتهم فيما يخص التقارير الميدانية حول الدولة الاسلامية،" وطبع استراتيجية الرئيس أوباما بالنجاح وتحقيق الانجازات. حيث أن سيل القضايا المحرجة للسياسة الأميركية لا ينقطع، بالرغم من مشارفة العطلة الصيفية على الانتهاء، وأبرزها تلاعب المشرفين على انتاج التقارير الاستخباراتية بمضمونها.

حذرت دورية "فورين افيرز" المرموقة من التسطيح وثنائية الخيارات
إستدارت واشنطن ودوائرها السياسية إلى داخل مركز صنع القرار عقب "اكتشاف" تطويع مضمون واستنتاجات تقارير استخباراتية، عسكرية الطابع، تصب في خدمة توجه الادارة الاميركية الراهن، بأن غاراتها الجوية ضد تنظيم "داعش" تؤتي ثمارها وتحقق إنجازات.

وليس صراع الاجنحة المتعددة في القرار الاميركي وليد اللحظة أو محصور برئيس معين، بل لأزمة رافقت كافة الرؤساء الاميركيين منذ الحرب العالمية الثانية، بالتزامن مع تنامي دور "المجمع العسكري الصناعي" وأجنحته المالية والاعلامية، في صياغة القرار السياسي والاستراتيجية العامة، منذ الحرب الاميركية على فيتنام تحديداً.

وتم الترويج لجذر الأزمة الاخيرة أنه يخص "دقة وصوابية المعلومات الاستخباراتية" لاعانة الرئيس اتخاذ قراراته خدمة للاستراتيجية العامة، وحصر لبّ النقاش في داخل أروقة واشنطن من قبل الاطراف المعنية. وأقصى ما ترمي تحقيقه إدخال بعض الاصلاحات على آليات وهيكل الاجهزة الاستخباراتية، في المحصلة العامة "درءاً لمزيد من الاحراج والارباك" للمؤسسة الحاكمة.

وفي هذا الصدد، وعقب توجيه الادانات والاتهامات المباشرة للرئيس السابق جورج بوش الابن ونائبه ديك تشيني، حذرت دورية "فورين افيرز" المرموقة من التسطيح وثنائية الخيارات وتسييس المسائل "إذ أن الخيارات الحقيقية الصلبة نجدها في تلاوين رمادية متعددة، واعتماد اصلاحات متسرعة قد تضر اكثر ما تنفع". وأضافت أنه ينبغي الالتفات إلى تعزيز وإعلاء "المنطق السليم وسويّة التوجه وسلامة الحالة النفسية لكبار المسؤولين، بينما أسهمت الاصطفافات الحزبية في حصر الازمة ضمن حدود مقبولة بشكل عام". (عدد أيار/حزيران 2004)

ويستند المرور على بديهيات موضوعية إلى الاعتماد الصارم على الحقائق دون سواها من اعتبارات لا يضيف جديداً، مع ادراك كل من يعمل بالشأن العام أن "التقارير" تصاغ ويتم تطويعها لتصب في خدمة أهداف سياسية محددة لصانع القرار، مؤسسة أو منصباً رئاسياً.

وفي الحالة الراهنة، تم تسليط الضوء، وبالتالي المسؤولية، على هيئة "القيادة المركزية" للقوات الاميركية المسلحة، كونها الجهة المخولة بجمع وتحليل وصياغة التقارير الميدانية الخاصة بالحرب على "داعش". واستحضر دور "المفتش العام" في وزارة الدفاع للتدقيق في تلك الآلية وتحديد المسؤولية، نظرياً، عقب تسريب أنباء تفيد بأن كبار القادة العسكريين مارسوا ضغوطاً على مرؤوسيهم للخروج باستنتاجات معينة تعطي "صورة وردية ومشجعة" للحرب الاميركية خلافاً للوقائع الملموسة.

التسييس أسلوب قديم وفعال

في الجانب التفصيلي الهام، صرح العميد توماس وايدلي، رئيس اركان قيادة العمليات العسكرية، يوم 15 أيار الماضي، أن "داعش يعاني من خسارة وهو في موقف الدفاع". بينما أتت تصريحات المسؤولين العراقيين في اليوم عينه لتفند ادعاءاته لتزامنها مع احتلال التنظيم للمجمع الحكومي الرئيس في مدينة الرمادي، وسقوط المدينة بأكملها في قبضته بعدها بيومين.

وأوضحت النشرة الالكترونية "ديلي بيست" الاعتبارات والدوافع التي أدت لإعادة صياغة الوقائع بالقول إن "التقارير التي اعتبرت متشائمة فيما يخص فعالية الحملة الاميركية، أو التي شككت بالقوات العراقية المدربة أميركياً وقدرتها على الحاق الهزيمة بداعش، وجدت طريقها عبر التسلسل الهرمي للقيادة بل لم يتم اطلاع كبار المسؤولين عليها".

وأردفت نقلاً عن أطقم المحللين القول "القاعدة العامة المشتركة إن الاستنتاجات والخلاصات المطلوبة كان ينبغي أن تسير ضمن سقف محدد سلفاً، وعليه مارسوا رقابة ذاتية على المضمون" نظراً للضغوط المفروضة على عدم الخروج عن المألوف.

مدير وكالة الاستخبارات العسكرية السابق، مايكل فلين، وصف ما أعلن "المصطلح الذي يمكنني استخدامه هو تسييس الاجهزة الاستخباراتية. إنه أمر خطير".

وأشار العاملون في تلك الاجهزة إلى أن قادة الاستخبارات في القيادة المركزية شكلوا درعاً واقية ضد الضغوط الخارجية في السابق، لكن الحماية المفترضة شهدت تراجعاً في السنتين الاخيرتين. "يلمس المرء إيحاءات وضغوط لبقة ومتقنة لكنها فعالة".

ومن نافل القول إن إدارة الرئيس باراك اوباما "سارعت" سابقاً في نعي وفاة تنظيم القاعدة عقب الغارة الاميركية على مقر إقامة أسامة بن لادن، عام 2011. وأوضح العقيد السابق في الاسخبارات العسكرية، ديريك هارفي، للنشرة المذكورة، أنه "بصرف النظر عن أن القاعدة دمرت أو تم تهميشها، جاءتنا الاوامر بالتوقف والكف عن المضي في سياق ذلك التحليل".

ومضى هارفي في تعرية سياسة الضغوط الرسمية إلى أنه وبالاستناد إلى الحقائق والملفات التي استولت عليها القوات الاميركية في تلك الغارة فإن "صفوف التنظيم من وجهة نظرنا كانت متنوعة واقوى بما كان يعتقد سابقاً، بصرف النظر عن تلقي بؤرته القيادية ضربة موجعة".

وقبيل العدوان الاميركي واحتلاله العراق، 2003، استحدثت البنتاغون هيئة سياسية "مكتب التخطيطات الخاصة"، لتسويق العدوان وايلائه مهمة "توفير سياق مراجعة مستقل للمعلومات الاستخباراتية الخامة، قبل تصفيتها وتنقيحها، وتحدي استنتاجات الاجهزة الاستخباراتية التقليدية". وما أسفر عنه "المكتب" هو اضفاء بعداً ايديولوجياً محدداً على التقارير النهائية واتهم بالتلاعب بالحقائق وإرشاد القرار السياسي في اتجاه أوحد وهو شن الحرب بصرف النظر عن "المعلومات الغامضة" وصدقيتها في التيقن من "أسلحة الدمار الشامل".

الحقائق تدحض التقارير

بلغت قوة تنظيم "داعش" أوجها في شهر آب/ اغسطس 2014، باحتلاله مناطق شاسعة ومدن رئيسة في العراق وسوريا، وتكبد خسارة نحو 9% من تلك الاراضي منذ مطلع العام الجاري، وفق احصائيات وزارة الدفاع الاميركية، كمؤشر على "نجاح" استراتيجية الغارات الجوية الاميركية.

وتلتزم الدوائر الاميركية الضبابية والغموض أمام تحديد أدق لطبيعة الخسائر المشار اليها، الأمر الذي انعكس على مضمون تقارير "القيادة المركزية"، والتقديرات التي روجتها وكالة الاستخبارات المركزية لعديد تنظيم داعش بنحو 31،500 عنصر عام 2014، بينما العدد الحقيقي بلغ اضعاف المعلن، حيث يقدر الاخصائيون بالشؤون العسكرية أن صفوف التنظيم تفوق 100،000 عنصر مقاتل ويسيطر على مساحة واسعة من الاراضي يقطنها نحو 4 مليون مواطن. تلك الارقام لا تأخذ بالحسبان الميليشيات المحلية المشكلة في الاراضي المسيطر عليها.

وخرجت الارقام "الرسمية" من التداول سريعاً ليتبعها تقديرات بأن قوة التنظيم العددية حافظت على مكانتها كما كانت عليه العام الماضي، تمكنه من الاحتفاظ بالمساحات الشاسعة والمراكز السكانية تحت سيطرته، بل شنّ هجمات متعددة.

تلتزم الدوائر الاميركية الضبابية والغموض

مراجعة السياسة المتبعة

تعديل الوقائع الملموسة وتزيينها في الوسائل الاعلامية لم يعد ترفاً تستطيع الادارة الاميركية الاستمرار به. واضطرت للتجاوب مع الاتهامات "بفشل سياساتها تجاه داعش"، بل فشل طموحاتها بتشكيل وتدريب قوات مسلحة سورية "معتدلة" كبديل موازٍ للتنظيمات التكفيرية المتعددة هناك.

في هذا السياق، برز المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية، ديفيد بيترايوس، مطالباً باستغلال تنظيم القاعدة وما تبقى من تشكيلاته كرأس حربة في مواجهة داعش، مستنداً إلى تجربته في استحداث "الصحوات" في العراق عام 2007 واخماد المقاومة العراقية ضد الاحتلال الاميركي، إلى حين.

ولا ينطق بيترايوس من هواه، بل لما يمثله من مصالح وقوى داخل المؤسسة العسكرية والاستخباراتية، رامياً إلى تصويب الجدل إلى داخل اصطفافات الكونغرس باستمرار الدعم وتوفير ما تحتاجه القوات الاميركية من امكانيات ودعم سياسي؛ وطرح المسألة على بساط البحث في مناخ الانتخابات الرئاسية المقبلة.

وأوضحت نشرة "ديلي بيست"، سالفة الذكر، نقلاً عن مقربين من بيترايوس بأنه "يعمل بصمت لحث المسؤولين الاميركيين بناء جسور تواصل مع عناصر معتدلة من "ارهابيي النصرة" وتوكيلهم مهمة التصدي لتنظيم "داعش". يساعده في ذلك تنامي حرب التصفية المتبادلة بين المجموعتين في الاراضي السورية بشكل خاص.

ومن المبكر الجزم بنجاح توجه بيترايوس في الداخل الاميركي نظراً لما يمثله تنظيم القاعدة من ارهاب مسؤول عن هجمات 11 أيلول / سبتمبر 2001، في الذاكرة الجمعية الاميركية.  

الخلاصة

بلغت قوة تنظيم "داعش" أوجها في شهر آب/ اغسطس 2014
صراع الارادات بين الاجهزة الاستخبارية وصناع القرار السياسي ليس وليد اللحظة بل يعود إلى سنين طويلة، فيما يخص النظام السياسي الاميركي وضوابطه المتعارف عليها.

في الماضي القريب، استفاق العالم على غزو المانيا النازية للاتحاد السوفياتي بناء على رغبة واصرار هتلر بخلاف اجهزته الاستخباراتية وقيادة الاركان العامة التي "اضطرت" لتوضيب سيل المعلومات لتناسب مقاسات رؤية هتلر، الذي ثبت لاحقاً حجم خطله في تقييم قدرة الجيوش السوفياتية وعزمها على الدفاع بشراسة عن أراضي البلاد.

وفي الوضع الراهن، يستمر الرئيس اوباما وأركان إدارته بالاعلان عن فعالية "الحرب الجوية المحدودة" والحاقها الهزيمة بتنظيم داعش، مستنداً إلى تقارير استخباراتية "تم إعادة صياغتها" لتلائم طموحاته وآماله؛ الأمر الذي وفر له ولحزبه الديموقراطي منصة سياسية استغلها في الانتخابات النصفية عام 2014.

ومن غير المرجح أن يطرأ أي تعديل جوهري على التوجه الراهن، فيما يخص "الحرب على الارهاب"، ولحين انتهاء موسم الانتخابات الرئاسية، لا سيما وأن مستقبل المرشحة الاقوى عن الحزب الديموقراطي، هيلاري كلينتون، مرتبطة عضوياً بسياسات الرئيس أوباما في الشرق الاوسط، وتسعى لتفادي أي انتقادات تمس جوهر السياسة خلال السباق الرئاسي.

وفي العرف الاميركي، لا تلبث انتقادات الاجهزة الاستخباراتية أن تبرز حتى تتلاشى وتختفي سريعاً "لاعتبارات الأمن القومي". وعليه، من المستبعد السماح لمرشحي الرئاسة من الحزبين التطاول على المؤسسة بكافة تلاوينها، لا سيما القيادة المركزية، التي تأتمر مباشرة للبيت الابيض. وفي هذا السياق، من غير المرجح أن تلقى مناشدات الاصح آذاناً صاغية وستغرب عن الظهور سريعاً أيضاً.