اغتيال السفير الروسي..من المستفيد؟

هناك قناعة في الدوائر الغربية بأن أنقرة بصدد تنفيذ الإستدارة الأخيرة في سوريا وفق تفاهمات متدحرجة مع روسيا ومن ثم إيران. تصعيد إردوغان بوجه الأوروبيين في الآونة الأخيرة لا يساهم في استيعاب الحليف التركي. الفراغ الأميركي الناجم عن عملية انتقال السلطة في هذه المرحلة لا يعوّل عليه بالنسبة لحلفاء واشنطن في الشرق الأوسط ومن بينهم أنقرة.

الرجل الذي أطلق النار على السفير الروسي

يحكي أداء السلطات التركية بالأمس الكثير عن سياستها الحالية...يحتاج أردوغان أكثر من أي وقت مضى لصدور بيان عن داعش أو عن جماعة متطرفة تنسب اغتيال السفير الروسي إليها. عند الساعة الثامنة والنصف تبلغت السفارة الروسية في أنقرة بوفاة السفير أندريه كارلوف. ما بين اطلاق النار على السفير وإعلان الوفاة أربعون دقيقة تقريباً كانت كافية للأجهزة التركية لتعلن أن القاتل شرطي سابق تارة، وأنه ينتمي لتنظيم غولن تارة أخرى، قبل أن تعتقل والدته وشقيقته، في وقت كانت صور مولود الطانطاش مكرماً من قبل إردوغان قبل أسابيع قليلة - كونه عنصر في قوات مكافحة شغب الانقلاب الأخير - تملأ فضاء شبكات التواصل الاجتماعي.

المشهد برمتّه في لقطاته السريعة بدا أنه ينحو منذ اللحظة الأولى باتجاه اتهام "الجهاديين": الأداء "الثوري" للقاتل و عباراته الأخيرة التي ترد في أناشيد لجبهة النصرة "نحن الذين بايعوا محمداً على الجهاد" واستعارته كلمات أسامة بن لادن "لن تكونوا في أمان ما لم تكن بلادنا في أمان"... عبارات عززت هذا المنحى. 

في كواليس المشهد أيضاً أن القاتل الشرطي بدا أنه لا يملك أي خطة للانسحاب. تنفيذ عملية اغتيال في مكان علني بهذا الأسلوب البارد يبدو فعلًا أقرب إلى "الهجوم الانتحاري". لم يتضح ما إذا كانت مخازن الرصاص التي تمّ إفراغها في جسد القاتل قد استهدفت قتله فوراً أم شلّ حركته. التحقيق الروسي سيكشف هذه المسألة. أما الحديث عن كون القاتل شرطي سابق فلا يوجد ما يدعمه. على العكس من ذلك، فإن حقيقة أنّ عمره 22 عاماً ووضعه زر فريق الحماية على بزّته كلها وقائع تشككّ في الرواية الرسمية لأنقرة. لنسقط كل هذه التحليلات. المؤكد أن السلطات التركية بالأمس كانت محرجة ومربكة. وصفُ المجلس الفدرالي الروسي للإغتيال بأنه فشل أمني ذريع لتركيا هو موقف مضبوط قدر الإمكان. 


تاريخياً، من شأن هكذا حدث أن يؤدي إلى اندلاع حرب. من المستفيد؟ سؤال بديهي يُطرح عادة في الجرائم الغامضة. وجريمة اغتيال السفير الروسي لا تقل غموضاً عن أي جريمة لم تكن الكاميرات خلالها مسلطةً على القاتل. هناك قناعة في الدوائر الغربية بأن أنقرة بصدد تنفيذ الإستدارة الأخيرة في سوريا وفق تفاهمات متدحرجة مع روسيا ومن ثم ايران. تصعيد إدوغان بوجه الأوروبيين في الآونة الأخيرة لا يساهم في استيعاب الحليف التركي. 

الفراغ الأميركي الناجم عن عملية انتقال السلطة في هذه المرحلة لا يعوّل عليه بالنسبة لحلفاء واشنطن في الشرق الأوسط، ومن بينهم أنقرة. وسط هذا كله، ساد صمت في تل أبيب بالأمس إزاء ما يحدث في تركيا. صمتٌ مدوٍ لم يخرقه سوى توصيات أطلقها وزير الدفاع السابق موشيه يعالون قبل أسبوع عبر معهد الأمن القومي، ودعا فيها إلى "تقليم أظافر" إردوغان لتجرئه على تجاوز الخطوط الحمراء الأميركية في سوريا.