الطريق إلى فيينا: أطول من صراع وأقسى من حرب

من الثورة والحصار إلى الاشتباك مع أميركا والغرب، الميادين تستعرض رحلة البرنامج النووي الإيراني وصولاً إلى الاتفاق ضمن وثائقي "طريق فيينا" الذي يتناول في جزئه الأول دور إسرائيل في التحريض على إيران ومنشآتها النووية، وكواليس التفاوض مع الثلاثي الأوروبي، والرفض الأميركي وعودة التخصيب. الوثائقي يتضمن معلومات ومعطيات تكشف للمرة الأولى بلسان صانعي القرار أمنيين ومتابعين.

السفير الإيراني السابق لدى باريس يروي كواليس المفاوضات بين طهران والأوروبيين
السفير الإيراني السابق لدى باريس يروي كواليس المفاوضات بين طهران والأوروبيين
في تموز/ يوليو 2015 أُعلن التوصل إلى الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة الدول الست. الاتفاق عُدّ تاريخياً ومفصلياً. ما سبقه جولات ماراتونية من المفاوضات كشفت الميادين عن بعض كواليسها. بيدَ أن هذه الجولات كانت عبارة عن خطوات في طريق من الكباش والاشتباك، ربما كان النووي عنوانه الظاهر أما ما تستّر عند كل مفترق منه فهو مصلحة أميركية إسرائيلية مشتركة بتغيير النظام في إيران وتقويض قدرتها العسكرية ودعمها لحركات المقاومة في المنطقة.

وقائع التاريخ والمحطات المختلفة في هذا الطريق وما عُرف منها تؤكد أن الولايات المتحدة التي لم تهضم خسارة حليف استراتيجي لها هو شاه إيران محمد رضا بهلوي، لم تلعب يوماً إلا الدور الممارس للضغوط من خلال العقوبات والحصار، أما إسرائيل التي وصفت سقوط نظام صديقها بـ"الزلزال" فكانت تظهر في العلن منتقدة ومهاجمة ورافضة لأي تقدّم في هذا المسار، فيما تتحرك في السرّ بين العواصم ليس لقطع الطريق على أي فرص للاتفاق في مراحله الأخيرة فقط بل لتحريك القضية من الأساس عبر إثارة مسألة "البرنامج النووي العسكري" ابتداء منذ منتصف التسعينيات، وفي السنوات اللاحقة من خلال وضع أشكال مختلفة من العقبات عند المفاصل الرئيسية. 

بعض من خفايا الدورين الأميركي والإسرائيلي يكشفه وثائقي "الطريق إلى فيينا" الذي عرضت الميادين الجزء الأول منه هذه المرة على لسان شخصيات لعبت دوراً أساسياً ومحورياً في هذا الطريق، كرئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية السابق أهارون زئيفي الذي يروي جوانب من الدور الذي لعبه بنفسه من أجل تحريض الدول الكبرى ضد إيران، وغاريث بورتر الصحفي الأميركي الذي أرّخ للمفاوضات النووية بين إيران والغرب، وعلي أكبر صالحي رئيس الوكالة الإيرانية للطاقة الذرية والسفير الإيراني السابق لدى فرنسا صادق خرازي الذي أوصل رسالة الترويكا الأوروبية إلى القيادة الإيرانية في 2003 وغيدو شتاينباخ مدير المعهد الألماني لدراسات الشرق الأوسط وآخرين.

الوثائقي الذي أعدّه وأخرجه الزميل عباس فنيش يستعرض في الجزء الأول منه المحطات الرئيسية منذ سقوط النظام الشاهنشاهي الذي أرسى اتفاقية تعاون في مجال الطاقة الذرية وأنشأ مفاعل بوشهر للطاقة وعقد اتفاقيات مع فرنسا وألمانيا، إلى انتصار الثورة الإسلامية التي يقول غاريث بورتر "إنها خلقت نظاماً لم يكن متحمساً للنووي على الأقل حيث كان ينظر إليه كرمز لموالاة الاستعمار"، مروراً بالحرب العراقية الإيرانية التي قصف خلالها مفاعل بوشهر، وصولاً إلى تولي المرشد خامنئي زمام القيادة بعد رحيل الإمام الخميني واضعاً إحياء البرنامج النووي والمنشآت من ضمن الأولويات. لينطلق مسار جديد جرى خلاله تشديد الحصار على إيران ومنعها من الوصول إلى التقنية الحديثة فضلاً عن العقوبات.

مسؤول إسرائيلي يكشف عن دور تل أبيب في التحريض على إيران

يقرّ أهارون زئيفي بأنه جال على دول العالم للتحريض ضد إيران
يقرّ أهارون زئيفي بأنه جال على دول العالم للتحريض ضد إيران
من خلال الوثائقي يتضح الدوران الأميركي والإسرائيلي في هذا المسار لجهة قطع الطريق على أي محاولات لمساعدة إيران أو حتى إبداء المرونة اتجاهها، فالرئيس الأميركي بيل كلينتون اتخذ منذ وصوله قراراً مباشراً بدعم سياسة إسرائيل تجاه إيران، وفي تلك المرحلة أعلنت الحكومة الإسرائيلية أن إيران لم تعد عدواً إقليمياً بل باتت تهديداً وجودياً. 


إنطلاقاً من هنا يكشف أهارون زئيفي عن الدور الذي لعبته الاستخبارات الإسرائيلية في سياق الترويج لـ"البرنامج النووي العسكري". يقول "أجريت لقاءات مع وزراء دفاع في أنحاء العالم بما في ذلك أوروبا من أجل إثبات وجود برنامج نووي عسكري"، بيد أن مصدر الخشية الإسرائيلية كان يكمن في برنامج الصواريخ البعيد المدى. يضيف زئيفي "إن المعلومات التي كانت بيننا كإسرائيليين أنه يمكن رؤية صواريخ أرض أرض موجهة نحو إسرائيل في المناورات ومع إجراء حساب لزوايا الإطلاق كان المشهد يبدو واضحاً".


مطلع عام 2000 كانت الوكالة الدولية للطاقة الذرية بدأت تحركها. بات النشاط النووي الإيراني معروفاً لكن ما كان يريد أن يعرفه الجميع هو إلى أين وصل الإيرانيون. هنا يقول زئيفي "المعلومات التي قدمناها كان لها وزن استراتيجي وتأثير".

لم يجد المفتشون الذين زاروا إيران في شباط/ فبراير 2003 ما اُتهمت إيران بالتخطيط له. بعد أقل من شهر كان الغزو الأميركي للعراق على خلفية "أكذوبة" أسلحة الدمار الشامل. هنا يقول غاريث بورتر "إن القواعد الأميركية الستة في العراق كانت ستُستخدم لتغيير النظام في إيران وسوريا"، فيما يروي صالحي ما قاله له صحفي أميركي آنذاك بأنه بعد حرب العراق "سيحين دور إيران"، فكان ردّه "إيران تستطيع أن تدافع عن نفسها".


مدفوعة بهاجس عدم تكرار سيناريو الحرب العراقية مع بدء ضغط الرئيس الأميركي جورج بوش باتجاه إيران، تحركت الترويكا الأوروبية (ألمانيا وفرنسا وبريطانيا)، وعبر السفير الإيراني السابق لدى باريس صادق خرازي بعثت برسالة إلى القيادة الإيرانية.
 يقول خرازي ضمن وثائقي الميادين "سلّمت الرسالة التي تسلّمتها إلى وزير الخارجية آنذاك وللشيخ حسن روحاني" الذي كان آنذاك سكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي، مضيفاً أن مضمون الرسالة التي تركت انطباعاً إيجابياً لدى إيران كان أنه "لدى إيران الحق المشروط ويجب عليها التعاون مع وكالة الطاقة الذرية وأنه يمكن خلق فرص لها عبر الاستعداد لإزالة بعض العقوبات". هذه الرسالة بمضامينها الكبيرة وفق خرازي "سجلت ضمن الوثائق الإيرانية والأوروبية".

 

وبدأت المفاوضات بين الترويكا الأوروبية المدفوعة بهواجس عسكرية وطهران التي ارتبطت هواجسها بالجوانب التقنية لبرنامجها النووي. يقول صالحي "إن إيران، التي كانت تحررت من الشرق والغرب بعد سقوط طالبان في أفغانستان وصدام حسين في العراق، دخلت المفاوضات بعدما ازدادت قدرتها على المناورة وتعاظم نفوذها".

حين قالت إدارة بوش "لا" للترويكا الأوروبية

غاريث بورتر الذي أرّخ للمفاوضات بين إيران والغرب: واشنطن أرادت تغيير النظام
غاريث بورتر الذي أرّخ للمفاوضات بين إيران والغرب: واشنطن أرادت تغيير النظام
المتابع للوثائقي يدرك أهمية المصطلحات وكيف أن كلمةً يمكن أن تُجهض اتفاقاً وتوصله إلى طريق مسدود. يروي خرازي المعركة بين مصطلحي "التوقف" الذي أراده الأوروبيون و"التعليق" الذي تحدثت عنه إيران في مفاوضات سعد أباد، ومن ثم النقاش حول تعريف التعليق وماذا يعني.


في نتيجة المفاوضات وافقت طهران على تعليق أنشطة التخصيب مقابل اعتراف الترويكا الأوروبية بحقوق إيران النووية. لكن بدل أن تبدأ نتائج هذا الاتفاق بالظهور أُثيرت مسألة منشأة "لوسان" التي تُطوّر أسلحة نووية. آنذاك كان التناغم الأميركي الإسرائيلي في أعلى مستوياته وكانت أوكلت الإدارة الأميركية الملف النووي الإيراني إلى مساعد وزير الخارجية جون بولتون الذي يصفه غاريث بورتر في الوثائقي بأنه "صانع السياسة تجاه إيران، كما في قضية الأسلحة النووية" فضلاً عن كونه "حلقة تواصل مع الإسرائيليين في إدارة بوش". 


سرعان ما ترجم بولتون توجهاته في لقائه مع الترويكا الأوروبية التي أرادت تجنّب اللجوء إلى مجلس الأمن خشية تطوّر الأمر إلى حرب مع إيران. هنا يؤكد بورتر أن الأوروبيين كانوا ينوون متابعة المفاوضات لكن الطرف الأميركي قالت لحلفائها كلا لن تفعلوا ذلك. عليكم أن تبلغوهم أنه لا يمكنهم الحصول على أي تخصيب". 


آخر فصول المباحثات الأوروبية الإيرانية شهدتها بروكسل حيث تركّز الحديث عن أجهزة الطرد المركزي وكيفية عملها وكيف يصار إلى تعليقه، وفق خرازي الذي أكد أن الضغوط كانت كبيرة. رغم ذلك تم الاتفاق على تعليق التخصيب لستة أشهر كجزء من عملية بناء الثقة. لكن الأشهر الستة أصبحت سنة ثم سنتين وفق صالحي، ومع مرور الوقت أصبحت مسألة التعليق مادة للجدل داخل إيران.


في صيف 2005 انتهت ولاية الرئيس محمد خاتمي. انتخب محمود أحمدي نجاد رئيساً. في أوّل خطاباته كان نجاد واضحاً بأن الحصول على التكنولوجيا النووية هو مطلب جميع الإيرانيين، ومع بداية ولايته أعلنت طهران استئناف التخصيب.



ظنّ العالم ربما أن هذا التحوّل هو نتيجة انتخاب رئيس محسوب على التيار المحافظ. لكن ما لا يدركه كثيرون ربما أن المرشد خامنئي تدخل في الأيام الأخيرة من ولاية خاتمي وقبل التسلم والتسليم طلب منه إلغاء الاتفاق مع الأوروبيين وفضّ الأختام واستئناف العمل، كما يروي صالحي في الوثائقي. وهكذا صدر قرار برفع الشمع عن المنشآت النووية وبدأت عملية التخصيب من جديد.


في الجزء الثاني من الطريق إلى فيينا عبر الميادين استكمال للمحطات التاريخية وأسرار تكشف للمرة الأولى حول اغتيال العلماء الإيرانيين ومسؤولية إسرائيل، والدور الذي لعبته سلطنة عمان بين طهران والغرب لاستئناف المفاوضات.