التوتر بين أوباما ونتنياهو.. خلاف المصالح وحدود اللعبة

حبل التوتر المشدود بين نتنياهو وأوباما استرعى انتباه المتابعين والمحللين في واشنطن وتل أبيب، وأثيرت الأسئلة عن مآلاته وانعاكاساته على العلاقة الاستراتيجية بين العاصمتين، هل تقود خطوات نتنياهو وردود الإدارة الأميركية إلى تحوّل نوعي في هذه العلاقة؟

يسعى البيت الأبيض إلى تأديب نتنياهو ولجمه بعدما أحرج راعي المفاوضات بآرائه الفجة بشأن التسوية (أ ف ب)
لم تنته بعد مفاعيل التصريحات الأميركية الأخيرة تجاه نتنياهو. قبل أقل من أسبوع قال البيت الأبيض كلمته أمام مجموعة "جي.ستريت" الليبرالية لليهود الأميركيين. مستشار أوباما دعا نتنياهو إلى "إنهاء احتلال مستمر منذ 50 عاماً" للأراضي الفلسطينية. جدد انتقاده تصريحات نتنياهو التي تعهد فيها بعدم إقامة دولة فلسطينية طالما بقي رئيساً للوزراء. شدّد على حق الشعب الفلسطيني في العيش والحكم الذاتي في دولته المستقلة.

بالشكل جاءت هذه التصريحات صادمة. هلّل لها البعض. ترقّب البعض الآخر. بعض التقديرات الإعلامية ذهبت بعيداً في مآل وتداعيات الخلافات بين واشنطن وتل أبيب. الصحافة الإسرائيلية ما زالت مشغولة بالتوتر على خط أوباما-نتنياهو. سيل الانتقادات التي اشتعلت بوجه نتنياهو لم يجف حبرها بعد. بعض الانتقادات هي بالتأكيد جزء من عدة الشغل الأميركية. هذه الانتقادات داخل إسرائيل لاقتها حملة مماثلة في الإعلام الأميركي. يسعى البيت الأبيض إلى تأديب نتنياهو ولجمه بعدما أحرج راعي المفاوضات بآرائه الفجة بشأن التسوية، كما بتصريحاته العنصرية تجاه الفلسطينيين.

صحيفة "معاريف" تلخص المأزق الإسرائيلي على الشكل التالي: "يسود في الساحة السياسية الإسرائيلية، تقدير بأن احتمالات إلغاء الفيتو الأميركي التلقائي من أجل إسرائيل في مجلس الأمن باتت مرتفعة، وأن الولايات المتحدة ستدرس من الآن فصاعداً، كل حالة على حدة، كما أن المظلة الدولية هي الأخرى باتت في خطر، أضف إلى ذلك أن صد المبادرات الأوروبية حول المقاطعة والعقوبات، بات يترنح".

بالنتيجة ما هي حدود هذا التوتر؟ وإلى أين سيفضي؟ وما هي انعاكساته على العلاقة الاستراتيجية بين أميركا وإسرائيل؟ 

وقائع تحكم أوباما

لا بد من الإشارة إلى أن هذا التوتر لا يعتبر سابقة في تاريخ العلاقة بين تل أبيب وواشنطن. على سبيل المثال حصل توتر مشابه عام 1991 بين حكومة جورج بوش الأب ورئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك اسحاق شامير. نشب الخلاف وقتها على خلفية حضور مؤتمر مدريد. ضغط الأميركيون واستجاب الإسرائيليون تحت وطأة حاجتهم إلى قرض بحوالي 10 مليارات دولار لتغطية مشاريع إسكانية مرتبطة بهجرة مليون روسي في بداية التسعينات.

هذا يؤكد بحسب الدكتور سيف دعنا أستاذ علم الاجتماع والدراسات الدوليّة من جامعة "وسكنسن" في شيكاغو أن الإدارة الأميركية تستطيع أن تضغط على إسرائيل متى تريد، ولديها القدرة والأدوات اللازمة لتحقيق ذلك.

 هل نحن أمام حالة مشابهة اليوم؟

يرى دعنا أنه يجب عدم المبالغة في توقع تبعات كبيرة للتوتر لأسباب عدة:

- أولاً، لا جديد في الموقف الأميركي بالمعنى السياسي. الموقف الصادر حديثاً هو نفسه الموقف الأميركي المعلن من القضية الفلسطينية وخلاصته حل دولتين في حدود الـ67، أما التركيز عليه في الإعلام مقصود، والهدف منه التلويح لنتنياهو بقدرات أميركا والتلويح برفع الغطاء عنه في المحافل الدولية. علماً بأن المهم بالنسبة للأميركيين استمرار المفاوضات وليس الوصول إلى حل.

- ثانياً، نحن أمام حملة انتخابات أميركية في آخر الصيف. الإدارة الأميركية لن تخاطر بفرص الحزب الديمقراطي من خلال تأزيم العلاقات مع إسرائيل. إسرائيل جزء من النسيج الأميركي والجميع سيقوم بخدمتها. الجمهوريون سيساومون على أوباما وعلى الحزب الديمقراطي بالادعاء أنهم يدعمون إسرائيل أكثر لجذب الأصوات.

ثالثاً، التصريح الذي جاء على لسان مستشار أوباما صدر أمام منظمة يهودية وعبّر عن موقفها ولاقى استحساناً منها.

هذا التوتر لا يعتبر سابقة في تاريخ العلاقة بين تل أبيب وواشنطن (أ ف ب)

خلفية التصريحات الأميركية

يهود معادون للصيهونية يتظاهرون في واشنطن احتجاجا على خطاب نتنياهو أمام الكونغرس (أ ف ب)
في قراءته لخلفيات التصريحات الصادرة عن الإدارة الأميركية، يعتقد دعنا أننا أمام مناورة للضغط على نتنياهو لإجباره على تشكيل حكومة معينة للعودة إلى مسار المفاوضات. هذا الأمر يشترط حكومة غير يمينية في إسرائيل. تشكيل حكومة "وحدة وطنية" تضم "المعسكر الصهيوني" بقيادة تسيبي ليفني أحد الخيارات المطروحة.

حدود المسألة إذاً تأديب نتنياهو والضغط عليه لتحقيق أهداف سياسية. الإدارة الأميركية غير عاجزة عن تغيير خطابها تجاه إسرائيل لكنها لا تريد ذلك. يلاحظ دعنا أن إدارة أوباما تمكنت خلال يومين من إحداث ضجة. هذا يؤكد قدرتها، ولو كان لديها توجه جدي للضغط على إسرائيل بإمكانها إحداثه، ولكن كل المطلوب تصوير نتنياهو أمام الرأي العام الأميركي رئيساً لدولة أجنبية أهان أميركا ورئيسها.

كان بإمكان الإدارة الأميركية إطلاق حملة إعلامية ذات مستوى أعلى من النقد تجاه نتنياهو. حملة يتم فيها تصويره كفاشي أو نازي كما تفعل مع الزعماء العرب غير المرغوب بهم، لكنها بحسب دعنا غير معنية بالوصول إلى هذه النتيجة.

رغم ذلك يلاحظ دعنا صيغة جديدة في انتقاد إسرائيل في الصحافة الأميركية. "جرأة مختلفة عن السابق، لكنها تأتي في سياق انتقاد الابن الضال لمصلحته".

في النهاية يرى دعنا أن إدارة أوباما نجحت في حملتها ضد نتنياهو. انتقاد نتنياهو في الصحافة الإسرائيلية، الحديث عن عدم جواز إغضاب أميركا في أوساط المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين، حققت الأهداف. يقدّر دعنا أن نتنياهو سيستجيب في النهاية وسيضطر لأسباب تتعلق بتوزيع المقاعد في الكنيست أو لأسباب سياسية أن يشكل حكومة ليست يمينية خالصة.

بمعزل عن هذا الأمر نجحت الإدارة الأميركية من خلال حملتها بـ "تبييض" وجهها على المقلب الآخر. تصريحات نتنياهو العنصرية تجاه فلسطينيي الـ48، وموقفه المعلن من حل الدولتين أدى إلى إحراجها أمام بعض العرب الذين قد يعتبرون ان عدم الوصول إلى حل في فلسطين يحرجهم في بلادهم، عدا عن الأوروبيين الغاضبين بسبب السياسة الإسرائيلية". 

الخطوط الحمراء

يعتبر دعنا أن حبل التوتر بين أوباما ونتنياهو سيبقى مشدوداً طالما بقيا على رأس السلطة. هل الكيمياء المفقودة بين الرجلين أحد الأسباب وراء هذا التوتر أم أن للأمر تفسيرات سياسية بحتة؟

يذكّر دعنا بلائحة الاتهام الأميركية بحق زعيم الليكود: "في المرة السابقة دعم نتنياهو بشدة الجمهوريين في انتخابات الكونغرس وهذا يعتبر تدخلاً في السياسة الداخلية الأميركية، وطبعاً خطابه الأخير في الكونغرس يعد إهانة لأوباما، وهذه مسألة ساهمت في التوتر". ويضيف "القضية الثانية رفضه لحل الدولتين والخطاب العنصري تجاه الفلسطينيين خلال الانتخابات الإسرائيلية، وهذا يذكر بالخطاب الأميركي عن السود". نتنياهو هو الوحيد في العالم اليوم الذي يصرّح تصريحات عنصرية بهذا الشكل ضد 20 في المئة من سكان الدولة الذي هو رئيس وزرائها، وهذا الأمر محرج للإدارة الأميركية. أضف إلى ذلك أن هناك توجه أوروبي للضغط على إسرائيل، ولوقف هذا الضغط يجد الأميركيون أن عليهم أن يتخذوا على الأقل موقفا علنيا منتقدا لإسرائيل.

بناء عليه لا يستبعد دعنا أن تسمح واشنطن بتمرير قرار في مجلس الأمن يؤيد قيام الدولة الفلسطينية في إطار الضغط على نتنياهو. "هذا القرار لن يكون جديداً ولا نوعياً ولا يختلف عن الموقف الأميركي المعلن، بل سيعبّر عنه وعن الخطوط الحمراء الأميركية لكنه أيضاً سيتعامل مع الرؤية الإسرائيلية". 

خطاب نتياهو يكسر المشهد

هل هناك تباين اليوم بين الحزبين الديموقراطي والجمهوري حول مقاربة العلاقة مع إسرائيل على ضوء التطورات الأخيرة؟

يوضح دعنا "تاريخياً كان هناك إجماع بين الحزبين على إسرائيل، خطاب نتنياهو في الكونغرس كسر هذا المشهد. 50 عضواً في الكونغرس غابوا عن خطاب نتنياهو. إنها مسألة جديدة لكنها لا تؤدي إلى تغيير نوعي في السياسة الأميركية تجاه إسرائيل. في النهاية حضر أعضاء من الحزبين خطاب نتنياهو، أما الذين غابوا فقسم منهم من النواب السود الذين اعتبروا أن الإهانة بحق أوباما تنطوي على بعد عنصري لأنه أسود، أما القسم الثاني هم نواب يهود يرون أن نتنياهو أخطأ كثيراً بحيث جعل بعض الأميركيين يفكرون في ما إذا كان ولاء اليهود الأميركيين لأميركا أم لإسرائيل". وتجدر الإشارة إلى أن هذا السؤال لم يطرح قط في أميركا حيث الولاء لإسرائيل جزء من الولاء لأميركا، وبالتالي مقاطعة النواب اليهود لخطاب نتنياهو جاء احتجاجا على خطورة الخطوة التي أقدم عليها نتنياهو، وتأثيرها السلبي على مصلحة إسرائيل.

نتنياهو خلال إلقاء خطابه في الكونغرس (أ ف ب)