ميدانيات ليبيا: سرت تعود إلى الواجهة مرة أخرى

الميدان الليبي يدخل منذ بداية هذا العام في سلسلة من التطورات الميدانية والسياسية المتعلقة بشكل رئيسي بمستقبل المنطقة الغربية. قد تكون التطورات السياسية الأخيرة طرحت بقوة سيناريوهات سلمية لمصير الملف الليبي بشكل كامل، لكن التطورات الميدانية لا تشير إلا لتصعيد عسكري قريب على عدة جبهات.

تصاعدت عمليات الدعم التسليحي المصري والإماراتي والروسي إلى الجيش الوطني الليبي خلال الفترة الماضية (ا ف ب)
دخل الميدان الليبي منذ بداية هذا العام في سلسلة من التطورات الميدانية والسياسية المتعلقة بشكل رئيسي بمستقبل المنطقة الغربية. قد تكون التطورات السياسية الأخيرة بعد اللقاء المشترك بين قائد الجيش الوطني خليفة حفتر ورئيس حكومة الوفاق فايز السراج، طرحت بقوة سيناريوهات سلمية لمصير الملف الليبي بشكل كامل، لكن التطورات الميدانية منذ مطلق العام وحتى اليوم لا تشير إلا لتصعيد عسكري قريب على عدة جبهات.

في اللقاء المشترك الذي دار بين حفتر والسراج في باريس تم الاتفاق على عشر نقاط من أهمها إعداد دستور جديد وإقامة انتخابات برلمانية ورئاسية ودمج المجموعات المسلحة مع قوات الجيش، وبغض النظر عن إمكانية تحقيق هذه النقاط في المدى المنظور، استفاد قائد الجيش الوطني من هذا اللقاء بشكل لافت دعم به شرعيته الدولية سواء أمام الدولة المستضيفة للقاء أو أمام أعضاء مجلس الأمن الذين أصدروا بياناً يرحب باللقاء.

بالتوازي مع هذا التطور وعقبه دخلت إيطاليا بقوة على خط هذا الملف بزيارة مهمة قام بها رئيس أركان الجيش الإيطالي إلى القاهرة، ثم دعوة تمّ توجيهها لرئيس حكومة الوفاق لزيارة روما، في خلال هذه الزيارة طلب السراج "بشكل مفاجئ" من الحكومة الإيطالية توسيع نطاق عملية "صوفيا" البحرية لمكافحة الهجرة غير الشرعية، وهذا التوسيع يسمح للجيش الإيطالي بتنفيذ عمليات جوية وبحرية داخل الأجواء والمياه الإقليمية لليبيا بجانب تكثيف عمليات الدعم التدريبي والتسليحي للقوات البحرية التابعة لحكومة الوفاق.

هذا الطلب قوبل بموافقة مبدئية من إيطاليا التي يصوت برلمانها اليوم على هذا الطلب، والذي أن وضعناه في سياق الطلعات الجوية الإيطالية شبه اليومية في أجواء مثلث "مصراتة – بني وليد – طرابلس"، والدعوات الإيطالية لقادة مجموعات مسلحة وقبائل في سبها لزيارة روما، نكون أمام محاولات إيطالية للاحتفاظ بهامش مناورتها الحالي في ليبيا والذي هو أبعد ما يكون عن المساهمة في أية حلول سلمية. الجزائر أيضا دخلت بوتيرة سريعة على خط الملف الليبي بزيارات قام بها وزير الشؤون الخارجية إلى مصر والإمارات، وزيارة قام بها رئيس حكومة الوفاق إلى الجزائر.

 

ميدانياً، عكفت قوات الجيش الوطني عقب انتهاء الهجوم المباغت المحدود الذي شنته وحدات تابعة لسراي الدفاع عن بنغازي على الهلال النفطي في شهر آذار / مارس الماضي، بدأت قوات الجيش الوطني الليبي في استعدادات عسكرية مستمرة في عدة مناطق تشمل حدود محافظة الجفرة وقاعدة تمنهنت والمناطق الشرقية لسرت والمناطق الغربية لدرنة بجانب مدينة بنغازي. لكن بوغتت قوات الجيش بهجوم آخر في شهر أيار/ مايو الماضي استهدف هذه المرة قاعدة براك الشاطئ الجوية الواقعة في المنطقة الجنوبية، والتي كانت وحدات من اللواء 12 في الجيش الليبي مسيطرة عليها منذ كانون الأول/ ديسمبر 2016، نفذت هذا الهجوم قوة مشتركة من سرايا الدفاع عن بنغازي وميليشيا القوة الثالثة انطلاقاً من مدينة الجفرة، كانت خطة الهجوم تعتمد على تنفيذ هجوم تضليلي على منطقة رملة ولاف ومن ثم توجيه القوة الرئيسية إلى القاعدة. تمكنت القوة المهاجمة لفترة وجيزة من بسط السيطرة على كامل القاعدة لكن تم إجبارها على الخروج منها بعد هجوم لقوات الجيش الوطني.

قبل هذا الهجوم بنحو شهرين، أطلقت قوات الجيش الوطني عملية "الرمال المتحركة" لتحرير المنطقة الجنوبية بالكامل، واستهدفت فيها بشكل رئيسي مدينتي تمنهنت وسبها بالمدفعية الثقيلة التابعة للكتيبتين 321 و181 وبالقصف الجوي من قاعدة براك الشاطئ. تمكنت قوات الجيش من السيطرة على قاعدة تمنهنت أواخر شهر آذار/ مارس بعد ضغوط قبائلية على وحدات القوة الثالثة المتواجدة فيها، لتصبح القاعدتان الجويتان الموجودتان شمال مدينة سبها تحت سيطرة الجيش الوطني.

استأنفت قوات الجيش هذه العملية عقب الهجوم على قاعدة براك الشاطئ، وأطلقت تحركاً هجومياً انطلاقاً من مدينة زلة تمكنت فيه بدعم جوي مصري من تأمين مدن محافظة الجفرة الثلاث الرئيسية "ودان – الهون – سوكنه"، بالإضافة إلى قاعدة الجفرة الجوية لتنهي بذلك أي أثر لعملية "العودة الى بنغازي" التي أطلقتها سرايا الدفاع عن بنغازي في حزيران/ يونيو 2016 من داخل القاعدة وتسيطر على عقدة استراتيجية تجعلها قادرة على إطلاق هجمات رئيسية على اتجاهات عديدة في ما يتبقى لها من أهداف. تمكنت قوات الجيش عقب انتهاء العمليات من صد هجوم انتحاري على مواقعها في مدينة سوكنة، وتصدت لهجوم مماثل استهدف بوابة السدرة.

في المنطقة الشرقية، أنهت قوات الجيش الوطني أوائل الشهر الحالي في بنغازي بشكل شبه كامل عملياتها في محوري سوق الحوت والصابري آخر معاقل ميليشيا مجلس شورى ثوار بنغازي، وأعادت تشغيل مطار بنينا لتغلق بذلك صفحة طويلة من المعارك بدأت منتصف عام 2014، ولم يتبق في بنغازي سوى عمليات التطهير من العبوات المتفجرة، وبدأت بعض وحدات التي شاركت في عمليات بنغازي في الانتقال إلى مناطق الهلال النفطي مثل الكتيبة 309 التي وصلت إلى بن جواد.

في درنة، وهي المدينة الوحيدة المتبقية خارج سيطرة الجيش الليبي في المنطقة الشرقية، فعّلت قوات الجيش الليبي عملياتها في الأطراف الغربية للمدينة مستفيدة من الضربات الجوية التي نفذتها المقاتلات المصرية خلال شهر أيار/ مايو الماضي، وتنفذ مفارز صغيرة عمليات خاصة بشكل شبه يومي داخل المدينة التي تسيطر عليها ميليشيا مجلس شورى ثوار درنة، كما أطلق سلاح الجو الليبي ضربات مركزة استهدفت منطقتي الرحبة والفتائح، واشتبكت مع وحدات مجلس الشورى في منطقتي الكسارات والحيلة جنوبي درنة. تشهد المنطقة الغربية تحركات لمجموعات عسكرية موالية للجيش الوطني في مدينة صبراتة.

فيما يتعلق بنشاط تنظيم داعش، فعلى الرغم من إنهاء قوات "البنيان المرصوص" الموالية لحكومة طرابلس لعملياتها في مدينة سرت أواخر العام الماضي، إلّا أنّ نشاط التنظيم عاد بشكل ملحوظ للتصاعد التدريجي في مناطق جنوب وغرب المدينة، وتكررت حوادث انفجار العبوات الناسفة في مناطق وادي اللود وبوابة بوقرين وطريق زمزم، مما حدا بقوات عملية البنيان المرصوص التابعة لحكومة طرابلس إلى إعلان الاستنفار العسكري في نطاق جنوب مصراتة وجنوب وغرب سرت، وأطلقت المقاتلات التابعة لها ضربات جوية على تجمعات داعش في مطار السبعين جنوبي سرت. في سياق أخر تشهد العاصمة طرابلس منذ أسابيع حالة من عدم الاستقرار الأمني وسط اشتباكات متكررة بين الميليشيات المسلحة في مناطق الهضبة ومحيط مطار معيتيقة وقرب مبنى وزارة الخارجية شاركت فيها ميليشيات النواصي ووحدات من الأمن المركزي بوسليم، كما تسبب انفجار سيارة مفخخة في مقتل عميد بلدية بنغازي.

تشهد مدينة صبراتة أيضاً أوضاعاً مماثلة في ظل هجمات متكررة على عناصر الأمن العام كان آخرها هجوم على سيارة أدى إلى إصابة شخصين، شهدت كذلك مدينة بنغازي قبل انتهاء العمليات بها هجوماً انتحارياً في منطقة سلوق أسفر عن وفاة الشيخ أبريك العقوري شيخ قبيلة العواقير أكبر قبائل الشرق الليبي. أحبط الجيش الليبي خلال هذه الفترة محاولتين لتهريب ألغام مضادة للدبابات إلى الجانب المصري من الحدود.

تصاعدت عمليات الدعم التسليحي المصري والإماراتي والروسي إلى الجيش الوطني الليبي خلال الفترة الماضية، ففي العرض العسكري الخاص بذكرى عملية الكرامة والذي جرى في منطقة توكرة شرق بنغازي، ظهرت عربات الجيب العسكرية المصنعة في مصر "رانجلر" بجانب عربات القتال المقاومة للألغام من أنواع " كايمان وتايفون ونمر"، شكلت عربات كايمان إضافة مهمة ساعدت وحدات الجيش الليبي في بنغازي على تحجيم الخسائر الناتجة من العبوات الناسفة. تسلّم الجيش الليبي أيضا من روسيا شحنات من قطع المدفعية والذخائر.

على المستوى الاستراتيجي، حسمت قوات الجيش الوطني الليبي معركة "المطارات" بشكل شبه كامل، فبعد السيطرة على قواعد الجفرة وتمنهنت والخويمات الجوية، أصبحت قوات الجيش تسيطر على 12 قاعدة جوية، ولم يعد يتبقى تحت سيطرة قوات حكومة الوفاق سوى ثلاث قواعد جوية فقط في سرت ومصراته وطرابلس. شكلت السيطرة على مدن محافظة الجفرة أهمية بالغة للعمليات المستقبلية، التي يتوقع أن تنطلق على عدة محاور المحور الأول بطول 250كم انطلاقاً من مدينة ودان باتجاه جنوب سرت بالتزامن مع تحرك آخر من مدينة بن جواد باتجاه شرق سرت، وقد تحركت بالفعل وحدات استطلاعية من بن جواد إلى مناطق أبو هادي والحنوية والزير والخمسين على بعد نحو 45 كم شرق سرت.
الاتجاه الثاني بطول 350 كم انطلاقاً من مدينة سوكنة جنوباً باتجاه مدينة سبها، وهو اتجاه بدأت العمليات فيه فعلياً في منطقة حي المهدية.
الاتجاه الثالث بطول 380 كم انطلاقا من قاعدة الجفرة باتجاه منطقة الشويرف جنوب غرب مصراتة تمهيداً لإطلاق عملية نهائية للسيطرة على مدينتي مصراتة وطرابلس، وهو اتجاه أعلن المتحدث باسم الجيش الليبي عن قرب البدء في تفعيله قريباً.