لهذا فشل ترامب مع بلد "المليون قرصان"

تعكس تقارير أممية واقعاً روسياً بالغ التطور في مجال البرمجة وعلوم الحاسوب. في هذا القطاع يمكن اعتبار روسيا بلد "المليون قرصان".. عددٌ من أفضل جامعات العالم التقنية التي تخرّج مئات آلاف المبرمجين والتقنيين الذين ينخرط عدد كبير منهم في عشرات المجموعات القادرة على شنّ هجمات الكترونية على أهداف ومصالح غربية.

هذا هو البلد نفسه الذي فكر الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإقامة وحدة لمكافحة جرائم السايبر معه. بدا أن الدافع لفكرة ترامب تعزيز دفاعاته في مقابل التشكيك بحصول تدخل روسي في الانتخابات الأميركية وهي المسألة التي تؤرقه داخلياً ويبني عليها معارضو حكمه أساس حركتهم حالياً.

إلا أن طرح ترامب لاقى موجة عنيفة من الانتقادات في الكونغرس وفي بعض الإدارات التابعة للبيت الأبيض، ولم يقتصر الأمر على معارضيه.


اختصرت "نيكي هايلي"، مندوبة واشنطن الدائمة لدى الأمم المتحدة، جوهر السجال الأميركي حول فكرة ترامب المثيرة للجدل بالقول إنّ "الولايات المتحدة لن تثق أبداً بروسيا في قضايا الأمن السيبراني".
 

السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام وصف نوايا ترامب بأنها "أقرب ما يكون إلى أغبى فكرة سمعتها في حياتي".

أما السيناتور ماركو روبيو فشدد على أن فلاديمير بوتين "لن يكون أبداً حليفاً موثوقاً أو شريكاً يُعتمد عليه"، واصفاً الفكرة بأنها شبيه بمشاركة الرئيس السوري بشار الأسد في إنشاء "وحدة للأسلحة الكيماوية".

اختبار ترامب منصته المفضلة تويتر للإعلان عن نيته التعاون في مجال السايبر مع روسيا، عقب لقائه بوتين. ثم ما لبث أن تراجع عبر تويتر أيضاً.

الإعلان والتراجع عنه بهذا الأسلوب وضمن مهلة زمنية قصيرة يؤشر بقوة إلى أن الرئيس الأميركي، القلق من تداعيات ملف التدخل الروسي المزعوم في نتائج الانتخابات الرئاسية في واشنطن، رضخ لنصائح في دائرته الصغيرة ليخفف اندفاعه نحو التعاون مع موسكو في ملف بحساسية الأمن الالكتروني.



وتتزامن هذه القضية مع وضع الإدارة الأميركية اللمسات الأخيرة على خطط إعادة تأهيل "قيادة السايبر" وفصلها عن وكالة الأمن القومي، حيث تسعى واشنطن إلى تحرير عملياتها الالكترونية من قيود إدارية و أخرى عسكرية باعتبار أنّ وكالة الأمن القومي تعمل بالتنسيق مع مصلحة الجيش الأميركي.



وتحويل قيادة السايبر الأميركية إلى وكالة مستقلة سيؤدي بطبيعة الحال إلى تركيز الموارد في مواجهة النطاق الحديث للحروب سواء ضد "الإرهاب" أم في مواجهة المنافسين الدوليين كالصين وروسيا وإيران، في سياق توجه جديد ينقل العمليات الإلكترونية الأميركية من نطاق السلاح التكتيكي الى أداة استراتيجية.

غير أنّ مساعي واشنطن هذه تواجه إشكاليات لوجيستية وبشرية، فعلى سبيل المثال يعمل في وكالة الأمن القومي نحو 300 عالم رياضيات يشغلّون تقنيات شديدة التطور، واستنساخ هذه القدرة في إطار جديد مستقل سيتطلب وقتاً ولن يكون بالأمر السهل.



وتضم قيادة السايبر الأميركية حالياً نحو 700 تقني من عسكريين ومدنيين، بعد مرور ثماني سنوات على إنشائها. وتناهز الموازنة المقترحة لها للعام المقبل نحو 650 مليون دولار، في ارتفاع نسبته 16% قياساً إلى العام الحالي.



المقارنة بين واقع الحال بين شكل قيادة هذا القطاع ما بين الولايات المتحدة من جهة وروسيا والصين من جهة أخرى يعكس تقدم موسكو وبكين لناحية تحرير القطاع وتسهيل حراك عشرات آلاف القراصنة في خدمة المصالح العليا للدولتين، في حين أن المقاربة الأميركية الكلاسيكية لإدارة هذا القطاع يطرح إشكاليات ليست ببسيطة، ويضع واشنطن أمام تحدي اللحاق باللاعبين الدوليين، وليس السعي للتعاون معهما كما فكّر ترامب لوهلة أولى.

اخترنا لك