تونس: حملة "مانيش مسامح" ترعب رئاسة الجمهورية

أمام تصاعد الحراك الاحتجاجي من الشباب العاطل عن العمل الذي بدا أكثر تنظيماً وواقعية ومحافظاً على عقلانيتهّ وخطابه العميق حول الحقّ في التنمية وضمان العمل لكل مواطن تونسي، برز رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي بقصر المؤتمرات بالعاصمة ويذكر أن خطابه سبقته حملة إعلامية و ترويجية واسعة لا سيما أن سقف الانتظارات كان عالياً من الشعب ومنظمّاته المدنية وأحزابه ونقاباته.

يأتي وقت تمرير قانون في ظل تحركات احتجاجية كبرى لم تشهدها البلاد منذ سنوات
يأتي وقت تمرير قانون في ظل تحركات احتجاجية كبرى لم تشهدها البلاد منذ سنوات
تحاول رئاسة الجمهورية في تونس منذ مدّة تمرير قانون المصالحة الاقتصادية مع رجال الأعمال التونسيين وعدد من الموظفين المتورطين في قضايا فساد إلى مجلس نواب الشعب للمصادقة عليه.

ويأتي وقت تمرير قانون في ظل تحركات احتجاجية كبرى لم تشهدها البلاد منذ سنوات كان أوجها في ولاية تطاوين الواقعة في الجنوب التونسي، وهو ما هددّ الشركات البترولية الأجنبية في عقر دارها وبصورة عاجلة أرسلت الحكومة مفاوضين عنها حيث وصل يوسف الشاهد رئيس الحكومة مع عدد من فريقه إلى تطاوين معلناً فيها عن 64 قراراً في مجالات اقتصادية وصحيّة وتنموية وتشغيلية، جوبهت جميعها بالرفض من قبل المعتصمين.

أمام تصاعد الحراك الاحتجاجي من الشباب العاطل عن العمل الذي بدا أكثر تنظيماً وواقعية ومحافظاً على عقلانيتهّ وخطابه العميق حول الحقّ في التنمية وضمان العمل لكل مواطن تونسي، برز رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي بقصر المؤتمرات بالعاصمة ملقيا خطابه الذي سبقته حملة إعلامية وترويجية واسعة لا سيما أن سقف الانتظارات كان عالياً من الشعب ومنظمّاته المدنية وأحزابه ونقاباته، فقد صرّح مستشار رئيس الجمهورية  نور الدين بن تيشة  أنه سيكون هناك ما قبل 10أيار/ مايو وما بعد هذا التاريخ، لكن خطاب الرئيس لم يكن مفاجئاً ولم يعلن عن قرارات هامة بل جاء في جوهره ما هو ردّ على منتقديه ومنتقدي الحكومة ليقول بوضوح بأنه لا يمكن التفريط في أهم مكاسب الثورة "الحرية والديمقراطية والمؤسسات المنتخبة".

السبسي أضاف أنّ الدعوة إلى انتخابات سابقة لأوانها إنما هي لغو وأن هذه الحكومة بصدد بداية الإقلاع الاقتصادي لإذ بدأت جل المؤشرات تخرج من المناطق الحمراء الداكنة كما تحدث عن قانون "المصالحة الاقتصادية والمالية" المثير للجدل، معتبراً إياه أنّه سيفضي إلى المصالحة في المجالين الاقتصادي والمالي لتحسين أداء العدالة الانتقالية في مجال الانتهاكات في الاعتداء على المال العام، وتلافي طول أمد معالجة الانتهاكات على الاقتصاد الوطني، وتعزيز ثقة المواطن في مؤسسات الدولة والإدارة والتشجيع على الاستثمار وتعبئة موارد الدولة من العملة الصعبة، كما اعتبر أنّه من غير المعقول أيضاً أن يتحمّل بعض رجال الأعمال ووزراء سابقين في عهد بن علي وزر منظومة كاملة من الفساد كانت قائمة.

حملة "مانيش مسامح" تعلن "حالة طوارئ شعبية"

انطلقت حملة "منيش مسامح" بُعيد وضع رئاسة الجمهورية مشروع قانون "المصالحة الاقتصادية و المالية" في تموز/يوليو 2015 وعرفّت نفسها على أنها مبادرة مواطنية مستقلة مفتوحة على كل من يريد الانضمام.

"#مانيش مسامح/ة" تهدف إلى تجميع كل المواطنين وكل المكونات السياسية والحقوقية والفكرية حول مهمة سحب قانون المصالحة الذي يبيّض الفساد ويبرّئ رؤوس الأموال الناهبة لأموال الشعب" فكانت انطلاقتها الأولى بشكل محتشم يوم 27 آب/ أغسطس 2015 من قبل بعض الناشطين بالمجتمع المدني تحت مراقبة أمنية لصيقة.


احتضنت حملة "#مانيش مسامح/ة" كافة القوى الشبابية للتعبئة وأعلنت "حالة طوارئ شعبية" للتصدي للقانون "المصالحة" باعتباره خنجراً في قلب الثورة وتكريساً لسياسة الإفلات من العقاب والفساد ونهب المال العام، وترفع هذه الحملة شعار "مطرقة العدالة" وهي تنظيم مرن ولهذه الحملة أيضاً مؤسسات كلجان كالتحركات الميدانية وجمع المال وأخرى للتوثيق والاتصال كما لها ميثاق أخلاقي ينظم أفرادها.

قانون المصالحة الاقتصادية والمالية حسب العديد من مناضلي حملة "#مانيش مسامح/ة"  طرح استفهاما لماذا هذا القانون؟ وفي هذا الوقت بالذات؟ فالإجابة إذن لا يختلف حولها العقلاء.. فهي رد جميل لرجال الأعمال الذين ساندوا حزبي حركة النهضة ونداء تونس، فالحملة الانتخابية للحزبين قامت على التودد لرجال الأعمال وتمرير رسائل طمأنة في عدم محاسبتهم جبائياً وجزائياً كما لا تغض النظر على أن أبرز رجال الأعمال موجودون في صفوف الأمامية لهذين الحزبين، وأيضاً مكافأة لرؤوس الأموال وها هي السلطة اليوم تعفو عنهم وفق شروط المرسومة مسبقاً.  


"#مانيش_مسامح" توسعت طيلة عامين وركزت تنسيقيات بأغلب مناطق الجمهورية وأطلقت مؤخراً "الروندة الثالثة" عرفت أوجها يوم السبت 13أيار/ مايو 2017  حيث شارك في المسيرة الاحتجاجية عدد من مكونات المجتمع المدني والأحزاب السياسية والشخصيات الوطنية المناهضة لمشروع قانون المصالحة، وبلغ عدد المشاركين أكثر من 5000 مشارك وقد أكد العديد من الناشطين أن "تعنت رئاسة الحكومة والأحزاب الحاكمة، النهضة ونداء تونس، على تمرير قانون المصالحة لن يزيد القوى المتشبثة بمسار العدالة الانتقالية إلا إصراراً على مواصلة التصدي لهذه لكل محاولات تبييض الفساد.


وقد أعربت حملة " #مانيش مسامح/ة" عن  مساندتها "المبدئيّة لجميع التحرّكات الاحتجاجيّة ولمختلف الحركات الاجتماعيّة المشروعة في كافّة جهات البلاد، وعلى رأسها اعتصام "الرّخ لا" بمنطقة الكامور من ولاية تطاوين".

كما، استنكرت، بـ"شدة منطق الوعيد والترهيب والتهديد الذي طغى على خطاب رئيس الجمهورية، والذي استهدف مختلف التحركات الاحتجاجيّة المشروعة" مستهجنة "إصرار رئيس الجمهوريّة على مزيد انتهاك الدّستور وتلويحه بالتضييق على الحريّات وعسكرة فضاءات الرّأي والتعبير والتظاهر وتهديده بمزيد تفعيل قانون الطوارئ اللادستوري".

وحذرت حملة" #مانيش مسامح/ة" من "انزلاق السّلطة الحاكمة نحو ضرب المؤسّسات المنوط بعهدتها ضمان الشّفافيّة ومكافحة الفساد، وإلى تشويه مختلف التحرّكات المطالبة بالتنمية والتشغيل، في محاولة بائسة منها للتغطية على عجزها في إدارة أزمة منوال التنمية اللاّشعبي والمرتهن لإملاءات صندوق النّقد الدولي وسياساته".

يأتي هذا الحراك الشعبي الواسع، رغم المرور الإعلامي  البسيط عليه، في خضم تفاعلات اجتماعية واقتصادية وسياسية، كما أن فقدان شريحة واسعة من الشباب للثقة في السلطة الحالية وابتكاره لتنظيمات مدنية كسرت منظومة الأحزاب وكلاسيكيتها يبشرّ بتحول نوعي في مستوى التنظيم ويحوي مطالب الشباب باعتباره رافداً من روافد عصرنة الثورة والبناء المتضامن.