إرادة الأسرى الفلسطينيين تواجه عنجهية الاحتلال ومخاوف إسرائيلية من التصعيد

منذ اللحظة الأولى لقرار الأسرى الفلسطينيين تنفيذ الإضراب المفتوح، تزامناً مع "يوم الأسير الفلسطيني"، الذي بدأ الفلسطينيون إحياءه منذ 17 نيسان/ أبريل عام 1974، كان قرار السلطات الإسرائيلية واضحاً بالتعامل بصلفٍ مع المطالب المرفوعة، وهو ما تُرجم قرارات وتوجيهات من جانب وزير الأمن الداخلي، غلعاد أردان، المسؤول عن السجون، بدعم من رئيس الحكومة، ووزير الأمن، بعدم إدارة مفاوضات مع الأسرى، وعدم الاستجابة لأي مطلب.

قرار السلطات الإسرائيلية واضحاً بالتعامل بصلفٍ مع المطالب المرفوعة
قرار السلطات الإسرائيلية واضحاً بالتعامل بصلفٍ مع المطالب المرفوعة
أكثر من ألف وخمسمائة أسير أمني فلسطيني يواصلون إضراباً مفتوحاً عن الطعام منذ الاثنين الماضي، تحت عنوان "الحرية والكرامة"، للمطالبة بتحسين ظروف الاعتقال، الأمر الذي استنفر السلطات الإسرائيلية الأمنية والسياسية التي سعت إلى حرف التحرَّك الانساني للأسرى عن مساره المطلبي، والإدعاء أن السبب الرئيسي للإضراب هو رغبة القيادي الفلسطيني مروان البرغوثي الذي يقود الاضراب في تعزيز قوته السياسية داخل الساحة الفلسطينية. ورغم زيف هذا الاتهام، شرعت الحكومة الإسرائيلية بحملة مسعورة "لشيطنة" تحرَّك الأسرى، وسط دعوات وزارية عنصرية وإجرامية تُطالب بتطبيق عقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين، وتركهم يموتون جوعاً.

ومنذ اللحظة الأولى لقرار الأسرى الفلسطينيين تنفيذ الإضراب المفتوح، تزامناً مع "يوم الأسير الفلسطيني"، الذي بدأ الفلسطينيون إحياءه منذ 17 نيسان/ أبريل عام 1974، كان قرار السلطات الإسرائيلية واضحاً بالتعامل بصلفٍ مع المطالب المرفوعة، وهو ما تُرجم قرارات وتوجيهات من جانب وزير الأمن الداخلي، غلعاد أردان، المسؤول عن السجون، بدعم من رئيس الحكومة، ووزير الأمن، بعدم إدارة مفاوضات مع الأسرى، وعدم الاستجابة لأي مطلب. وجرى ترجمة ذلك بسلسلة إجراءات استباقية لمواجهة الخطوات التصعيدية للأسرى، وذلك من خلال تجميع الأسرى الأمنيين المضربين في سجن كتسيعوت بالنقب، وإقامة مستشفى ميداني خارج جدران السجن بهدف منع إخلاء الأسرى إلى المستشفيات العامة، وتوفير العلاج الطبي للمضربين عن الطعام عند الحاجة، وهو ما رأت فيه وسائل إعلام إسرائيلية رسالة لمحركي الإضراب وقادته بأنهم لن يتمكَّنوا من إرباك المستشفيات بعد الآن.

ومع استمرار الإضراب المفتوح، تواصل سلطات السجون الإسرائيلية، بتوجيه من وزير الأمن الداخلي، محاولة كسر معنويات الأسرى من خلال سلسلة من العقوبات التي بدأت بفرضها منذ اليوم الأول للإضراب. فبعد قيام سلطات السجون بنقل الأسير البرغوثي، إلى العزل الانفرادي في سجن كيشون في حيفا، ومنعه من التقاء محاميه، وانتزاع بعض الانجازات التي حققها الأسرى في نضالاتهم السابقة، كاخراج أجهزة الراديو والتلفزيون من أقسام السجن، قررت منع كل الأسرى المضربين عن الطعام من التقاء محاميهم، بل تنوي عدم اطلاع المحامين وعائلات الأسرى على أوضاعهم الصحية. وفي المقابل، في الوقت الذي تسود فيه قطيعة بين المضربين وسلطة السجون، قال مقربون من عدة أسرى إنه تجري اتصالات متواصلة بين ممثلي الأسرى وجهات الاستخبارات في سلطة السجون.

ردود الفعل السياسية

بموازاة الإجراءات العقابية، شرع نتنياهو، ووزرائه، بحملة هستيرية ضد الأسرى الفلسطينيين، ولم يحتملوا حتى قيام صحيفة "نيويورك تايمز" بنشر مقال بقلم القيادي البرغوثي، من داخل سجنه، موجهين انتقادات قاسية ضد الصحيفة بسبب تقديمها البرغوثي كقيادي فلسطيني ونائب في المجلس التشريعي، وهو ما تراجعت عنه لاحقاً بسبب الانتقادات الإسرائيلية.

وفي سياق المحاولات الإسرائيلية لحرف تحرك الأسرى عن هدفه الحقيقي، كان هناك إجماع لدى المسؤولين والوزراء الإسرائيليين، الذين اعتبروا أن إضراباً يقوده البرغوثي "تحركه دوافع سياسية فلسطينية داخلية، ولهذا فإنه يتضمَّن مطالب غير معقولة بالنسبة للظروف الاعتقالية". وصدرت دعوات إلى تطبيق عقوبة الاعدام بحق السجناء الفلسطينيين الأمنيين، وإلى تركهم يموتون جوعاً كما فُسِّر كلام وزير الأمن، أفيغدور ليبرمان، عندما اقترح تبني طريقة مارغريت تاتشر، التي تركت الأسرى الأيرلنديين يموتون جوعاً. وأضاف ليبرمان، مستهزئاً:"إنه يأمل بأن يرى بسرعة النواب العرب والشيخ رائد صلاح، ينضمون إلى الإضراب عن الطعام دون أن ينكسروا، وأن يأكلوا الدجاج في الليل". واعتبر الوزير تساحي هانغبي، أن "الأسرى المضربين هم مجموعة من القتلة القُساة ويحظر أن تستسلم دولة إسرائيل لهؤلاء الوقحين". وعلى وقع هذه التصريحات العنصرية، نظَّم مستوطنون حفلات شواء قرب السجون استفزازاً لمشاعر الأسرى المضربين عن الطعام.

مع ذلك، هذه التصريحات العنصرية، إنما تعكس مدى قلق وتوتَّر السلطات الإسرائيلية من إمكانية أن يؤثر هذا الإضراب في الشارع الفلسطيني، لا سيّما القيام باحتجاجات، ومظاهرات، ومسيرات دعماً للأسرى الفلسطينيين. لكن تقارير إسرائيلية نقلت عن مصدر في أجهزة أمن السلطة الفلسطينية، قوله إن ابو مازن نقل توجيهات قاطعة إلى أجهزة الأمن بمنع التظاهرات والاحتجاجات العنيفة والمواجهات بين الفلسطينيين والجيش الاسرائيلي، بسبب رغبته بالوصول إلى اللقاء مع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في الثالث من أيار لمقبل في واشنطن، في ظل هدوء نسبي.

التعليقات الإعلامية

الحملة السياسية الأمنية ضد الأسرى المضربين عن الطعام، انسحبت أيضاً في برامج ومقالات المعلقين والمحللين الإسرائيليين الذين بالغ معظمهم في دعوة السلطات الإسرائيلية إلى معاقبة هؤلاء الأسرى، وسحب "التسهيلات" الممنوحة لهم. واعتبروا أنه في حال نجحت إسرائيل في كسر اضراب الأسرى الفلسطينيين فلن تكون هناك اضرابات مشابهة في المستقبل، وتجربة الماضي تقول إن الحكومة ستضطر في هذه المرة إلى شد عضلاتها وأعصابها أكثر من السابق لشطب الفرضية بأنها ستتراجع في نهاية المطاف. ورأى بعض المعلقين أن الإضراب عن الطعام هو سلاح أخير للسجناء، وهو في كل الأحوال سياسي وأهدافه سياسية. هكذا كان في العشرين اضراب عن الطعام التي خاضها السجناء الفلسطينيون في السجون في إسرائيل منذ 1969. ولا يمكن الاستخفاف بالانجازات التي نجحوا في تحقيقها بواسطته. لكنهم أشاروا إلى أن البرغوثي وسائر منظمي الإضراب سيواجهون عائقين في محاولتهم دفع العملية قدماً. الأول هو مدى الإصغاء الدولي لهذا الإضراب، حيث سيكون من الصعب تجنيد التضامن وحتى جذب اهتمام العالَم العربي في نضال الأسرى الفلسطينيين. والثاني مرتبط بالظروف المتوفرة في السجون الإسرائيلية.

وهناك بين المحللين والمعلقين من دعا الحكومة لمعالجة هذه الازمة، من خلال المبادرة إلى العزل الفوري بين سجناء فتح والمنظمات التي تأتمر بإمرة السلطة الفلسطينية، وبين سجناء حماس والجهاد الاسلامي. الأمر الأول: التنازل لسجناء السلطة الفلسطينية بشكل محدود: هواتف عامة في السجن تحت الرقابة، تحسين جودة العلاج الطبي وما شابه. فقد حان الوقت لاعطاء حوافز لاولئك الذين اختاروا طريق المفاوضات، على أولئك الذين اختاروا طريق الجهاد. الأمر الثاني القيام بهجمة إعلامية مضادة ضد هؤلاء الأسرى. وثمة بين المعلقين من حذَّر من أن الاضراب عن الطعام يتوقع أن يزيد التوتر في الأيام القادمة بين إسرائيل والفلسطينيين. وإذا تشعَّب الاضراب وامتدَّ، يمكنه السيطرة على برنامج العمل السياسي والأمني في الفترة التي ستعلن فيها إدارة ترامب عن نية إعادة تحريك العملية السلمية.

أبرز مطالب الأسرى

- تركيب تلفون عمومي في السجون والأقسام كافة للتواصل مع ذويهم

- إعادة الزيارة الثانية التي أوقفتها منظمة «الصليب الأحمر» بحجة الظروف المالية

- انتظام الزيارات كل أسبوعين ومنع تعطيلها من أي جهة

- ألّا يمنع أي قريب من الدرجة الأولى والثانية من زيارة الأسير

- زيادة مدة الزيارة من 45 دقيقة إلى ساعة ونصف ساعة

- السماح للأسير بالتصوير مع الأهل كل ثلاثة أشهر

- إدخال الأطفال والأحفاد تحت سن 16 مع كل زيارة

- إغلاق ما يسمى «مستشفى سجن الرملة» لأنه غير صالح للعلاج

- إنهاء سياسة الإهمال الطبي

- إجراء الفحوص الطبية دورياً

- إجراء العمليات الجراحية بصورة سريعة واستثنائية

- إدخال الأطباء ذوي الاختصاص من الخارج

- إطلاق سراح الأسرى المرضى، وخاصة ذوي الإعاقات والأمراض المستعصية

- منع تحميل الأسير تكلفة العلاج

- التجاوب مع احتياجات ومطالب الأسيرات الفلسطينيات بالنقل الخاص أو باللقاء المباشر دون حاجز خلال الزيارة

- إدخال الكتب، والصحف، والملابس والمواد الغذائية والأغراض الخاصة للأسير على الزيارات

- إنهاء سياسة العزل الانفرادي

- إنهاء سياسة الاعتقال الإداري

- إعادة التعليم في الجامعة العبرية المفتوحة

- السماح للأسرى بتقديم امتحانات الثانوية العامة بوجه رسمي ومتفق عليه.

معارك "الأمعاء الخاوية"

تعتبر سياسة الإضراب عن الطعام، التي أطلقوا عليها اسم "الأمعاء الخاوية"، السلاح الوحيد الذي يلجأُ إليه الأسرى داخل السجون، بعد استنفاد كافة أشكال الحوارات مع إدارة مصلحة السجون الإسرائيلية. ونجح الأسرى، ممن خاضوا معركة "الإضراب" بشكلها الفرديّ أو الجماعيّ، في إجبار السجّان الإسرائيلي على تلبية العديد من مطالبهم.

ودخل الأسرى داخل سجون الاحتلال في إضراب جماعيّ عن الطعام للمرة الأولى، في 11كانون الأول/ سبتمبر عام 1967، لمدة 65 يوماً، فيما اعتبرته المؤسسات المعنية بحقوق المعتقلين، الإضراب الأطول في تاريخ "الإضرابات الجماعية". وسجّل المعتقل سامر العيساوي، أطول إضراب عن الطعام في السجون الإسرائيلية بشكل فردي، واستمر طيلة 227 يوما، بين آب/ أغسطس عام 2012 ونيسان/ أبريل عام 2013، احتجاجاً على اعتقاله الإداري. مع الإشارة إلى أن الكنيست الإسرائيلي، صادق في نهاية تموز/ يوليو 2014، على مشروع قانون "التغذية القسرية" للأسرى الفلسطينيين المضربين عن الطعام، وهو ما رفضته منظمات حقوقية وطبية.

فيما يلي أشهر وأبرز الإضرابات التي خاضها أسرى فلسطينيون داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي، استناداً إلى مركز المعلومات الوطني الفلسطيني:

 -إضراب سجن الرملة ومعتقل "كفار يونا" في شباط/ فبراير 1969، استمر 11 يوماً، وطالب الأسرى خلاله بتحسين كميات الطعام، وإدخال "القرطاسية"، ورفض مناداة السجّان بكلمة (سيدي)، لكنّه انتهى بالقمع.

 -إضراب المعتقلات الفلسطينيات في سجن "نيفي تريتسا"، نيسان/ أبريل 1970، استمر لمدة 9 أيام.

- إضراب في سجن عسقلان، بتاريخ 11 كانون الأول/ ديسمبر 1976، استمر لمدة 45 يوماً.

- إضراب في سجن عسقلان، بتاريخ 24 شباط/ فبراير 1977، استمر لمدة 20 يوماً، واعتبره حقوقيون امتداداً للإضراب السابق.

- إضراب في سجن نفحة، بتاريخ 14 تموز/ يوليو 1980، استمر لمدة 33 يوماً، احتجاجاً على ظروف الحياة "القاسية" التي عايشها الأسرى آنذاك.

- إضراب في سجن جنيد، في أيلول/ سبتمبر 1984، استمر لمدة 13 يوماً.

- إضراب في سجن جنيد، بتاريخ 25 آذار/ مارس 1987، واستمر لمدة 20 يوماً.

- إضراب سجن نفحة بتاريخ 23 حزيران/ يونيو من عام 1991، لمدة 17 يوماً.

- إضراب في غالبية السجون المركزية، بتاريخ 25 أيلول/ سبتمبر 1992، استمر 18 يوماً، واعتبر هذا الإضراب من أنجح الإضرابات التي خاضها الأسرى الفلسطينيون من أجل الحصول على حقوقهم.

- إضراب في معظم السجون، بتاريخ 18 حزيران/ يونيو 1995، استمر لمدة 18 يوماً، تحت شعار (إطلاق سراح جميع الأسرى والأسيرات دون استثناء).

- إضراب في سجن عسقلان، عام 1996، استمر 18 يوماً.

- إضراب في غالبية السجون، بتاريخ 2 أيار/ مايو 2000، استمر لمدة 30 يوماً، احتجاجاً على سياسة العزل الانفرادي.

- إضراب الأسيرات في سجن "نيفي تريتسا"، بتاريخ 26 حزيران/ يونيو 2001، لمدة 8 أيام، احتجاجاً على أوضاعهن السيئة داخل السجن.

- إضراب في معظم السجون، بتاريخ 15 آب/ أغسطس 2004، لمدة 17 يوماً.

- إضراب خاضه أسرى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بتاريخ تشرين الأول/ أكتوبر 2011، استمر 21 يوماً.

- إضراب الأسيرين ثائر حلاحلة، وبلال ذياب، بتاريخ 28 شباط/ فبراير 2012، لمدة 76 يوماً.

- إضراب في غالبية السجون، بتاريخ 17 نيسان/ أبريل 2012، استمر 28 يوماً، وتم تعليقه عقب توقيع اتفاق عرف آنذاك باسم "الكرامة"، بين قيادة "الحركة الأسيرة"، وإدارة السجون الإسرائيلية، بوساطة مصرية.

- إضراب حوالي 120 معتقلاً فلسطينياً إدارياً، بتاريخ 24 نيسان/ أبريل 2014، احتجاجاً على استمرار اعتقالهم الإداري دون تهمة أو محاكمة.

- إضراب خاضه أسرى حركة "الجهاد الإسلامي"، بتاريخ 9 كانون الأول/ ديسمبر 2014، استمر لـ10 أيام، احتجاجاً على سياسة العزل الانفرادي.

- إضراب الأسير خضر عدنان، بتاريخ 5 أيار/ مايو 2015 لمدة 66 يوماً، احتجاجاً على سياسة الاعتقال الإداري.

- إضراب الأسير بلال كايد، بتاريخ 13 حزيران/ يونيو 2016، لمدة 71 يوماً، رفضاً لاعتقاله الإداري بدون محاكمة.

- إضراب الأسير الصحافي محمد القيق، بتاريخ تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، واستمر لمدة 94 يوماً، احتجاجاً على اعتقاله إدارياً (الاعتقال الإداري، هو قرار اعتقال بدون محاكمة، لمدة تتراوح ما بين شهر إلى ستة أشهر، ويتم تجديده بشكل متواصل لمعظم الأسرى