هاجس الأمن يطغى على اهتمامات المسؤولين في إسرائيل ورسائل تهديد "للردع"

لم تحجب احتفالات عيد الفصح اليهودي حجم المخاوف والتحديات التي تواجهها إسرائيل على مختلف الجبهات الشمالية والجنوبية. تحديات وتقديرات أمنية استعرضها عدد من كبار المسؤولين الإسرائيليين الحاليين والسابقين في مقابلات صحفية شاملة مع وسائل إعلام عبرية، تناولت هذه التهديدات المترافقة مع انسداد أفق التسوية بين إسرائيل والفلسطينيين في هذه المرحلة.

ليبرمان: رسائل تهدئة وتهويل

هاجس الأمن الذي تعيشه إسرائيل دفعها إلى إغلاق معبر طابا الحدودي مع مصر
هاجس الأمن الذي تعيشه إسرائيل دفعها إلى إغلاق معبر طابا الحدودي مع مصر
رسائل تهدئة وتهويل في الوقت نفسه حملتها مواقف وزير الأمن الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، حيال قطاع غزة، في المقابلة التي أجراها مع صحيفة "يديعوت أحرونوت"، خاصة، وأن عين ليبرمان، وفق الصحيفة، على الصيف القادم عندما يبدأ العمل الفعلي والمكثَّف على إقامة العائق الإسمنتي على طول الحدود مع قطاع غزة لمواجهة الأنفاق. ولأن التقديرات تُشير إلى أن حماس ستعمل على منع هذا العائق الذي سيحرمها من السلاح "الأكثر نجاعة"، قال ليبرمان "الكرة في ملعبهم الآن. إذا أرادوا الحرب فسيندمون. وهذه لن تكون مثل الجرف الصلب. سنقوم بتجنيد كل الجيش ونذهب بكل قوتنا. ولن نكتفي بالمناورة قرب الحدود. الدولة لا يمكنها الخروج كل سنتين إلى عملية عسكرية. الأمر سيكون مختلفاً تماماً، ومن المفروض أن نصل إلى وضع يعرف فيه الطرف الذي يفرض علينا الحرب أنه لا يستفيد". 

مع ذلك، أشار ليبرمان إلى عدم وجود نية لدى إسرائيل للمبادرة إلى الحرب في الشمال أو في الجنوب، "لكننا لن نقبل أي استفزاز، وعلى كل إطلاق نار سيكون رد قوي"، على حد قوله. وجدد ليبرمان معارضته الشديدة لإقامة ميناء في غزة، مشترطاً للموافقة على هذه الخطوة تنازل حماس عن الأنفاق والصواريخ.

ليبرمان نفى من جهة ثانية، مسؤولية إسرائيل عن اغتيال القيادي في حماس مازن فقهاء، في قطاع غزة، قائلاً إنه سمع عن عملية الاغتيال لأول مرة في نشرة الأخبار. وأضاف "يمكننا التأكيد أن المقصود عملية تصفية داخلية. لن أفاجأ إذا تمَّ في يوم الانتخابات في إيران في 19 أيار/ مايو المقبل، تصفية الرئيس الإيراني حسن روحاني".

وعلى الرغم من تهديدات ليبرمان، يرى مراقبون إسرائيليون، أن هذا الأخير وبعد عشرة أشهر من تسلمه مهام منصبه في وزارة الأمن، بات ينظر إلى قطاع غزة بعيون أكثر واقعية، إذ أن الشخص الذي وعد سوية مع نتنياهو، منذ انتخابات 2009، بتدمير سلطة حماس، ووعد بعد انتخابات 2015 بتصفية إسماعيل هنية خلال 48 ساعة، يعرف أنه من الطابق الرابع عشر في وزارة الأمن في تل أبيب، يبدو المشهد أكثر تعقيداً.

وحول الضفة الغربية وعمليات الانتفاضة الفلسطينية، حاول ليبرمان رسم صورة مغايرة تماماً للحاصل حالياً، حيث اعتبر أن موجة الهجمات الفلسطينية في الضفة الغربية "أصبحت من وراءنا"، لأن الوضع الاقتصادي الجيّد نسبياً في مدن الضفة يجعل ما أسماه "الإرهاب" على الهامش. علماً أن عمليات الطعن والدهس ما زالت متواصلة في القدس والضفة وداخل فلسطين المحتلة عام 48. كما أن كلام ليبرمان بهذا الخصوص، يتناقض مع معطيات نشرها جهاز الأمن العام (الشاباك) قبل أيام وفيها أن عدد الهجمات والحوادث الأمنية سجل ارتفاعاً خلال شهر آذار/ مارس الماضي، وبلغ 119 مقارنة مع 102 في شهر شباط/ فبراير الفائت، وأن الأعداد الشهرية للهجمات الفلسطينية شهدت ارتفاعاً تدريجياً منذ كانون الأول/ ديسمبر الماضي.

أما على الصعيد السياسي، فقد رفض ليبرمان تحميل إسرائيل المسؤولية عن فشل المفاوضات، ورأى أن الجمود السياسي هو بسبب الفلسطينيين. وكرر وزير الأمن الإسرائيلي التمسك بخطته لتبادل الأراضي والسكان، التي نشرها في العام 2004 وقال "يجب علينا الانفصال عن الفلسطينيين الذين يعيشون في دولة إسرائيل. أنا لا أعرف لماذا لا يجلس أعضاء القائمة المشتركة في المجلس التشريعي في رام الله".

تقديرات رئيس قسم الأبحاث في شعبة الإستخبارات


يوجد في سلم أولويات رئيس قسم الأبحاث في شعبة الإستخبارات في الجيش الإسرائيلي، العميد درور شالوم، تهديد واحد واضح هو إيران، وهناك تهديدات إضافية، مثل حزب الله، وحماس، والجهاد العالمي. هذه التحديات الماثلة أمام إسرائيل مرتبطة بالقضية الفلسطينية، بحسب المسؤول الاستخباري، الذي قال في مقابلة صحافية "إن حزب الله وحماس قطعا أشواطاً طويلة في عالم التكنولوجيا وهما يطمحان إلى إحراز وتصنيع صواريخ دقيقة". وأضاف "أنا أنظر إلى قدرات العدو وأراها تتطور. والكميات، في مرحلة محددة، أصبحت نوعية".

موضوع غزة كان في صلب التحدّيات التي تحدَّث عنها شالوم، مشدداً على أن حماس تواصل الإستعداد للحرب المقبلة، لكنه أشار إلى أن الحركة "لا تريد تصعيداً واسعاً الآن. فقد خبروا في عملية الجرف الصلب تجربة مختلفة من ناحية قوة الجيش الإسرائيلي، وهم يدركون أنه في حال حصل تدهور إضافي فإننا سنأتي بقوة أكبر من السابق". وبحسب كلامه "حماس موجودة في مفترق طرق، يحيى السنوار (قائد حماس في غزة) شخصية متطرفة جداً، صعد حالياً إلى السلطة. وتوجد هنا صراعات قوة داخلية في قطاع غزة. خالد مشعل موجود في موقع الإنتظار. وحماس تواصل عدم اعترافها بإسرائيل، وبرأيي هي لن تعترف أبداً. لكن هم يتحدثون عن دولة في إطار حدود الـ67 ويستعدون لليوم الذي يلي أبو مازن. وفي نفس الوقت، تواصل حماس الاستعداد للحرب المقبلة. هم يبنون الأنفاق تحت الأرض، الهجومية والدفاعية". وأضاف "نحن نأخذ هذا التحدي بالحسبان. هم يجدون صعوبة في إدخال مواد نوعية إلى القطاع بسبب نشاطاتنا المركزة. وهناك احتمال كبير في تدهور الوضع في قطاع غزة لأن حماس تعاني من ضائقة اقتصادية واستراتيجية".

رئيس الشاباك السابق يورام كوهين: ثمن احتلال غزة ليس بسيطاً على إسرائيل


الأوضاع والتحديات الأمنية والسياسية المحيطة بإسرائيل كانت أيضاً محور مقابلة شاملة للمرة الأولى مع رئيس الشاباك سابقاً، يورام كوهين، الذي رأى أن التهديد المركزي المتوقّع لإسرائيل هو تحديداً من الداخل في إسرائيل، إثر تعميق الشرخ، وأشكال التطرف، والقبلية، وتكبّر مجموعات محددة بالنسبة للآخرين. وأشار كوهين إلى أنه لا يشارك بأسلوب التحذيرات العلنية من الخطر المتوقّع من إيران، أو تحذيرات "متطرفة" من مخاطر أمنية أخرى. فإذا لم يعرف الجمهور ما يفعل مع التحذيرات، فهو سيدخل بحالات هلع زائدة. مما سيضرّ بالحصانة القومية، ويمسّ برغبة جهات دولية للاستثمار في إسرائيل أو سياح للمجيء إلى إسرائيل.

وأضاف "من الناحية الأمنية نحن بمكان جيد بالإجمال، ولا نتوقّع خطر هجوم عسكري تقليدي. لذلك ليس علينا إخافة الجمهور بأي موضوع. لا في نطاق الأنفاق والقذائف الصاروخية، ولا في نطاق حزب الله، ولا بسبب سلاح كهذا أو غيره يحاول العدو شراءه".

وتطرَّق كوهين إلى موضوع غزة، وقال إن "الجيش الإسرائيلي بالتأكيد قادر على احتلال قطاع غزة، من أجل القضاء على ما يكفي من أهداف وعناصر "إرهابية"، ولعله أيضاً لإلغاء حكم حماس ومحاولة الوصول إلى إدارة القطاع من قبل عنصر فلسطيني آخر يتيح لنا جواراً عسكرياً جيداً. ولكن السؤال إن كان هذا حكيماً"؟ وشدد كوهين على أن "الأثمان التي ستضطر إسرائيل لدفعها للتوصَّل إلى هذه النتيجة ليست بسيطة أبداً، ولذا هذا خيار من الجدير دراسته فقط في حال عدم وجود بديل معقول آخر".

واعترف كوهين بأن التعاون الأمني مع الجهات الفلسطينية في الضفة الغربية يساهم في أمن إسرائيل فعلاً. وشدد على أن التسوية مع الفلسطينيين هي مصلحة قومية من الدرجة الأولى لإسرائيل، لكنه استبعد التوصَّل إلى تسوية سياسية في الوقت الراهن، وقال "للأسف لا أرى أسلوباً واقعياً للتوصّل في الفترة القادمة إلى تسوية دائمة تُحلّ فيها كل النزاعات الصعبة، وأن تعرّض إسرائيل نفسها للخطر بنقلها كل صلاحيات الأمن إلى الدولة الفلسطينية. 
ليس من الجدير ولا من الصحيح أن تمنح إسرائيل في الظروف الراهنة مفاتيح الأمن للسلطة الفلسطينية. المسؤولية الأمنية يجب أن تبقى بأيدينا". 
ودعا كوهين في المقابل إلى ترتيبات أمنية مع الفلسطينيين.

إسرائيل تُغلق معبر طابا

هاجس الأمن الذي تعيشه إسرائيل، دفعها إلى إغلاق معبر طابا الحدودي مع مصر يوم الثلاثاء الماضي، للمرة الأولى منذ توقيع اتفاق كامب ديفيد، ومنعت الإسرائيليين من دخول سيناء حتى انتهاء عيد الفصح العبري في 18 نيسان/ أبريل الجاري، في ضوء التخوّف من تنفيذ عمليات تستهدفهم. 
ويأتي القرار الإسرائيلي بعد يوم من تحذير "مقر مكافحة الإرهاب" من السفر إلى سيناء، وفي ظل حالة الطوارئ التي أعلنها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في أعقاب العمليات التي استهدفت كنيستين قبطيتين. 
وأشار رئيس مجلس الأمن القومي ورئيس هيئة مكافحة الإرهاب، إيتان بن دافيد، إلى أن رئيس الحكومة أمر بإغلاق معبر طابا بعد مشاورة الجهات ذات الصلة كافة. كما أوعز وزير المواصلات المسؤول أيضاً عن المعبر وعن سلطات الملاحة بإغلاقه.

وبعد فترة وجيزة من إغلاق معبر طابا، سقطت قذيفة صاروخية في منطقة المجلس الإقليمي اشكول، أصابت دفيئة للخضار في المنطقة، وتسببت بأضرار مادية. وأشار الجيش الإسرائيلي إلى أن القذيفة أُطلقت من سيناء، حيث تبنّى تنظيم داعش المسؤولية عن القصف.

وتعقيباً على هذه المستجدات، قال رئيس الأركان، غادي ايزنكوت، لإذاعة الجيش الإسرائيلي إن "هناك تنظيمات إرهابية تبذل جهودها للمس بنا وتشويش أجواء العيد، وهنا على حدود سيناء نواجه تحدياً مشتركاً (مع الجيش المصري) بالتصدي لهؤلاء الإرهابيين ومنعهم من تشويش نظام الحياة في إسرائيل وأجواء العيد".

إخفاء جثامين شهداء فلسطينيين


وسط المطالبة الإسرائيلية المحمومة باستعادة جثتي عسكريين إسرائيليين سقطا خلال عدوان "الجرف الصلب" على قطاع غزة في العام 2014، اعترفت السلطات الإسرائيلية بأنها أضاعت جثامين (شهداء) فلسطينيين شاركوا في عمليات خلال الانتفاضة الثانية. ويُستدل من رد النيابة العامة على الالتماس الذي قدَّمته جمعيات حقوقية باسم عائلات فلسطينية طالبت باسترجاع الجثامين التي تحتجزها إسرائيل، عن اختفاء 7 جثامين، حيث لا يعرف مكان دفنها. ووفقاً للتقارير، فإن عدد الجثامين التي اختفت ولا يعرف مكان دفنها أعلى بكثير مما كُشف عنه في مداولات المحكمة، ويرجّح أن يصل إلى عشرات الجثامين. ويتّضح أنه لا يوجد أي سلطة حكومية رسمية تُشرف على احتجاز الجثامين والدفن، وأن جثامين الشهداء تُدفن على أيدي شركات خاصة، والكثير من الوثائق المتعلقة بالجثامين وعمليات الدفن قد اختفت.

وأشار مصدر رفيع في وزارة العدل الإسرائيلية إلى أن "مهمة البحث عن الجثامين من المتوقع أن تكون في غاية الصعوبة، خصوصاً وأن بعض الشركات أغلقت وما عادت تقوم بعمليات دفن، ما يعني عدم وجود المستندات والوثائق المتعلقة بالجثامين والدفن، وأنه في تسعينيات القرن الماضي لم يولِ أي أحد أهمية لقضية احتجاز ودفن جثامين الفلسطينيين، لدرجة أنه لم يتم التيقن وتوثيق اسم وتفاصيل الشخص الذي كان يُدفن".

بالتوازي، أشارت معطيات جديدة نشرتها منظمة "ييش دين" (يوجد قانون) الحقوقية الإسرائيلية، إلى أن الشرطة الإسرائيلية تتقاعس في تطبيق القانون ضد مستوطنين يرتكبون جرائم على خلفية قومية وإيديولوجية ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية. ويتبين من الإفادات أن الشرطة تبذل جهداً ضئيلاً للغاية من أجل تطبيق القانون ضد المستوطنين الذين ينفذون الاعتداءات ضد الفلسطينيين. 

ودلت المعطيات التي جمعتها المنظمة الحقوقية على أنه من أصل 289 ملفًّاً بخصوص الجريمة الإيديولوجية، خلال الأعوام 2013-2016 ، أفضى 20 ملفًّا فقط إلى تقديم لوائح اتهام ضد الجناة، أي 8.2% من الملفّات التي انتهت معالجتها. وفي المقابل تمّ إغلاق 225 ملفًّا في نهاية التحقيق من دون تقديم لوائح اتهام. وخلصت المنظمة إلى التأكيد على أن هذه السياسة تقود في نهاية المطاف إلى انخفاض في مدى استعداد ضحايا المخالفات الفلسطينيين لتقديم شكاوى لدى الشرطة الإسرائيلية بعد تعرّضهم لمخالفات من قبل مستوطنين إسرائيليين