حين نقلت مراسلتا الميادين الميدان إلى سردينيا

استطاعت نسرين سلمي أن تكحت التكلّس الذي عزل ضمائرنا، بخروجها عن الأساليب الممجوجة في طرح قضية اعتقال الأطفال الفلسطينيين, في حين تبدو شخصية هناء المحاميد كمراسلة ميدانية حاضرة في أسلوبها في معالجة الفيلم, وكأنها تقول لضيوف فيلمها "سقطت ذراعك فالتقطها واضرب عدوّك بي، فأنت الآن حر".

سلمي: يتم اعتقال الأطفال في ساعات الفجر ويتم ضربهم وتهديدهم في الطريق إلى مراكز التوقيف
سلمي: يتم اعتقال الأطفال في ساعات الفجر ويتم ضربهم وتهديدهم في الطريق إلى مراكز التوقيف
أن تكون صحفياً ، يعني أن يقع على كاهلك مسؤولية نقل الخبر وتوثيق الحدث، في بلاد تستعر فيها الحروب والنزاعات.
أمّا ان تكون صحفياً فلسطينياً، فيعني أن يكون على كتفيك وزر القضية، كما حمل والدك وزر تمرير الإنتماء للأرض، كما حمل جدك مفتاح الدار يوم عبر حافياً نحو الضفة الأخرى من التاريخ.
الصوت مركبة الريح، حيث ليس للمحتل أن يحاصر الهواء.. ليس له أن يكتم الصوت.
هناء المحاميد ونسرين سلمي، الصحفيتان الفلسطينيتان، مراسلتا الميادين في فلسطين المحتلة، وضبتا ما تتسع له 25 دقيقة من أصوات الفلسطينيين ونقلتها إلى مدينة سردينيا الإيطالية.


استطاعت نسرين سلمي في فيلمها "أحلام قيد الاعتقال" أن تكحت التكلّس الذي عزل ضمائرنا، بخروجها عن الأساليب الممجوجة في طرح قضية اعتقال الأطفال الفلسطينيين.
فلا تكتفي بأهمية القضية التي تطرحها بل تستعرض حرفيتها بشد كامل انتباه المتلقي خلال 25 دقيقة ولا تستدر عطف المشاهد، بل تنتزع اهتمامه.

يبدأ الفيلم بمشاهد لعملية مداهمة، يوحي عنف جنود الاحتلال بأنها مداهمة لأحد قيادات المقاومة الفلسطينية، وتترك لنا سلمي، عندما يظهر أول ضيوفها قائلاً "فجّروا الباب, دخلوا علي وكنت نايم أنا"، أن نكتشف أن هذه العملية كانت لاعتقال طفل فلسطيني. منذ هذه اللحظة تنقلنا كاميرا سلمي إلى قلب التجربة، وتتسرّب إلى دواخلنا معاناة الضيوف/الشهود فتخلق في مشاعرنا حالة من الفوضى لا تنقضي بانتهاء الفيلم.

هذا تماماً ما حدث في مهرجان الأرض في سردينيا حيث حصدت سلمي جائزة الجمهور وقلوبهم.
تقول سلمي "أكثر شيء أسعدني هو أن الفيلم حصل على جائزة الجمهور، ما يعني أن رسالتي من الفيلم بإيصال صوت هؤلاء الأطفال وصلت فعلاً".

 

نسرين سلمي ابنة فلسطين المحتلة ومراسلة الميادين، لا ترى فقط عشرات المواقف التي يمكن لصحفي متمرّس مثلها أن يصنع من كل موقف منها مادّة توثيقية، بل هي تعيش هذه المواقف أيضاً ككل الفلسطينيين، تقول عن اختيارها لهذه الفكرة بالذات "عندما كنا نعد تقريراً إخبارياً مدته دقيقتان، كنت أشعر أنه غير كافٍ للتعبير عن قضية هؤلاء الأطفال. وأردت أن يرى مَن يتغنّون بالديمقراطية وحماية حقوق الأطفال أن الأطفال هنا لا حقوق لهم، وكان هناك مقال قرأته يقول إن إسرائيل تسعى إلى قتل المستقبل الفلسطيني، من هنا جاءت فكرة الفيلم".


في كواليس العمل، وهذا ما لا يعرفه أغلب الجمهور، يواجه الصحفي صعوبات وعوائق خلف الكاميرا، منها أن الضيوف في كثير من الأحيان لا يستطيعون تكثيف كلامهم لإيصال فكرتهم بشكل واضح، فما بالك عندما يكون الضيف طفلاً، اللافتُ في ضيوف "أحلام قيد الاعتقال" أن الأطفال استطاعوا تكثيف تجربتهم في جمل مختصرة واضحة ومباشرة، تقول سلمي عن هذه الجزئية "كان أصعب شيء هو جعل هؤلاء الأطفال يتكلمون، خصوصاً أن بعض التفاصيل في التحقيق تحديداً صعبةٌ عليهم، كالتهديد بالتحرش الجنسي وشتم الأم والأخت، لكنهم خاضوا تجارب أكبر بكثير من عمرهم، كما أنهم اعتادوا على الصحافة والموثقين من المؤسسات الحقوقية".

 

في أي بلد في العالم، يكرّم المبدعون، أما في فلسطين المحتلة فيختلف المشهد، قد تواجه سلمي مضايقات أو تهديدات من قبل قوات الاحتلال، خاصة وأنها استخدمت مشاهد مسرّبة من غرف التحقيق الإسرائيلية. عند سؤالها عن هذه النقطة تحرجنا شجاعتها، نحن الصحفيون الذين لم نختبر العمل تحت وطأة الاحتلال وتقول "مع الاحتلال كل شيء وارد لكن بحسب طبيعة عملنا تعوّدنا على مثل هذه المخاطرات، بالعكس كنت أحاول الحصول على مواد أكثر تأثيراً عما يحصل في غرف التحقيق، لكنني لم أرد الإضرار بشخصيات الفيلم".

 

ورغم الصمت الدولي تجاه جرائم الاحتلال، تأمل نسرين سلمي أن تخلق الأفلام الوثائقية على الأقل اهتماماً شعبياً تجاه القضية الفلسطينية وتقول "الأفلام الوثائقية أهميتها بالمساحة التي توفرها للقصة، كذلك التركيز على شخص أو مكان بقصته الخاصة، يصل إلى جمهور مختلف قد يكون بعيداً عن السياسة ولا يعرف الكثير عن الموضوع الفلسطيني، لكنه عندما يحضر فيلماً ترسخُ القصة في رأسه، وبالتالي هي طريقة أخرى لإيصال الصوت الفلسطيني إلى جمهور ربما يكون مثقفاً أكثر منه سياسياً".

المحاميد: يحاول لااحتلال أن يكسر تصميم الفتية والشبان الفلسطينيين على مقاومته من خلال التسبب لهم بإعاقات عمداً
المحاميد: يحاول لااحتلال أن يكسر تصميم الفتية والشبان الفلسطينيين على مقاومته من خلال التسبب لهم بإعاقات عمداً
تجربة مختلفة تنقلنا إليها هناء المحاميد في فيلمها "حرب الإعاقة". 
الفيلم الذي حاز على الدرع التكريمي في مهرجان الأرض في سردينيا، يضع على طاولة التشريح استراتيجية الاحتلال بالتسبب عمداً بإعاقات للفتية والأطفال الفلسطينيين. 
تبدو شخصية المحاميد كمراسلة ميدانية حاضرة في أسلوبها في معالجة الفيلم, وكأنها تقول لضيوف فيلمها "سقطت ذراعك فالتقطها واضرب عدوّك بي، فأنت الآن حر".
وزّعت مشاهدها بين شهادات المصابين وتحليل المختصين في هذا الشأن، وتمرير المعلومات والوثائق بطريقة الـ"بوليت بوينتس" المستخدمة في التقارير الإخبارية.
تصرّ المحاميد على تسمية فيلمها بـ"الميداني" وليس الوثائقي, وتقول"بدأت رحلة بحثنا وتقصّينا لهذه القضية خلال ملاحظتنا في الميادين في تغطياتنا الميدانية لظاهرة إطلاق الرصاص على الأطفال والشباب الفلسطيني بشكل متعمّد، كذلك من خلال اطلاعنا على بعض التقارير الحقوقية حول هذا الأمر ، وتوعّد ضابط عسكري إسرائيلي يدعى نضال بإعاقتهم وجعل شباب المخيم يسيرون على العكازات".


هناء المحاميد التي تعيش بمحاذاة الاستهداف الإسرائيلي لها بموجب مهنتها كمراسلة وبموجب فلسطينيتها أيضاً، نجت في تشرين الأول/أكتوبر 2015 من قنبلة أطلقها جنود الاحتلال. تقول "الإصابة التي تعرضت لها لم تكن عنصراً محركاً في هذا الميداني ولكني أشعر أن هناك بعض القواسم المشتركة بيني وبين ضيوف الفيلم، وأعتبرهم أبطالاً حقاً لأنهم استطاعوا هزم الاعاقة بمفهومها السلبي".

في متن الفيلم تخلق المحاميد مقاربة هامة جداً، بين ثقافة الشهادة والإعاقة في المجتمع الفلسطيني، حيث يمتلك المجتمع الفلسطيني كل الدوافع للذهاب إلى الشهادة كأبعد نقاط المقاومة، بينما الإعاقة عبء، خاصة مع نقص أو انعدام المؤسسات الداعمة والبنية التحتية الملائمة. تقول المحاميد "ذلك يندرج أيضاً ضمن إحدى نتائج الاحتلال وإرهاصاته على المجتمع الفلسطيني وتطوره". وتضيف "الاحتلال الإسرائيلي يدرك نقطة الضعف هذه لدى الشبان الفلسطينيين ومجتمعهم، وبالتالي هو يستغلها ويحاول أن يكسر تصميمهم، وأن يخلق أجيالاً شابة غير قادرة على محاربته بسبب انهماكها بمشكلاتها الداخلية الإجتماعية والإقتصادية".


لكن هل نجح في ذلك فعلاً؟ تضيف المحاميد "أعتقد أنّ فيلم "حرب الإعاقة" يجيب على ذلك بوضوح من دون إغفال مرارة الصراع مع الإعاقة لدى فتية ما زالوا في عمر الزهور. الإجابة القاطعة ومن دون تجميل للحقيقة، هي أنّ الاحتلال فشل بإخضاع الشعب الفلسطيني وشبابه، رغم الوجع الجسدي، تبقى آلام الاحتلال أقسى من أي شيء".



وكمتلقٍّ يحقّ لك أن تسأل نفسك هل تختصر النماذج التي سلط الفيلم الضوء عليها حقيقة الوضع؟ وهل أساساً يحتاج العالم لكل تلك الأمثلة ليقتنع بجرائم الاحتلال؟


فتجيبك مخرجة الفيلم "حاولت أن ألقي الضوء على مأساة حقيقية يعاني منها كثر، وليست أبداً قصصاً شخصية وفردية هنا وهناك. على العالم أن يلتفت إلى هذه المعاناة الإنسانية اليومية، وواجبنا كصحفيين أن نوقظَ ضميره من سبات الحياد أو التملّق والانصياع لدولة تسلب حياة ومستقبل شعب كامل. ورغم أن العالم ليس بحاجة إلى صور الشبان المعاقين ليفهَم الصورة، لكن في نهاية المطاف من حق الفلسطيني على نفسه أن يصرخ بوجه الظلم".


تولي المحاميد في فيلمها أولوية واضحة لتقديم معلومات عن أنواع الرصاص الذي يستخدمه الاحتلال للتسبب بإعاقات، لقناعتها بأن "الإعلام والأفلام الوثائقية ضرورية للتوثيق ولكشف المجهول من هذه السياسات ولدفع أصحاب الشأن والمجتمع عموماً لرفضا والعمل على وقفها"،  وذلك الأمل تربطه المحاميد "بالتحركات السياسية الفلسطينية على مستوى المؤسسات الدولية، التي من واجبها أن تسعى إلى تدويل مثل هذه القضايا وإنشاء دوائر ضغط سياسية في الجمعيات الأممية الهامة، بالطبع ذلك يتطلب عملاً استراتيجياً تراكمياً ومتشابكاً بين عدة جهات".



بعد رحلة 25 دقيقة تثقل كواهلنا بهموم هؤلاء تارةً، وتحرجنا المحاميد من أنفسنا بالتركيز على إصرارهم ورباطة جأشهم تارة أخرى, تنهي مراسلة الميادين فيلمها بجملة لأحد الضيوف من الأطفال تركت رصاصات الاحتلال ندباً في ساقه وفي قلبه يقول "عادي لو بتصاوب وبرجع بروح عالمسيرة".


انطلاقاً من قناعة ذاتية راسخة تؤمن بها بشكل مطلق، مررت المحاميد رسالتها للمتلقي باسم جيل من الأطفال مفادها  أن "الإصابة برصاص الاحتلال هي أمر بات مقدّراً لأي فلسطيني أينما كان، وعلى الفلسطيني أن يؤمن بأن مسيرة التحرر تتطلب المثابرة وعدم الانكفاء والانحناء، خلال نحو 70 عاماً بقي شعبنا شامخاً، لأنه أصيب مرة واثنتين وعشرة ولم ينكّس راية نضاله العادل".