من أمام الكاميرا إلى خلفها.. هذا ما حصل مع مراسل الميادين في الموصل

في تغطية الأحد لمعارك الساحل الأيمن للموصل بدا كل شيء طبيعياً ومألوفاً بالنسبة للمشاهد والمتابع باستثناء أن مراسل الميادين الزميل عبد الله بدران لم يظهر كعادته أمام الكاميرا عارضاً في البداية لآخر التطورات ومن ثم شارحاً لطبيعة المعركة والخارطة الجغرافية. فأين كان عبدالله ولماذا لم تلتقط الكاميرا صورته؟

بعدسة الزميل عبد الله بدران
في فترة ما قبل ظهر اليوم الأحد خصّصت الميادين كعادتها مساحة على الهواء مباشرة لتغطية معركة الموصل. لم يكن بالإمكان أن تغيب الشاشة التي واكبت العمليات منذ بدايتها عن تطورات ميدانية هامّة وربّما مفصلية تمثلت بدخول القوات العراقية الأحياء التي تتواجد فيها المقرات الحكومية في المدينة.

التغطية بدأت باكراً وظلّت كاميرا الميادين طيلة ساعات ترصد القصف المدفعي من هنا وتحليق الطائرات من هناك وسقوط قذائف الهاون وانفجار سيارة يقودها انتحاري وغيرها من المشاهد التي اعتدناها في السنوات الأخيرة. هو الميدان الذي يفرض نفسه، هي أعمدة الدخان التي لا تحجب رؤية ما وراءها فقط بل أيضاً الكثير من القصص التي تروى من يوميات تغطية واحدة من المعارك المفصلية في الحرب على الإرهاب وداعش. 


في تغطية الأحد بدا كل شيء طبيعياً ومألوفاً بالنسبة للمشاهد والمتابع باستثناء أن مراسل الميادين الزميل عبد الله بدران لم يظهر كعادته أمام الكاميرا عارضاً في البداية لآخر التطورات ومن ثم شارحاً لطبيعة المعركة والخارطة الجغرافية. فأين كان عبدالله ولماذا لم تلتقط الكاميرا صورته؟
كان عبدالله خلف الكاميرا هذه المرّة يلتقط بنفسه المشهد بتفاصيله كافّة، بل أكثر من ذلك ظل لساعات على الهواء، إلى جانب كونه مراسلاً، المصوّر ومساعد المصوّر والمهندس.

خلال اليومين الماضيين أصيب زميلان في فريق الميادين في الموصل. الإصابات كانت طفيفة، لكن كان يتوجب عودتهما إلى بغداد من أجل تلقي العلاج والراحة. غادر الفريق على أن يصل فريق آخر. لكن الأمر يتطلب ثماني ساعات. وفي حسابات الميدان الساخن الذي بات إيقاعه سريعاً مؤخراً، لم يكن بالإمكان الانتظار، خصوصاً وأن في بداية معارك اليوم ما يشي بتطورات هامّة.

لم يتردد عبدالله، أخذ زمام المبادرة، شغّل عربة البث والتقط الشارة، وأجرى التمديدات اللازمة، وجهّز الكاميرا، ثم راح ينتقل بعدستها في أرجاء المكان، شارحاً ما يدور من معارك. لم يظهر ارتباكاً في التصوير ولا التعليق والوصف ولا بث الصور المباشرة. لم يتسبب بالتالي في إرباك ولو طفيف للشاشة. لم يكن موقع وجوده وبثه على الهواء بلا مخاطر أمنية. القوات المسلحة على الأرض طالبته في وقت لاحق بضرورة الانسحاب لأسباب أمنية مع اشتداد ضراوة الاشتباكات. فعل كل ذلك من تلقاء نفسه من دون أي توجيهات من الإدارة التي تشدد دائماً على أن الأولوية هي للأمان. 


مشهد سقوط قذيفة هاون بالقرب من فريق الميادين خلال تغطية خروج المدنيين من الموصل
ارتبط اسم الزميل عبد الله بدران مراسل الميادين في العراق بالميدان ومعاركه منذ ما يعرف بالانهيار الأمني عام 2014 ودخول داعش إلى الموصل، كان عليه أن يغطي بكاميرا صغيرة محمولة مشاهد الانهيار والانكسار في مرحلة فاصلة، ثم كرّت السبحة فكانت عمليات صلاح الدين والأنبارر والفلوجة. 

لم تكن تلك تجاربه الميدانية الأولى، سبق لعبد الله أن غطى عمليات المقاومة العراقية ضدّ القوات الأميركية إبّان غزو العراق. لكن شتّان بين المشهدين. يقول في إحدى رسائله إن داعش أباح لنفسه كل شيء، كأن تركب ثلاث نساء في سيارة مفخخة ويقدن باتجاه القوات العراقية ويفجرنها، أو كأن يتسلل انتحاري بين العائلات والمدنيين ويفجّر نفسه، فضلاً عن المشاهد اليومية من عمليات القنص وسقوط قذائف الهاون والرشقات النارية التي لم يسلم منها فريق الميادين ومعداته مرات عدّة.

"مخاطرة محسوبة" هكذا يصف عبد الله كيفية عمله الذي يقتضي ركن سيارة البث في مكان غير مكشوف، واتخاذ موقع مشرف على مسرح العمليات، مع التزام معايير السلامة من ارتداء للخوذة والسترة الواقية.   

يروي للميادين نت كيف أن المراسل يكتسب من الميدان بعضاً من الخبرة العسكرية. يدرك أنه حين تسقط قذيفة الهاون ستتبعها ثانية وثالثة فيأخذ الفريق حذره ويتحصّن في مكان آمن. ولكن "ماذا لو أصابتك القذيفة الأولى؟" نسأل. فيسرد لنا عبد الله ما يعاينه والزملاء من مشاهد يومية مأساوية، وقصص موجعة، عن عائلات اضطرت لأن تعيش مع داعش خوفاً من القتل، أو أخرى ميسورة الحال باتت تستجدي شربة ماء، أو عن ذلك المدني المصاب الذي لم يكن أمامهم خيار إلا اصطحابه نحو المستشفى الميداني. ليخلص إلى أنه بمعزل عن التأثر والضغط النفسي "كل هذا يستحق، المعركة تستحق". 

معركة واضح أن الزميل عبدالله بدران يراها من منظار الصحافي الوطني والمهني المؤمن برسالته وبمشروع وخيارات الميادين في الوقوف إلى جانب الحق ضدّ الباطل ونقل الواقع كما هو.