هل انتهج ترامب سياسة أكثر هدوءاً؟

يشير خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب الثلاثاء في الكونغرس، إلى "عودة هادئة" إلى الديبلوماسية الأميركية المعهودة، وتحديداً نهج الجمهوريين الكلاسيكي. فقد جدد التذكير على ما جاء في حملته الإنتخابية وأعاد تصويب ما كان يثار حول بعض القضايا من علامات استفهام. من العلاقة مع حلف الاطلسي، إلى التحرر من إرث سلفه أوباما في العلاقة مع إيران، ثم الإقرار بالحاجة إلى دول إسلامية كبيرة لمحاربة الإرهاب بدلاً من الحرب على الإسلام، وصولاً إلى التزام الحياد الإيجابي تجاه روسيا ولو إلى حين.

خطاب ترامب الأول أمام الكونغرس: تثبيت لبعض العناوين وترسيخ للنهج الجمهوري التقليدي
خطاب ترامب الأول أمام الكونغرس: تثبيت لبعض العناوين وترسيخ للنهج الجمهوري التقليدي
هل يتجه ترامب إلى سياسة أكثر هدوءاً؟ ذلك أن خطابه الأربعاء أمام الكونغرس، يؤشر إلى أن العناصر الأساسية التي بنى عليها خطابه الانتخابي، غير قابلة جميعها للتطبيق. قد لا يرتبط الأمر بعدم قناعة ترامب بكل الوعود التي أطلقها، بل على الأرجح، من اصطدامه بالفريق المترسّخ في المؤسسات الأمنية والسياسية في البلاد، والذي له دور معتبر في رسم سياسة الولايات المتحدة الخارجية.

لقد أظهر خطاب ترامب أمس ما يشبه "العودة الهادئة" إلى لغة الديبلوماسية المعهودة، وإن لم يتخلّ عن بعض النقاط التي شكّلت مادة السجال بينه وبين الديمقراطيين خلال الحملة الانتخابية.

ففي العلاقة مع حلف الأطلسي، أعاد الرئيس الأميركي التذكير بما يتوجب على الحلف ودول شرق أوسطية من التزامات مالية تجاه مسألة الأمن، خاصة بعد إنفاق واشنطن حوالى 6 تريليونات دولار في الشرق الأوسط. كلام ترامب جاء لينفي ما أثير حول علاقة تعتريها علامات استفهام بين بلاده وبين الحلف ودول في الشرق الأوسط، قائلاً إن القيادة العسكرية "تدعم بقوّة حلف الناتو".


هي إعادة تكرار إذاً لما كان معلوماً وما أتى في خطاب القسم. تثبيت لبعض العناوين وترسيخ لنهج الحزب الجمهوري الكلاسيكي في إدارة الملفات الخارجية ولو مع بعض الفوارق، على ما يقول أستاذ العلاقات الدولية سامي نادر للميادين نت.

وكذلك الأمر في ما خص مسألة محاربة الإرهاب. فقد "أعاد ترامب توضيح مسألة أثارت قلقاً، لأن الحملة الانتخابية كانت موجهة بداية ضد المسلمين"، يقول نادر ويضيف "عندما جرى تنصيب ترامب كانت هناك نزعة باتجاه التماثل مع الخطاب الروسي لناحية الدفاع عن المسيحيين. فكان يتحدث عن الإسلام المتطرف". أما اليوم فقد حصر ترامب الإرهاب في ما يسميه "المتشديين الإسلاميين وليس الإسلام بالمطلق"، مؤكداً أنه سيعمل مع الشركاء المسلمين للقضاء على داعش والارهاب. 

بهذا الكلام يكون ترامب "انتقل من نظرية مستشاره السابق مايكل فلين الذي أقاله، إلى نظرية هيربرت ماكماستر الذي هندس القضاء على القاعدة بالشراكة من المسلمين المعتدلين في العام 2007 وتحديداً القبائل السنية. فماكماستر هو من أصحاب نظرية ضرورة الوصول إلى شركاء مسلمين"، يؤكد نادر الذي يقول إن "المراقب يرى في خطاب ترامب الأخير إنتقالاً من موقع فلين (أي الاقتراب من موسكو والخطاب المعادي للإسلام)، إلى الموقف الكلاسيكي في السياسة الأميركية (الشراكة مع الدول الاسلامية)، وتحديداً تركيا والسعودية".

قد يكون موضوع الاتفاق النووي مع إيران هو إحدى المسائل التي لم يطرأ عليها أي تغيير. فواشنطن اعتبرت أن إيران استفادت كثيراً من الاتفاق أيام باراك أوباما ووسّعت نفوذها في الشرق الاوسط. كل الفريق السياسي القديم سواء من جمهوريين وديمقراطيين يشتركون في نظرة موحّدة تجاه كلفة الاتفاق مع إيران، لذلك فإنه على الرغم من أن "الحرب لن تخاض ضد إيران إلا أن النهج الجمهوري الكلاسيكي يقول اليوم بالتوازن بين القوى الإقليمية، للحدّ من التمدد الايراني، وذلك عبر إعادة تفعيل "الشراكات القديمة" مع دول الخليج وتركيا، أما المسألة الكردية، فقد لحظ ترامب الحد من نزعة الكرد الاستقلالية"، بحسب نادر.

روسيا التي غابت من خطاب دونالد ترامب كانت حاضرة. "كان الأمر ملفتاً. ترامب الذي كان يؤخذ عليه نوعاً ما أنه قريب من روسيا مع بداية حملته الانتخابية، ليس هو نفسه منذ شهر إلى الآن"، على ما يشرح نادر. فإقالة الرئيس الأميركي مستشاره مايكل فلين، ثم الاصطدام بالفريق السياسي القديم لا سيما الجمهوريين، "اضطرا ترامب للعودة خطوة إلى الوراء". لكن هذه الخطوة لا تنطوي بالضروة على مرحلة مقبلة من العداء والمواجهة، فـ"ترامب يتخّذ اليوم جانب الحياد الإيجابي مبقياً على فرصة لعلاقات جيدة مع روسيا. خاصة أن من سبق ترامب من بوش إلى أوباما، حاولا بناء علاقات جيدة مع الروس، لكن في النهاية الدول الكبرى لديها مصالح. هذه هي حدود العلاقات بين واشنطن وموسكو. اليوم الكل عاد إلى موقعه لكن من دون تصعيد. نحن في حالة انتظار".