أحلام الفلسطينيين تحاصرها المستوطنات وشروط المصالحة

على الرغم من أن المستوطنات تنمو كفطر سام يقطّع أوصال الضفة الغربية، وكذلك يتم تهويد القدس وقضم الأحياء العربية فيها، فيما يخنق الحصار غزّة فإن الصورة ليست وردية على المقلب الإسرائيلي. فإسرائيل تستعد لأسوأ السيناريوهات. حيث يتحدث تقرير لمعهد أبحاث الأمن القومي عن خطر الداخل الإسرائيلي، ويطالب بفتح حوار قومي (سياسي واجتماعي) حول تعريف هوية إسرائيل كدولة يهودية ديموقراطية، والاتفاق على قواعد اللعبة السياسية لمنع الاستقطاب السياسي والاجتماعي الحاد داخل الكيان.

دغلس: تكشف إسرائيل كل يوم أن حكومتها حكومة استيطان بالدرجة الأولى
مستوطنات تنمو كفطر سام يقطّع أوصال الضفة الغربية. في القدس تهويد وقضم للأحياء العربية وتهديد المقدّسات. في غزّة حصار خانق، وفي الأفق تتعذّر رؤية أي دولة فلسطينية. بموازاة ذلك، لا تزال المصالحة الفلسطينية تراوح مكانها في خضم المناورات السياسية البعيدة من هموم الفلسطينيين. وإذا كان ثمة أمل فهو يأتي من الشارع، حيث يثبت الشعب الفلسطيني كل يوم أنه قادر على اجتراح المعجزات.

لكن على المقلب الآخر الصورة ليست وردية. إسرائيل تستعد لأسوأ السيناريوهات. تقرير معهد أبحاث الأمن القومي على سبيل المثال يتحدّث للمرة الأولى عن خطر الداخل الإسرائيلي، ويطالب بفتح حوار قومي (سياسي واجتماعي) حول تعريف هوية إسرائيل كدولة يهودية ديموقراطية، والاتفاق على قواعد اللعبة السياسية لمنع الاستقطاب السياسي والاجتماعي الحاد داخل الكيان.

المجتمع الإسرائيلي والخطر الداهم

مع نهاية عام 2016، قدّم معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي، الذي يترأسه رئيس الاستخبارات العسكرية الأسبق عاموس يدلين، تقدير المعهد السنوي للوضع الاستراتيجي الأمني والسياسي لإسرائيل.

في تقريره اعتبر المعهد أن حركة حماس تشكل الخطر الثالث على إسرائيل بعد حزب الله وإيران، إلا أنه رأى أن احتمال تصادمها مع إسرائيل هو الأعلى، وأوصى بتحسين الاستخبارات الإسرائيلية بهدف مواصلة تقليص نقل السلاح النوعي إلى الحركة وتقليص فرص التصعيد الكامنة بذلك.

إلا أن الجديد الذي تطرّق إليه المعهد لأول مرة في تقاريره هو التهديدات الداخلية، والتي اعتبرها يدلين تهديداً حقيقياً على الأمن القومي الإسرائيلي، ويقف في مقدّمها تراجع القاعدة الشعبية الأساسية لدعم وشرعية مؤسسة الجيش الإسرائيلي، وما يتبعها من تحريض مباشر ضد قيادته وضباطه، والتي وصلت إلى نسب غير مسبوقة لهذا العام. كما أشار التقرير إلى غياب التضامن واتساع الشروخ الاجتماعية داخل إسرائيل.

ويعلّق الخبير في الشؤون الإسرائيلية الدكتور عباس اسماعيل على ذلك بالإشارة إلى أن الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين تكفّل بشرح هذه المخاطر في الكلمة التي تحدّث فيها خلال المؤتمر. يقول اسماعيل "في التقدير الاستراتيجي وردت مسألة تراجع التضامن والضعف الداخلي واتساع الشروخ باعتبارها من التهديدات التي تعاني منها إسرائيل، غير أن الرئيس الإسرائيلي اعتبرها التهديد الاستراتيجي المركزي على إسرائيل وقال إن هذا التوصيف ليس توصيفاً اجتماعياً بحتاً وإنه بات يشكل تهديداً وجودياً على أمن الكيان أكثر من التهديدات الخارجية".

ويضيف "بصرف النظر عما إذا كان يبالغ أو لا ولكن مجرّد ذكره هذا الموضوع هو إشارة إلى أنه بهذا التوصيف يجب التوقّف عنده لاسيما وأن ريفلين نفسه في مؤتمر هرتسيليا السابق كان تحدّث أيضاً عن هذا التهديد". حينها تطرّق الرئيس الإسرائيلي إلى ما سمّاه بالقبائل الأربع، وشبّه المجتمع الإسرائيلي مستقبلاً بأنه سيكون مثل عربة تجرّها أربعة أحصنة، كل حصان يتحرّك باتجاه، معتبراً أنه إذا لم يتم تدارك هذا الموضوع فإن المجتمع الإسرائيلي سيتفتّت.

التفاوض جسر عبور

الخبير الاستراتيجي واصف عريقات يرى أن إسرائيل تريد من الفلسطينيين أن يكونوا جسر عبور لها تجاه العرب أو جزءاً من العالم العربي. ويشير إلى أن إسرائيل تدرك أن جمود العملية السياسية سيقود الفلسطينيين إلى تصعيد مقاومتهم وتصعيد الانتفاضة سواء في قطاع غزّة أو الضفة أو القدس.

ويلفت إلى أنه للمرة الأولى يتحدّث تقرير التقدير الاستراتيجي الصادر عن معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي عن تطورات في الداخل الإسرائيلي كانت إيجابية وأصبحت سلبية، منها بشكل خاص تفكّك الجبهة الداخلية واستهداف الجيش من الداخل.

ويعزو السبب في ذلك إلى صمود الشعب الفلسطيني الأعزل ومقاومته بإمكانياته المتواضعة. ويقول "هذه نتيجة طبيعية تدرك إسرائيل أنها ستستمر وستكون أكبر بكثير مما كانت عليه في السابق إذا ما فقد الشعب الفلسطيني الأمل بأية عملية سلمية".

ويعتبر أن خطة إسرائيل الآن هي أن تجزّىء الفلسطينيين وتحاول أن تستخدم القضية الفلسطيينية كجسر عبور لإقامة علاقة مع بعض الدول العربية.

المصالحة رداً على الاستيطان

مسؤول ملف الاستيطان في السلطة الفلسطينية شمال الضفة الغربية غسان دغلس يعتبر إنه لم يتبق للفلسطينيين اليوم أية مقومات لبناء دولتهم نتيجة السياسة الإسرائيلية التي تهدف إلى تقويض حل الدولتين. ويقول إن الإجراءات الإسرائيلية أحادية الجانب تؤدّي إلى قطع أوصال الضفة بالكامل وإلى فرض وقائع على الأرض.

وتعليقاً على مصادقة الحكومة الإسرائيلية على بناء آلاف الوحدات الاستيطانية في الأسابيع الأخيرة يصف دغلس هذه الخطوات بالاستفزازية للعالم وبأنها رد على قرار مجلس الأمن 2334. ويقول "تكشف إسرائيل عن نفسها كل يوم وتبرهن أن حكومتها هي حكومة استيطان بالدرجة الأولى. إن تشريع آلاف الوحدات الاستيطانية الجديدة بعد قرار مجلس الأمن الأخير حول المستوطنات وبعد الإدانات من العالم تجاه الاستيطان هو تأكيد بأنها ماضية بالمشروع الاستيطاني وفي قضم الضفة الغربية وتهويد القدس".

وعن الخطوات التي يمكن أن تُقدم عليها السلطة لمواجهة هذا المخطط يجيب دغلس أن "السلطة ستكون جاهزة للتقدّم إلى محكمة الجنايات الدولية وستخاطب العالم الذي صوّت بكل قوة في مجلس الأمن على أن هذا الاستيطان غير شرعي، كما ستتجه إلى كل المحاكم والمنظمات الدولية لكي تقول إن حكومة إسرائيل هي حكومة استيطان، وسيكون هناك تغيّر في الأسلوب من قِبَل السلطة الفلسطينية على الأرض، فهناك اتجاهات لدعم صمود المواطن الفلسطيني وتصعيد المقاومة الشعبية في أنحاء الوطن كافة لأننا لن نبقى صامتين والأرض تضيع كل يوم".

وحول شكل هذه المقاومة على ضوء التفسيرات المتعدّدة لها بين الفصائل الفلسطينية وداخل حركة فتح يقول دغلس: "الخيارات مفتوحة والعالم أجاز المقاومة الشعبية تحت الاحتلال. نحن انتظرنا العالم لتطبيق أوسلو أكثر من 20 عاماً والأمر زاد سوءاً على الأرض وإسرائيل تستغل السلام كما تستغل الحرب، علينا أن نبقى جاهزين وخيار المقاومة الشعبية خيار قوي ويجب أن يشمل كل مناطق الضفة الغربية وأن يكون هناك عصيان لكل قرارات إسرائيل على الأرض".

ويخلص دغلس إلى القول إن المقاومة مستمرة ولن تتوقف، وإن موضوع الاستيطان يجب أن يُسرّع المصالحة، إلا أنه يعتبر أن هناك دولاً ترعى حال الانقسام داخل صفوف الشعب الفلسطيني وتساعد على ذلك من خلال ضخّ الأموال إلى بعض الفصائل. ويرى أن حال الانقسام ستبقى ما دامت هناك دولاً تغذيها، فهناك اليوم دول تدعم السلطة وأخرى تدعم حماس، بموازاة استمرار التغوّل الإسرائيلي وإيغال الاحتلال في الاستيطان.

 

الشعب قادر على اجتراح الحلول

يعود الباحث في الشؤون الإسرائيلية تحسين الحلبي إلى ما قبل احتلال الضفة الغربية عام 1967. يلاحظ أنه قبل هذا التاريخ لم يكن هناك أكثر من 50 ألف مستوطن في الضفة الغربية، أما في قطاع غزّة فلم يكن هناك وجود لهم بالمطلق.

ويشير إلى أن الشعب الفلسطيني هو من أشعل الانتفاضة عام 1987، ثم جاءت القيادة الفلسطينية لتقوم بدورها من الخارج.  هذه التجارب توضح برأيه ما يمكن أن يفهمه كيان الاحتلال. "الآن يمر على اتفاق أوسلو 24 عاماً ، والضفة والقطاع محاصران. الأولى من الداخل عبر المستوطنات والثاني من الخارج، وبالتالي لا بد من تجنيد قدرات الشعب الفلسطيني لأن الحكومة الفلسطينية ما زالت رهينة اتفاقات أوسلو وسقفها هو المطالبة بمقاومة شعبية في حين لو ترك الأمر للشعب فإنه قادر على أن يجترح الحلول كما يفعل الآن".

اخترنا لك