وراء الكواليس... هوليوود في خدمة البنتاغون

تبدو أفلام الترفيه حيادية للوهلة الأولى، وينظر إلى هوليوود على أنها صناعة هدفها الربح مقابل التسلية التي تقدمها لجمهور واسع يتخطى أميركا، لكن مهلاً.. أصابع البنتاغون حاضرة هنا أيضاً وبقوة. هكذا يجري التلاعب بمشاعر الملايين وتوجيه الرأي العام من دون أن يدري.

الضابط في وزارة الدفاع الأميركية فيل ستراب برز إسمه على جدول أكثر من خمسين فيلماً، أبرزها "”Transformers: Revenge
لطالما كانت العلاقة مميزة بين البنتاغون وأفلام هوليوود. الجهود المشتركة في تلك الصناعة غير خافية على الباحثين والخبراء. يبرز ذلك بشكل جليّ في أفلام الترفيه التاريخية أو الخيالية. مئات، وربما آلاف الأفلام، تتباين عبر حبكات مختلفة، لكن يجمعها بطل واحد ونهاية واحدة. من داخل أعظم دولة في العالم، تُكلّل نهاية الفيلم بذلك الخطاب التقليدي. أميركا المنقذة، تتوجه إلى الكون منادية بالسلام بعد غزو فضائي أو هجوم ديناصور يريد تدمير عظمة الغرب وحضارته "الديموقراطية". هذا الديناصور لا يظهر لدى العرب، أو أنه لا يهتم لأمرهم. يذهب إلى أميركا وحلفائها. ولكن الرئيس يقف بالمرصاد، إلى جانبه جيشه الشجاع والمارينز وأحدث الطائرات الحربية. وبما أنّ الأفلام الخيالية تستحوذ على اهتمام المشاهد يتم اللجوء إليها خدمة لأيديولوجيا معينة.  

الضابط في وزارة الدفاع الأميركية فيل ستراب تربطه علاقة مع هوليوود يعود عمرها الى أكثر من 25 عاماً.

برز اسم ستراب على جدول أكثر من خمسين فيلماً، أبرزها "”Transformers: Revenge of the Fallen"، “Lone Survivor”، "”Ironman اضافة الى برامج تلفزيونية.

علاقة البنتاغون بصناعة الأفلام يوضحها ستراب بما لا يدع أي مجال للشك والاجتهاد. يقول الضابط إنّ مهمّة الإدارات التابعة لفروع خدمات مخلتفة لدى القوة الأميركية هي "دراسة محتوى السيناريو على أمل أن يحصل منتجو الأفلام على الدعم اللاّزم من وزارة الدفاع".

تدخّل البنتاغون في هوليوود يعود الى أوئل القرن العشرين. يقوم البنتاغون بدعم الأفلام التي تظهر الجيش بحلّة الشجاعة والشرف والالتزام، وهي طريقة لجذب الشباب للاتحاق بالقوات الجوية أو البحرية.

مثال على ذلك، فيلم "Top Gun" من بطولة توم كروز عام 1986 حيث برز وجود القوات البحرية. يشرح الكابتن مدير مكتب البحرية الأميركية للمعلومات راسل كونز أنّه إثر عرض الفيلم "توظّف كثيرون في القوات الجوية وهو ما ليس له علاقة بالفيلم. لا يمّيز الجمهور دائماً بين القوات الجوية والبحرية".

وفي ما يتعلّق باتخاذ قرار خوض حرب أميركية وتفاعل الشعب معها، يقول الكاتب لورانس سود إنّ تأثير الأفلام الأميركية على الشعب بلغ درجة عالية، مشيراً إلى أنّه " عندما قال الرئيس السابق جونسن إنه باستطاعتنا خوض حرب في فييتنام والفوز، وثق الشعب بهذا الكلام" لأنه على مدار 50 عاماً تم عرض أفلام تظهر انتصار أميركا في الحروب.

معارضون خارج "الدعم"

مقابل  تدفق عدد هائل من الأفلام التي تصب في خدمة السياسة الأميركية، برزت أسماء معارضة لتلك السياسة، أبرزها المخرج أوليفير ستون، الذي يعدّ من أكبر معارضي السياسة الأميركية. هذه المعارضة تجلّت من خلال مجموعة من الأفلام حول حرب فيتنام كـ "Salvador" الذي تم ترشيحه لاثنتين من الجوائز الأكاديمية.

إلى جانب أوليفير ستون، برز الفيلم الوثائقي "Fahrenheit:9-11" الذي ينتقد فيه المخرج مايكل مور طريقة تعامل الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش مع أحداث 11 أيلول/ سبتمبر. كما وجّه الممثلان شون بن وسوزان ساراندون انتقادات إلى سياسة بوش حول تدخّله في العراق، الأمر الذي أثّر سلباً على الحياة المهنية للطرفين بعدم إعطائهما أدورا كالسابق.

وعلى الرغم من النجاح الواسع الذي حقّقه مخرجو أفلام ينتقدون فيها الحكومة الأميركية، إلاّ أنّ الأفلام الداعمة لتلك السياسة لا تزال تلقى نجاحاً مذهلاً في أنحاء العالم محقّقة أرباحاً كبيرة، كفيلم "Man of Steel" الذي أعاد على أصحابه أكثر من 110 مليون دولار خلال عرض الافتتاح، وهو نسخة جديدة لفيلم سوبرمان.

الإعلام في خدمة التضليل

التلفزيون أداةً للوصول الى جمهور المشاهدين على المستوى القومي

استغلّ القائمون على وسائل الإعلام الشاشة الصغيرة لتحقيق مصالح مادية وإيديولوجية. تولت السيطرة على انتاج المجلات والصحف والأفلام مجموعة من الشركات الخاصة الكبرى المالكة لوسائل الاتصال.

ولأنّ التلفاز يعد وسيلة جوهرية في الدعاية السياسية، كلّف الجيش الأميركي أطقم التلفزيون العاملة لديه عرض الأفلام التي تقدم صورة مرضية لعملياته في فيتنام باستمرار. وبذلك بات التلفزيون أداةً للوصول الى جمهور المشاهدين على المستوى القومي.

يقول هيربرت شيللر مؤلف كتاب "المتلاعبون بالعقول" إنّ "مهمة بعث الرسائل الموهجة أمراً سهلاً، اذ يمضي الأميركيون مئات الملايين من الساعات أسبوعيا ومليارات الساعات سنويا امام أجهزة التلفزيون".

على مدى نصف قرن، شاركت وسائل الاعلام على اختلافها في الترويج لأسطورة المباحث الفيدرالية بوصفها وكالة لا سياسية عالية الكفاءة لتطبيق القانون. الاّ انّ جهاز المباحث استخدم في الواقع طوال الوقت لارهاب وتطويق أي سخط اجتماعي، يقول شيللر. 

ويشير الخبير الإعلامي والأستاذ الجامعي إلى أنّه بهدف نشر المعلومات والصور تستخدم وكالة الاستعلامات الأميركية ما يزيد عن عشرة آلاف شخص وتنفق ميزانية سنوية قدرها 200 مليون دولار تقريبا وتمارس نشاطا إعلاميا دوليا واسعاً.

 وينقل شيللر عن أحد المديرين السابقين لوكالة الاستعلامات الأميركية أن ما قدمته الوكالة من معارض وإذاعة مسموعة وأفلام وكتب وكتيبات ودوريات تعد الآن نماذج تحتذى في رأي الخبراء المتخصصين في فن استمالة الناس وإقناعها.

وتجري مراجعة دقيقة لمحتويات المكتبات التابعة للوكالة خارج البلاد بغية التأكد من خلوها من أي مادة معرفية أو أدبية تنتقد أهداف وغايات السياسة الرسمية للولايات المتحدة الأميركية. ويتم تعيين مديرها بقرار من الرئيس وهو لا يملك أن يقدم تفسيرا مختلفا لوجهات النظر الاعلامية الاساسية.

ورغم أنّ الوكالة ليست منظمة سرية فإن عملياتها لا تخرج دائماً إلى حيز العلن. وفي أحوال كثيرة يتم استخدام المواد الموزعة على الاعلام الداخلي من دون أن تنسب الى مصدرها ما يجعل فحواها أقل تحديدا ومن ثم يبدو انتاجها كما لو كان مستقلا ومتسما بالأصالة.