تموز ... حين هبط الليل باكراً

لم تكن الدنيا ليلاً لكنها خُيّلت لي كذلك. حرّرت ذراعيّ من اشتمالهما، ثم أسندت راحتيّ إلى حافّة الشرفة التي تحسّست نتوء إسمنتها مثل ندوب صغيرة. زفرت هواء ثقيلاً. قلت إن الليل يهبط باكراً. في غزارة الظهيرة، قلت إن الليل يدنو مُسرعاً.

  • تموز ... حين هبط الليل سريعاً
    تموز ... حين هبط الليل سريعاً

كان ليل. هكذا حسبته. حدّثت نفسي بما يشبه التمتمة، إنه ليل، ثم أغمضت عينيّ بُرهة. هكذا لأستعيد ما تدفّقت به التماعة الذاكرة الطريّة. هذه الرماديّة الوجه، كأنها عفرّت بكل غُبار الكون، المُتجهّمة، مثل سحنة عجوز عبوس، سماء. فتحت جفوني من إطباقها. فتحتها واسعاً. لم تكن الدنيا ليلاً لكنها خُيّلت لي كذلك. حرّرت ذراعيّ من اشتمالهما، ثم أسندت راحتيّ إلى حافّة الشرفة التي تحسّست نتوء إسمنتها مثل ندوب صغيرة. زفرت هواء ثقيلاً. قلت إن الليل يهبط باكراً. في غزارة الظهيرة، قلت إن الليل يدنو مُسرعاً.

كان ليل. هكذا ظللت أحسبه. الأصوات تطرق مسمعي مثل صُراخ عميق وغائر. هو "لَبيد". هكذا يُسمّي أهالي القُرى في جنوب لبنان، ما يرشح من أصوات القصف البعيد. يتلفّظون بها بباء مفتوحة وياء ساكنة. سمعت هذه الكلمة أول مرة قبل يوم من عدوان 1996. كنّا أسفل الكرمة التي تُظلّل مدخل منزل جدي وجدتي، بينما "اللبيد" يختلط بالرّقص والتصفيق احتفالاً بالصغيرة التي تدنو من الصبا. "لبيد" كان يتوقّف معه الرقص والتصفيق ثم يُستدعى فجأة، بشيء من اللامبالاة، فيما الكل، بين الفينة والأخرى، أراهم يشحذون السمع مع إيماءات جانبية من رؤوسهم ناحية الصوت، مثل مَن يلصقون آذانهم بالجدران.

"هو لبيد"، حدّثت نفسي، وتذكّرت أن هذا يحدث الآن في مواضع بعيدة مني، لكنها مهولة حيث تقع. قلت إن هذا الصوت الغائر الذي أسمعه، سيبقى بعيداً مني. لن أشعر أني في آخر الدنيا، كما في العام 1996. كما لن يغدو الصوت صِياحاً يجرح السمع، ولن يصمّ أذنيّ وآذان الإناث الثلاث اللواتي يرتفقن الزاوية خلفي، على بعد أمتار من مدى كتفي الأيسر. لم ألتفت إليهن، لكني قدّرت من وقوفي، أنهن ما زلن على حالهن منذ أن نهضت وخرجت إلى الشرفة. أظنهن بقين جالسات مُفتعلات القُرب بينهن، كأنهن يتهيّأن لينضممن إلى بعضهن مثل صُرّة، فيتواسين بنظرات تختلق الطمأنة التي ترفع عن أفئدتهن ثقل الخوف. لكن الخوف ثقيل. يجثم ولا يرقّيه إلا الانعتاق منه. أن يُمسَك الرأس براحتين مفتوحتين ثم يهزّ. قد يحصل هذا بعدم الاكتراث بالموت، وأحياناً أخرى بالموت نفسه. وهو في الحالين، استدعاء للموت بشيء من الكبرياء.

لكني لم أكابر الموت. بقي الموت ماثلاً أمامي، لكنه لم يكن موتاً خفيفاً كما أتخيّله وأريده. أن يجتاحني مثل نوبة نعاس تَلِجُ بي إلى نوم عميق، ثم أغيب بعدها. بل كان حقيراً ومزعجاً أشعر به يقرصني ويدفعني من الخلف إلى حيث يستفرد بي. كنت قد عدت بمشي وئيد إلى جلوسي. الخوف لا يزال يسكن تلك العيون المُرتابة التي أمامي. تلك العيون التي كانت تحاول بما أمكنها من قوة، ألا تقع في مرمى بعضها بعضاً. أن تحتفظ كل منها بخوفها لها، وتتصرّف به كيفما شاءت. السكينة التي أحاطت تلك الزاوية الصغيرة، كانت رهبة. تلك التي كانت تعلو معها الأنفاس ثم تنقبض مرّات متتالية، مثل تلك التي تُصيب مَن يدنو من إخراج نعش محبوبه إلى آخر بيوته. عينا أختي الكبرى، كانتا متأهبتين لدمع لم يُذرف كله منذ فجر الخميس 13 تموز. الوجوه صفراء. قرصت شفتي وتحسّست وجهي الذي غدا ساخناً. "اللبيد" يقترب. شعرت بومضة ساخنة في القلب، ثم بنبضه يتخلّل أروقة الرأس. هذه الومضة أحسست بها في تلك الأيدي المضمومة والمُرتجفة التي أمامي.

- "أعددت مسبّحة (طبق من الحمص يؤكل صباحاً)، هل آتي لك بصحن؟"، سألتني أمي وهي تغالب خوفها.

أومأتُ لها رافضاً. لم أنطق بكلمة. كان جوف حلقي قد بدأ يجدب وصرت أبتلع رضابي بصعوبة. الضيق استحكم بي. أخفضت يدي ومسّدت ربلتي ساقاي. ترتجفان. توخزانني كأنهما تحفّزانني على الانطلاق. فتحت الباب وأرتجته خلفي ومضيت. عينا أختي كانتا آخر ما رأيته وقتها. كأنها تقول لي إلى أين أنت ذاهب؟

صعدت السلالم مسرعاً. في الحروب يتملكك شعور بالاختناق. كأنك في سجن. هرعت إلى قرية أخرى اعتقدت أنها أقل خطراً. لكني طوال الطريق، كنت أظن أن الموت لا يزال يتربّصني. نقلت يدي لتطأ مفاصل جسدي ومحرّك سيارة الأجرة المُتهالكة لا يكفّ عن الهدير حتى صمّ أذنيّ. تلمّست مفاصل جسدي وقلت في نفسي، إني لن أحتمل أن يتمزق جسدي الآن بصاروخ ويتناثر أشلاء. عزّيت نفسي. قلت إن الأمر أشبه بألم بسيط لن ألبث أن أتفرّق معه إلى نتف لن تختزن الوجع.

لكن، بالنسبة لي، أنا ابن العشرين حينها، كان الوجع في أماكن أخرى ...

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
علي السقا

كاتب وروائي لبناني. محرر الصفحة الثقافية في موقع الميادين ومعدّ ومقدّم فقرة "حكاية أديب"