انتخابات لبنان البلدية: أشرف ريفي.. نعم أستطيع

بدأ أشرف ريفي اليوم مرحلة جديدة باتجاه تحقيق هدف ربما بدأ العمل عليه منذ كان تحت عباءة تيار المستقبل. خلال تلك الفترة أسس جمعية "معاَ نستطيع". استطاع ريفي بالأمس خرق تحالف سياسي كبير بين رئيسي حكومة سابقين. فهل يستطيع تحقيق ما هو أبعد من ذلك؟ مؤيدو ريفي بدأوا منذ الأمس ينادونه "دولة الرئيس".

استطاع ريفي أن يفوز على تحالف الأحزاب السياسية الرئيسية في طرابلس
باب الرمل، أحد الأحياء الشعبية لمدينة طرابلس شمال لبنان. يقع هذا الحي بين أسواق المدينة القديمة وجامع طينال التاريخي. كانت هذه المنطقة لسنوات خلت ممراً للسياح باتجاه معالم المدينة، وفي بعض الأحيان محطة استراحة. اعتاد أطفال الحي الصغار أن يسترقوا النظر إلى وجوه السياح البيضاء وملامحهم الغربية من وراء قضبان شرفات المنازل، وهم يرتشفون القهوة في مقهى موسى الشهير.  
آنذاك كان الحي يفتقر للكثير من مقومات الحياة. بيوت متداعية ينبت الحديد من بين تشققات جدرانها. باعة متجولون.. ومتسولون. فتية يتوجهون صبيحة كل يوم إلى ورش تصليح السيارات بدلاً من أن يستقلوها للذهاب إلى مدارسهم.
باب الرمل يختصر أحياء كثيرة في ما يعرف بـ"عاصمة لبنان الثانية". أحياء تغرق بالوعود أكثر مما تغرق شوارعها بمياه الصرف الصحي. أحياء لم تستطع الريشة التي لوّنت جدران أبنيتها قبل سنوات أن تخفي معاناة سكانها الذين لعبوا الدور الأساسي في ما اعتبر "مفاجأة طرابلس" في آخر محطات الانتخابات البلدية والاختيارية التي شهدتها محافظة لبنان الشمالي.

لائحتان تنافستا على مجلس بلدي من 24 عضواً. لائحة ضمت تحالف رئيس الوزراء الأسبق نجيب ميقاتي وتيار المستقبل والوزيرين السابقين فيصل كرامي ومحمد الصفدي. في مقابل لائحة دعمها وزير العدل السابق أشرف ريفي في تكريس للخلاف بينه وبين رئيس الوزراء السابق سعد الحريري. اتجهت كل الأنظار إلى طرابلس، المدينة السنية الثانية بعد بيروت، فأتت النتائج مخالفة لكل التوقعات ولليقين الذي ساد إلى ما قبل ساعات من إغلاق صناديق الاقتراع بفوز لائحة الأحزاب السياسية.
انتخب الطرابلسيون بنسبة 20%. هي النسبة نفسها التي شهدتها بيروت في الأسبوع الأول من الانتخابات البلدية. آنذاك شكك البعض في الحديث عن تراجع شعبية تيار المستقبل ربطاً بنسبة الإقبال الخفيفة لا سيما وأن اللائحة المدعومة من الحريري فازت كاملة. نتائج طرابلس اليوم وضعت التيار السياسي الذي لطالما شكلت هذه المدينة ما يعرف بخزانه البشري في الاستحقاقات المختلفة انتخابية كانت أم سياسية أم حتى أمنية، أمام تحد كبير يقضي بقراءة النتائج جيداً بل ربما "إعادة النظر بأدائه" والدعوة لوزير الداخلية المحسوب على تيار المستقبل نهاد المشنوق إلى القوى السياسية في المدينة. 

الأسباب والدلالات

شكلت نتائج الانتخابات في طرابلس مفاجأة غير متوقعة
يقول مصدر شمالي مطلع "إن نتائج الانتخابات لا تعكس حجم القاعدة الشعبية لريفي، الذي نظم مهرجاناً انتخابياً قبيل الاستحقاق لم يحضره أكثر من 500 شخص، بل هي ناجمة عن أخطاء منافسيه خلال صوغهم لتحالفهم الانتخابي". ينطلق في خلاصته من المعطيات التالية: 

ـ التحالف لم يأخذ بعين الاعتبار المناطق المحرومة والأحياء الشعبية الأكثر حاجة للإنماء مثل باب التبانة والقبة وباب الرمل فاقتصر تمثيلها في اللائحة على مرشح واحد.

ـ في عملية اختيار ممثلي الأقليتين العلوية والمسيحية في اللائحة الخاسرة وقع الاختيار على مرشح علوي محسوب على تيار المستقبل من خارج المدينة، فيما لا يمتلك المرشح المسيحي الحيثية الشعبية الكبيرة في أوساط الناخبين المسيحيين. علماً أن عدد الناخبين العلويين في القضاء يبلغ 14 ألفاً فيما يصل عدد المسيحيين إلى 11 ألفاً. 
ـ يضاف إلى ذلك التراجع عن وعود بدفع مبالغ مالية لقاء التصويت للائحة ما دفع المواطنين الموعودين إلى الرد تصويتاً للائحة المنافسة. 
ماذا فعل ريفي في المقابل؟ يقول المصدر نفسه إن وزير العدل الأسبق انصب تركيزه على الأحياء الفقيرة، وبمعزل عن حجم الوعود التي كان يعطيها إلا أنه نفذها، شدّ العصب المذهبي لدرجة خلو لائحته من مرشحين علويين ومسيحيين، حتى إن البعض يتحدث عن دفعه مبالغ مالية لقاء الأصوات التي صبت لصالح هذه اللائحة.        

وإذا كانت هذه هي الأسباب الفعلية لفوز ريفي الذي أهداه لروح رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري و"شهداء ثورة الأرز"، فكيف تقرأ نتائج الانتخابات؟
يتحدث سركيس أبو زيد الكاتب والمحلل السياسي ابن شمال لبنان عن ست دلالات للمشهد الانتخابي في طرابلس.

أولاً: وجود حالة نقمة واعتراض على القوى السياسية. 
ثانياً: تراجع حضور تيار المستقبل على مستوى لبنان ككل نتيجة عدم إيفائه بالوعود التي أعطاها منذ 2005 فضلاً عن مواقفه السياسية المربكة. 
ثالثاً: حالة من الرفض لصيغة الائتلاف والمحاصصة.
رابعاً: تكريس حالة التشدد التي يمثلها أشرف ريفي بما يشي بأنها ليست هامشية. 
خامساً: وجود أكثرية صامتة من الكفاءات والقوى الحية الرافضة للواقع السياسي في المدينة.
سادساً: غياب المجتمع المدني وعدم توحده حول برنامج واحد.  

من سيواجه ريفي؟

لميقاتي قاعدة شعبية كبيرة في مدينته
إذا كانت انتخابات طرابلس البلدية أظهرت تراجعاً لتيار المستقبل فماذا عن الأقطاب السياسية الأخرى المتحالفة معه؟ يؤكد المصدر الشمالي أن رئيس الوزراء الاسبق نجيب ميقاتي لا يزال يحظى بالقاعدة الشعبية الأكبر في المدينة. ينقل عن مقربين من الأخير حالة استياء لدى في أوساط ماكينته الانتخابية من التحالف مع الحريري. وفق هؤلاء فإن خسارة ميقاتي ناجمة عن هذا التحالف والدليل فوز اللوائح المدعومة منه في البلدات التي لم تشهد تحالفاً بين الرجلين. وبناء عليه يتوقع المصدر أن يتصدى ميقاتي لمواجهة ريفي إنمائياً وسياسياً. 

بالنسبة لسركيس أبو زيد قراءة نتائج الانتخابات يجب أن تنسحب على كل اللاعبين السياسيين في هذه المدينة، بما في ذلك ريفي نفسه الذي عليه أن يقرر ما يريد "إما الذهاب إلى المزيد من التصادم مع المحيط المتنوع للمدينة أو استثمار انتصاره للحفاظ على وحدتها" وبالتالي فإن طرابلس اليوم أمام خيارين "إما أن تكون عاصمة للشمال بما يعني ذلك من علاقات تفاعل وتواصل مع محيطها أو أن تكون منعزلة عنه".

ما بعد الانتخابات.. دعم سعودي مستمر وعين على رئاسة الحكومة

وفق مصدر مطلع الرياض تواصل دعمها لريفي
تنقل أشرف ريفي في أكثر من منصب سياسي من مدير عام للأمن الداخلي إلى وزير للداخلية ثم وزارة العدل التي استقال منها إثر خلافه مع تيار المستقبل. خلال هذه الفترة عمل ريفي على توظيف الآلاف من أبناء باب التبانة والمناطق السنية الفقيرة ضمن السلك الأمني. بخروجه من عباءة تيار المستقبل لم تتوقف خدماته وإن اتخذت طابعاً إنمائياً أكثر. يقول المصدر الشمالي "إن المعطيات تشير إلى حصوله على دعم سعودي لم ينقطع يوماً" لافتاً في هذا السياق إلى مبالغ طائلة أمكن رصدها من خلال المكاتب الانتخابية التابعة له التي توزعت حتى داخل الأحياء الصغيرة فضلاً عن المواكب السيارة وتكاليف الحملة الانتخابية للائحة التي دعمها.
إذا كان كلام المصدر دقيقاً كيف للرياض التي قيل إنها عملت على توحيد الصف السني في طرابلس ضمن اللائحة التوافقية أن تدعم ريفي الذي بات يمكن وضعه في خانة "الخصم السياسي" لحليفها التاريخي سعد الحريري؟ يجيب أبو زيد بأن العلاقة بين السعودية والأقطاب السنية في لبنان عموماً وليس فقط في طرابلس هي علاقة "جدلية". يقول "إن للسعودية علاقات مع اتجاهات متناقضة، متطرفة وأقل تطرفاً، لكنها قادرة من خلال نفوذها المالي والسياسي على ضبط هذه التناقضات" خصوصاً في ظل عدم وضوح المشهد في المنطقة، وبالتالي فإن السعودية قد تزيد دعمها لريفي بمعزل عن علاقتها بالحريري طالما أنه "يعمل تحت سقفها ووفق مصالحها" على حد تعبيره.
بانتهاء الانتخابات البلدية في طرابلس تطوى صفحة الانتخابات البلدية في لبنان وتفتح صفحة الانتخابات النيابية أقله لجهة الدعوات إلى ضرورة حصولها في موعدها بعد ما وصف بـ"سقوط ذريعة التمديد" للبرلمان. يستبعد المصدر الشمالي حصول هذه الانتخابات قبل لملمة ذيول الانتخابات البلدية. 
في المقابل فإن ريفي بدأ اليوم مرحلة جديدة باتجاه تحقيق هدف ربما بدأ العمل عليه منذ كان تحت عباءة تيار المستقبل. خلال تلك الفترة أسس جمعية "معاَ نستطيع". استطاع ريفي بالأمس خرق تحالف سياسي كبير بين رئيسي حكومة سابقين. فهل يستطيع تحقيق ما هو أبعد من ذلك؟ مؤيدو ريفي بدأوا منذ الأمس ينادونه "دولة الرئيس".