بعد ست سنوات.. اللبناني يقترع من جديد

تعيش بيروت صمتاً انتخابياً يخرقه بين الحين والآخر صوت الرعد في يوم بدأ ماطراً. من النادر أن تمطر في لبنان في مثل هذه الأيام من شهر أيار/ مايو. إنه الاستثناء إذاً، كحال كل شيء في هذا البلد، الصغير بحجمه الكبير بأزماته بدءاً من طرق غير معبدة أمام السيارات إلى طرق غير معبدة أمام رئيس للجمهورية يملأ الفراغ الذي يتم عامه الثاني بعد أيام قليلة من هذا الشهر. وعلى الطرق غير المعبدة نفايات لا تزال رائحتها تعم المدينة.

المشهد الذي يبدو استثنائياً مقارنة بالبلدان الأخرى بما فيها تلك المجاورة للبنان، ربما لم يعد كذلك بالنسبة لمواطنيه.
المشهد الذي يبدو استثنائياً مقارنة بالبلدان الأخرى بما فيها تلك المجاورة للبنان، ربما لم يعد كذلك بالنسبة لمواطنيه، حتى إن كثيرين قد يكونون تآلفوا معه إدراكاً بعجزهم عن التغيير بما يشبه الاستسلام للأمر الواقع، وإن شهد البلد في الأشهر الماضية حراكاً غير مسبوق لتيارات المجتمع المدني من خلال تظاهرات حملت شعارات "طلعت ريحتكم" و"بدنا نحاسب". ولكن محاسبة من؟ صيف 2013 كان الموعد المفترض لإجراء انتخابات برلمانية في لبنان. لم تجر الانتخابات وظلت الأسباب عالقة عند الخلافات القائمة بين المكونات السياسية حول قانون الانتخاب والوضع الأمني. فكانت النتيجة أن تم التمديد للبرلمان. بيد أن الأسباب الموجبة لتأجيل الاستحقاق النيابي لم تكن على ما يبدو مؤثرة في موعد استحقاق انتخابي آخر هو الانتخابات المحلية المتعارف عليها بالانتخابات البلدية والاختيارية والتي تنطلق يوم الأحد من العاصمة بيروت، لتكون أول انتخابات تجري في هذا البلد منذ أيار/ مايو 2010 تاريخ آخر انتخابات بلدية.

يجمع الخبيران الانتخابيان عبدو سعد وربيع الهبر على أن إحدى أهم دلالات هذه الانتخابات تكمن في أصل إجرائها الذي أصرت عليه الحكومة       بل إنها نفت الحديث عن أي معوقات تحول دون ذلك.


يقولان "إن إجراء الانتخابات البلدية أسقط الذرائع التي جرى على أساسها التمديد لمجلس النواب بما يستدعي إجراء انتخابات نيابية فوراً".

لكن حسابات الرجلين القائمة على المعادلات الرياضية التي لا جدال حولها وهما اللذان اعتادا القيام باستطلاعاتهما قبيل كل استحقاق، لا تعبر بالضرورة عن الأطراف السياسية التي تبقى لكل منها حسابات خاصة لدى مناقشة أي قانون انتخابي.

وفق عبدو سعد فإن الخلل البنيوي في الاستحقاقين البلدي والنيابي مرتبط بقانون الانتخاب الذي يجب أن يكون قائماً على النسبية.

تداخل السياسي بالعائلي

يتألف لبنان من 25 قضاء يتوزع عليهم 957 مجلساً بلدياً بالإضافة إلى مئات المخاتير في الأحياء والقرى الصغيرة التي تفتقر للكثافة السكانية. وغالباً ما تشهد هذه الانتخابات إقبالاً كثيفاً على الترشح، إقبال يغلب عليه الطابع العائلي المناطقي أكثر منه السياسي، حتى إن حضور الأحزاب يكون من خلال مرشحي العائلات المعروفة في المنطقة. يقول مدير مركز بيروت للأبحاث والمعلومات عبدو سعد "إن مشاركة العائلات تبقى أقل سوءاً من الأحزاب السياسية" والسبب أننا "لسنا دولة ديمقراطية". وهو ما يرد عليه بعض الأحزاب بالقول إنها جزء من هذا المجتمع المدني وإن مشاركتها في هذه الانتخابات خطوة طبيعية في سياق التصدي لمسؤولية الإدارات الرسمية. لكن للبعد العائلي محاذير أخرى مرتبطة بالإشكالات التي تنشأ بين العائلات نتيجة التنافس على المقاعد البلدية وخصوصاً على مقعد رئيس المجلس البلدي. يلخص سعد المشهد الانتخابي على الشكل التالي: في المدن الكبرى معارك سياسية مثل بيروت وزحلة وجونية وصيدا وبعلبك وطرابلس. أما في المناطق الأخرى فأقل أهمية خصوصاً أن لا تغيرات في التحالفات القائمة وأن النتائج شبه واضحة لا سيما في الجنوب على سبيل المثال حيث يسيطر تحالف حزب الله وحركة أمل أو ما يعرف بـ"الثنائية الشيعية".

خصوصية العاصمة

لطالما تمخضت نتائج الانتخابات في بيروت عن أوراق اقتراع وضعت "زي ما هي" في الصناديق.
تنطلق الانتخابات البلدية في بيروت والبقاع الأحد لتتواصل على مدى شهر وبشكل أسبوعي في المحافظات الأخرى، لكن العين تبقى على العاصمة لما لمعركتها من دلالة وخصوصية مرتبطة بحيثية رئيس الحكومة السابق سعد الحريري وتياره السياسي الذي يتمتع بثقل في المدينة.

لطالما تمخضت نتائج الانتخابات في بيروت عن أوراق اقتراع وضعت "زي ما هي" في الصناديق، وهو الشعار الذي أطلقه الحريري منذ انتخابات برلمان 2009 الذي حازت قوى الرابع عشر من آذار أكثرية مقاعده ثم في انتخابات 2010 البلدية.  هذا الشعار يترافق اليوم مع الدعوات للتصويت للائحة "البيارتة  البلدية المدعومة من تيار المستقبل. فهل ستكون النتيجة نفسها؟ يجيب عبدو سعد بأن آخر استطلاع أجراه على مستوى لبنان أظهر تراجعاً ملحوظاً لتيار المستقبل على مستوى لبنان كله ومن ضمنه العاصمة بيروت بل إنه يكشف عن اتصالات تلقاها من القيمين على لائحة المستقبل لمعرفة إمكانية حصول اختراق ما. لا ينفي مدير عام شركة "ستاتيستيكس ليبانون" ربيع الهبر بدوره تراجع تيار المستقبل لكنه يضع الأمر في سياق تراجع عام للأحزاب كلها في لبنان نتيجة الوضع المتأزم.
ولكن من أين يتأتى قلق "المستقبل" في بيروت؟ في مقابل لائحة "البيارتة" المدعومة منه لائحتان إحداهما يتصدرها الوزير السابق شربل نحاس الذي يسجل له مؤيدوه استقالته من حكومة الرئيس نجيب ميقاتي عام 2012 في خطوة لم يعتدها اللبنانيون كثيراً. أما اللائحة الأخرى "بيروت مدينتي" فمؤلفة من وجوه إعلامية وثقافية وفنية معروفة في العاصمة. يقول عبدو سعد إن ما ساعد هذه اللائحة هو تبني الإعلام لها. فهل ستحقق فرصة تاريخية في 8 أيار كما قالت؟ يستبعد سعد اختراقها لائحة المستقبل وبالتالي فإن المؤشر في بيروت سيكون نسبة المشاركة التي توقع ألا تتعدى 20% ونسبة الأصوات لكل لائحة.

بروفا للانتخابات البرلمانية

يذهب البعض إلى حد اعتبار الانتخابات البلدية بمثابة صورة مصغرة عن الانتخابات البرلمانية وبالتالي فإن نتائجها تشكل مؤشراً على الأحجام السياسية، عبدو سعد من أصحاب هذا الرأي خصوصاً في المدن الكبرى، لكن بالنسبة للهبر ناشر موقع "ليبانون فايلز" فإنها ليست كذلك نتيجة تداخل البعد السياسي بالبعد العائلي. وبعيداً عن هذا الرأي وذاك يرى أحد المراقبين أو بالأحرى يأمل أن ما سيحدد نتائج الانتخابات أمراً واحداً قد تكون غفلت عنه السلطة حين أصرت على إجراء الاستحقاق البلدي في موعده، وهو "النفايات" التي لم تبارح رائحتها أنوف اللبنانيين بعد.