المقابر "المحرّمة" على السوريين في لبنان

حتى في القبور، تكاد لا تعرَف أسماؤهم، وحده التراب يحنو على أجسادهم، ويدفن أحلامهم في العودة إلى وطنٍ ما يزال ينزف دماً. هو حال النازحين السوريين الذين شاء القدر أن يكون لقاؤهم بالموت في لبنان لأسباب لا حصر لها. فالفقر وانعدام أدنى مقومات الحياة، هو السببُ الرئيسُ لارتفاع نسبة الوفيات، لتأتي بعدها رحلة البحث عن "الكنز" وأيُّ كنز؟ إنه "القبر".

إحدى مقابر العاصمة اللبنانية
تحت جنح الظلام تتوجه أم يوسف إلى حيث يرقد طفلها الذي فقدته قبل أربعة أشهر، يوسف كاد أن يطفئ شمعته الأولى، إلا أن المرضَ كان أسرعَ من ذلك، فأطفأ شمعةَ طفولته البريئة، وأطفأ معها ابتسامة أبويه.

بحرقة قلب وصوت متقطع تنادي الأم ابنها، رافضةً حُكم الواقع، ففي خاطرها أنه ما زال في سريره يلهو بألعابه، تمسحُ التراب عن قبره، وتنثر بعضاً منه على وجهها، علَّها تشم فيه رائحة يوسف، فتهدأُ روحها.

والد الطفل بسام محمد الذي نزح مع عائلته وآخرين إلى منطقة حي السلم  في الضاحية الجنوبية لبيروت يروي للميادين نت المعاناة والأيام الصعبة التي عاشوها. ففي عمر الستة أشهر أصيب يوسف بالتهابات رئوية حادة أجبرتهم على إدخاله المستشفى. يقول محمد إن "الذل الذي  تعرض له أمام الطوارئ هو الموت بعينِهِ، فالمشافي ترفض استقبال النازح السوري إذا لم يكن مسجلاً في المفوضية العليا للاجئين". بتنهيدة تقطُرُ حسرة، يرفع محمد رأسه ويقول "هربت من مدينتي حلب بحثاً عن الأمان والطمأنينة إلا أنني لم أجد منهما شيئاً، ستة أشهر قضيناها في مستشفيات لبنان، انتهت بوفاة طفلي".

يكمل محمد حديثه، والدمعة تكاد تخنقه "مات يوسف فكسر قلوبنا، في العادة يتمنى الأهل أن يحضنوا طفلهم لفترة أطول، إلا أنا، فقد كان همّي أن أجد قبراً يضم جسده الصغير ويرتاح من هذه الدنيا". مهمة كادت تكون مستحيلة لولا "همة ونخوة أهالي الحي الذين أخذوا على عاتقهم تكاليف إيجاد القبر والعزاء التي وصلت إلى أكثر من مليون ليرة خصوصاً أن الوالد لا يملك منها شيئاً" وفق ما يقول أبو كريم، جار محمد اللبناني.

الموت الرخيص

إلى منطقة بعجور على تخوم مخيم برج البراجنة توجهنا. هنا أيضا تتشابه قصص الموت، بعيداً عن الوطن والأهل، فجثمان النازح السوري من حمص مروان سباعي (60 عاماً) بقي  في المشفى لمدة يومين بعد تعرضه لجلطة دماغية أودت بحياته. يتحدث أبوعبدالله وهو الشخص الذي اختاره أبناء سباعي لدفن والدهم في لبنان، أن جيران المتوفى في المنطقة الواقعة في الضاحية الجنوبية  وجدوا صعوبةً في التعرف إلى أحد من أقربائه. فمروان كان يعيش وحيداً في لبنان فيما تقطن عائلته في السعودية.

يتحدث أبوعبدالله للميادين نت عن الصعوبة التي واجهها خلال البحث عن مكان يدفن فيه الجثمان. يقول "من المستحيل إيجاد قبر للنازح السوري في بيروت خصوصاً أن المدينة تشهد ازدحاماً خانقاً" معتبراً أنه "لولا المصادفة وتحنن بعض الأطراف الفلسطينية في مخيم برج البراجنة لكانت جثة مروان مرمية، فبعد إجراء اتصالات وتسهيلات ودفع مبلغ مالي كبير يتجاوز الألف دولار من قبل إدارة المصنع حيث كان يعمل فيه مروان، دفنت الجثة في مقبرة بئر حسن". وهنا كانت المفاجأة،   حيث وجد أبوعبدالله أن "عمر القبر لا يتجاوز الثلاث سنوات وهي المدة المحددة لفتح القبر مرة أخرى ودفن جثمان جديد". يستذكر أبو عبدالله سوريا فيقول "الإنسان في لبنان رخيص حتى إن قبره يعتبر أغلى منه، أما في سوريا فللموت قدسية كبيرة. حتى في أكبر مدننا ورغم ازدحامها لم نتعرض لمثل ما نتعرض له اليوم في لبنان".

هذا غيض من فيض هذه الأزمة ومن فصولها ما يتعرض له النازح حين يكون مقيماً في منطقة لا ينتمي إليها دينياً، وهو ما يستدعي في حال وفاة النازح التواصل مع الجهات الدينية التي ينتمي إليها لإتمام مراسم الدفن. الأمر الذي يستغربه النازح السوري ويستهجنه "ففي سوريا لا مكان للتقسيمات".

هل من قبور جديدة!

تكلف مراسم الدفن والقبر النازح السوري ما لا طاقة له على تحمل أعبائه
صيدا ليست أشفى حالاً من بيروت فالمدينة شاهدة على حجم المرارة التي يعيشها النازح. مع تدفق النازحين السوريين إلى لبنان، سمح مفتي المدينة الشيخ سليم سوسان للنازحين من مختلف المناطق في لبنان أن يدفنوا موتاهم في مقبرة صيدا، واستُحدثت مساحات إضافية في المقبرة خاصة بالسوريين، لكنها سرعان ما امتلأت نظراً لاستمرار الأزمة السورية ومعها أزمة اللجوء فضلاً عن تكلفة الدفن الباهظة في بيروت. هذا الأمر دفع بالمفتي سوسان إلى منع دفن أي سوري من خارج صيدا في المقبرة، كما يؤكد مسؤول ملف النازحين السوريين في بلدية صيدا كامل كزبر.

يعتبر كزبر "أن هذه الإجراءات لم تجد نفعاً ما جعل النازحين يدفنون موتاهم في مخيم عين الحلوة أو في منطقة سبلين في إقليم الخروب" كاشفاً عن "أنه يجري الحديث عن شراء أرض في تلك المنطقة لتكون مدفنا للنازحين السوريين".

أما تكلفة مراسم الدفن فبحسب المسؤول الصيداوي فتبلغ أقل من 700 دولار بعد أن قررت بلدية صيدا ودائرة الاوقاف تخفيض الرسوم، مشيراً إلى أن بعض "العائلات فضلت العودة إلى سوريا لدفن ذويها متحملة المخاطر".

جثث على الطرقات.. أين الحل؟

بدورها تضم مدينة طرابلس في شمال لبنان 12 مقبرة، لم تعد قادرة البتة على استقبال الجثامين خصوصاً في منطقة مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين. يوضح مسؤول إعلام حركة فتح مصطفى أبو حرب لموقع الميادين أن المقبرة الوحيدة في المخيم الذي لا تتعدى مساحته الكيلومتر مربع الواحد لم تعد تتسع بسبب الضغط السكاني الذي يمثله حوالى 40 ألف لاجئ فلسطيني أضيف اليهم ما يقارب 15 ألف نازح سوري وفلسطيني يعيشون ظروفاً اجتماعية صعبة".

من جهته يؤكد رئيس القسم الديني في  دائرة الاوقاف الإسلامية الشيخ فراس بلوط  في طرابلس "أن الأوقاف تتلقى اتصالات يومية من كل المناطق اللبنانية سواء من جبل لبنان وبيروت والبقاع وصيدا والجنوب وغالبية المناطق من أجل أن يدفنوا موتاهم في شمال لبنان". يضيف الشيخ بلوط "أن دائرة الاوقاف في طرابلس خصصت لهم مدافن في مقبرة الغرباء التي يعود عمرها إلى عشرات السنين والواقعة على مقربة منطقة باب التبانة". وحول قيمة المبالغ المالية المتوجبة على أهالي المتوفى يجيب بلوط "أن الدائرة لا تتقاضى بدلات ثمن الأرض كونها تابعة للأوقاف الاسلامية التي تؤمن لهم المكان، بل إنها تطلب من مؤسسات إكرام الموتى التابعة أيضاً لدار الفتوى تيسير أمور المواطنين السوريين". ولفت بلوط إلى أن المبالغ التي يدفعها السوريون زهيدة جداً لا تتعدى 100 ألف ليرة لبنانية مخصصة لحفاري القبور.

خلدون الشعار هو أحد هؤلاء الذين يعملون في تغسيل ودفن الموتى. ينفض التراب عن ثيابه ويقول "إن إكرام الميت دفنه والجمعيات والمؤسسات التي تعنى بإكرام الميت تقوم بواجباتها أمام حرمة الموت أما نحن فنقوم بغسل الموتى بمبلغ لا يتجاوز 50 دولاراً" مضيفاً "في النهاية هذا مورد رزقي".  

في مقابل ذلك تعمل بعض الجمعيات الخيرية على تجهيز قبور للسوريين دون مقابل في مدافن البداوي والغرباء التي تجاوزت أعداد الوفيات قدرتها الاستيعابية ما يتطلب إيجاد حلول عبر تدخّل الجمعيات والمعنيين لتنظيم الأمر خصوصاً أن هناك جثامين تصل الى برادات مستشفيات طرابلس مجهولة الهوية يجري دفنها داخل ما يطلق عليه "تخشيبات" داخل المقابر حيث تحمل كل جثة تدفن هناك رقماً.

من بين الوفيات عدد كبير من الأطفال وفق ما يشرح عدد من الأطباء والعاملين في المجال الطبي. يعبر هؤلاء عن أسفهم لكون بعض جثامين هؤلاء وجدت مرمية أمام مستوعبات النفايات لأسباب كثيرة ومنها "عدم قدرة العائلة على شراء أرض أو دفع مستحقات لجمعيات إكرام الموتى فيجد الأهل أمام مستوعبات النفايات سبيلهم الوحيد للتخلص من عبء المستحقات المالية التي قد تصل في بعض الأحيان إلى ألف دولار وتشمل شراء أرض وكفن وتغسيل الجثمان".

إزاء هذا الواقع المضني، عملت بعض الجهات على تقديم اقتراحات لاستحداث مقابر في منطقة البقاع في سبيل مساعدة النازح الهارب من الموت، إلا أن الاقتراح لم ينفذ.

حتى في القبور لا نتساوى!

قبور بلا هوية في ما يعرف بمقابر الغرباء

وبعيداً عن صعوبات رحلة البحث عن ثرى يوارى فيه النازح السوري، يبدو أن العنصرية ستظل تلاحقه حتى إلى قبره. دخلنا إحدى المقابر عند أطراف العاصمة بيروت. القبور في صف منتظم، أسماء وتواريخ وورود جميلة تحيط بها، هي علامة على اشتياق من فارق الحياة تاركاً وراءه بحراً من الذكريات. سألنا الحارس عن إمكانية دفن النازحين السوريين فرد بالعبارة التالية "اه هي هونيك"، يدفن فيها كل من هو غير لبناني أو من ليس لديه أحد لذلك تسمى المقبرة المشاع. توجهنا إلى ذلك الجانب الصغير من المقبرة الكبيرة. هنا لا مكان "للرخام الأبيض"، هنا يدفن النازح السوري من دون أن ينقش الاسم بل يكتفون بوضع التراب على جسده ويتم تحديد القبر ببضعة أحجار، وبعد ثلاث سنوات يحق فتح القبر ودفن شخص آخر.

في الموت يتفننون أيضاً، تكلفته في لبنان لا تقل عن ألفي دولار على الفقير تأمينها لإحياء هذه المناسبة الأليمة. أما الاغنياء فأمامهم كل الاحتمالات حيث قد يصل سعر القبر إلى 15 ألف دولار أو ما يزيد. ليس الرقم تخميناً. إنها الحقيقة التي أسر لنا بها أحد العاملين في مؤسسة خيرية. مؤسسات تنتشر على مساحة لبنان تتهم كل مؤسسة الأخرى بأنها الأكثر ظلماً أما الضحية فهو ذاك المكلوم بمصيبة فقد أحد أحبته. هو حال اللبناني فكيف بالنازح السوري الذي يبقى عالقاً بين خيارات أحلاها مر.

أي دور للجهات الرسمية في لبنان وسوريا؟

يبدو أن الجهات الرسمية سواء السورية أو اللبنانية أو الدولية، تنأى بنفسها عن هذا الملف. فأزمة إيجاد القبر في لبنان هي مهمة تقع على عاتق أهل المتوفى دون مساعدة أحد اللهم إلا إذا وجد أهل الخير وهذا ما يحصل على الأرض. إلا أن السفارة السورية في بيروت تؤكد للميادين نت أنه في حال قرر أهل المتوفى نقل الجثمان إلى سوريا فإن السفارة تطلب من العائلة تقريراً من المستشفى حيث توفي، بالإضافة الى أوراقه الثبوتية التي من المفترض أن تكون موجودة لدى مفوضية اللاجئين لكونها تسجل بيانات كل سوري دخل إلى البلد".
يشير السكرتير الأول في السفارة السورية فراس الشنتا" إلى أنه "في حال عدم توفر الأوراق الثبوتية بسبب التهجير القسري الذي عاناه النازح، فإن السفارة تأخذ الموضوع بعين الاعتبار وتعمل على تسهيل عملية نقل الجثمان من لبنان إلى سوريا" في حين يتكفل الصليب الأحمر الدولي بعملية نقل الجثمان. ويؤكد الشنتا أن السفارة السورية تقدم المساعدات في حال لم تتوافر الإمكانات لدى ذوي المتوفى. أما المفوضية العليا للاجئين فمهامها تقتصر على المساعدة في موضوع الاستشفاء فقط. وتوضح المفوضية على لسان الناطقة باسمها ليزا أبو خالد أنها "ليست معنية بموضوع الدفن، ويقتصر تدخلها على التنسيق مع المستشفيات لخفض التكاليف من أجل تسليم الجثامين في حال كان الشخص المتوفى مسجلاً لديها".