"الأرستقراطية" التي تحولت رمزاً للفلاحين والعمال

مع خروج العمال في أميركا واستراليا وكندا في تظاهرات للمطالبة بتخفيض ساعات العمل إلى ثماني ساعات مكرسين الأول من أيار يوماً عالمياً للعمال، خرجت زنبقة الوادي من القصور الملكية إلى الشارع. وتحول التقليد الملكي إلى تقليد شعبي يمارسه العمال والفلاحون وفئات المجتمع الفرنسي كافة.

تحضر زنبقة الوادي في التظاهرات النقابية والعمالية في فرنسا
من يقيض له التواجد في فرنسا يوم الأول من أيار/ مايو سيصادف أينما ذهب زهرة بيضاء جميلة بأزرار صغيرة تنتشر في الطرقات وعلى العربات، يبيعها البعض ويقدمها البعض الآخر هدية للمارة.
يسمونها "زنبقة الوادي". صارت جزءاً منذ زمن طويل من عيد العمال، في فرنسا على وجه الخصوص، بل هي صارت رمزاً له لدرجة لا يحتاج من يريد بيعها في هذا اليوم لأي ترخيص، بخلاف التظاهرات ضد تعديل قانون العمل التي تشهدها البلاد حالياً والتي تعرضت لقمع الشرطة.
لكن يبدو أن هذه الزهرة أصابها ما أصاب كثيرين من مواطني هذا البلد وبلدان أخرى وخصوصاً العالم الثالث حيث تتناقص بل تنتقص حقوق العمال تدريجياً مع ازدياد نسبة الفقر وتفاقم المشاكل الاقتصادية والاجتماعية.
هذه الزهرة التي تعود جذورها إلى آسيا، تباع اليوم بأثمان زهيدة معدلها 1.5 يورو لكنها قبل 455 عاماً كانت زهرة خاصة بالطبقة الأرستقراطية.
في الأول من أيار/ مايو عام 1561 تلقى الملك شارل التاسع باقة من زنبق الوادي. سعد بها كثيراً فقرر أن يهديها بدوره في الأول من أيار من كل عام إلى كل نساء البلاط الملكي بهدف جلب البهجة والحظ السعيد. استمر هذا الفعل الملكي لقرابة ثلاثة قرون من الزمن.

لاحقاً مع خروج العمال في أميركا واستراليا وكندا في تظاهرات للمطالبة بتخفيض ساعات العمل إلى ثماني ساعات مكرسين الأول من أيار يوماً عالمياً للعمال، خرجت زنبقة الوادي من القصور الملكية إلى الشارع. وتحول التقليد الملكي إلى تقليد شعبي يمارسه العمال والفلاحون وفئات المجتمع الفرنسي كافة. منذ ذلك الحين باتت تنتشر حقول زنبق الوادي على مساحات شاسعة من الأراضي الفرنسية. 85% بالمئة منها في منطقة نانت غرباً والنسبة المتبقية في بوردو جنوب غرب البلاد. بيد أن هذا التقليد الذي لم يعد مقتصراً على فرنسا فتح أمامها فرصة تصديرها إلى الخارج.


وفق تقرير في صحيفة "لو فيغارو" فإن حجم سوق "زنبق الوادي" بلغ 23.6 مليون يورو بتراجع 11% عن عام 2014 علماً أن الرقم لا يشمل عملية البيع العامة في الشوارع والمتاحة لأي شخص أو جهة خصوصاً الجمعيات والمنظمات الخيرية لا سيما الصليب الأحمر، بما يزيد الرقم أربعة أضعاف. ويعتمد الحزب الشيوعي الفرنسي على هذه السوق كمصدر تقليدي لعائداته بقيمة 600 ألف يورو.

إلى الألفي عامل الدائمين في هذه السوق يحتاج القطاف الذي يبدأ قبل 15 يوماً من المناسبة العالمية إلى أربعة آلاف عامل يشكل المتقاعدون 10% منهم فيما الباقون هم عبارة عن طلاب وعمال موسميين جزء كبير منهم من الأجانب.

ولكن يبدو أن هذه الزهرة التي جرى الاحتفال بعيدها الـ500 عام 2013 أكثر تأثيراً بالجيل القديم إذ تشير الإحصائيات إلى أن العدد الأكبر من الذين يشترون هذه الزهرة في الأول من أيار هم فوق الخمسين عاماً يشكلون 73% في مقابل 18% ممن تتراوح أعمارهم بين 35 و49 عاماً و9% لمن هم أقل من 35. 
مساء مع انتهاء ذكرى الأول من أيار يلملم الباعة أشياءهم ويحصون غلتهم. تختفي زنبقة الوادي، تنكفئ لتعود في مثل هذا اليوم نفسه من العام المقبل. أما ما خفي من سر لهذه الزهرة فيكمن في رائحتها كما تقول عبارة في قصيدة فرنسية "petit muguet ton parfum dit ton secret".