قانون الانتخاب بين الأكثرية والنسبية

يبتسم وزير الداخلية اللبناني السابق مروان شربل حين نسأله عن القانون المختلط، يعقب قائلاً "هل سمعت يوماً عن كائن في جزئه العلوي رأس إنسان وفي جزئه السفلي جسد سمكة؟". لا يبدو مقتنعاً بهذا الطرح، مؤكداً أنه لم يضع حداً للظلم اللاحق بالكثير من المرشحين "سنبقى نرى نائباً يأتي بخمسة آلاف صوت ونائباً آخر يأتي بمئة وعشرين ألف صوت".

ويستمر السجال حول قانون الانتخابات الأفضل في لبنان
تطرح كل قوانين الإنتخاب سلبيات وإيجابيات متعددة، فتكثر الإقتراحات عند الاستحقاقات الإنتخابية. وقد أدى التطور الحضاري والسياسي في البلدان المتقدمة إلى ابتداع صيغ تمزج بين المنطق الأكثري والمنطق النسبي تارة، أو تتجه فقط إلى أحد هذين الخيارين.

في حين أنّ القانون الأكثري يبرز حلاً عمليّاً يؤدي إلى هيئة حكم متجانسة مما يسهّل عملية اتخاذ القرار، خاصة في الأمور المستعجلة، يطرح هذا القانون إشكالية الاستئثار بالحكم فضلاً عن إمكانية وصول أكثريات مزيفة من خلاله.
أما في البلدان المتنوعة دينياً وثقافياً وعرقياً، يصبح القانون النسبي مرجحاً على الأكثري، ومفتاح الحل الذي يرضي الجميع، فهو يؤمّن لكل مكوّن تمثيلاً مناسباً يمكّنه من العمل على أهدافه والتعبير عن آرائه وقناعاته داخل مؤسسات الدولة المختلفة.

في حديث مع الميادين نت، يشير وزير الداخلية اللبناني السابق مروان شربل إلى "أنّ الفارق كبير بين القانون الأكثري والقانون النسبي، ففي الأكثري يمكن لـ 0,1% من الأصوات أن تعطي كل المقاعد النيابية للجهة الرابحة، في حين لا تحظى الجهة الأخرى التي يمكن أن تمثل نصف الشعب تقريباً بأي تمثيل. في لبنان على سبيل المثال يمثل النواب المئة وثمانية وعشرون نصف اللبنانيين وليس كلهم".
إلا أنّ القانون الأكثري هذا بحسب شربل له حسنات، كعملية الاحتساب السهلة التي تتم خلاله لإصدار النتائج، كما أنّ المواطن ينتخب بسرعة أكبر ويمكن أن يختار من يشاء (يختار نائباً واحداً أو نصف اللائحة أو كلها، وهو أمر لا تسمح به قوانين أخرى).

لكل فريق حساباته الانتخابية

عضو كتلة تيار المستقبل النائب أحمد فتفت يرى أنّ "اقتراح النسبية الكاملة في لبنان هو أمر غير عادل"، فبرأيه لا يمكن تطبيق النسبية في المناطق التي يقول إنها "خاضعة لسلاح حزب الله ويُمنع فيها الرأي المعارض لحزب الله وحركة أمل من المشاركة في ظروف متكافئة في الإنتخابات النيابية". من هنا يؤكد أنّه "من غير المقبول أن نلجأ للنسبية في مكان ولا يمكن تطبيقها كما يجب في مناطق أخرى".
أما النائب في تكتل التغيير والإصلاح آلان عون، فيؤكد أن النسبية هي الاقتراح الأنسب لكل الشعوب المتنوعة، ثقافياً أو دينياً أو عرقياً، منها لبنان، مضيفاً "نحن في تكتل التغيير والإصلاح لم نوافق على اقتراحات القانون المختلط، وإن كان هناك من مجال لمناقشة الأمر، يبدو أنّ من يطرحون هذه الصيغة لم يتوافقوا على كيفية تطبيقها حتى الآن. رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري اقترح بأن يتم انتخاب 64 نائباً بالقانون الأكثري و64 آخرين بالقانون النسبي. قوى 14 آذار طرحت صيغة أخرى للقانون المختلط في ما يبدو أنه اقتراح ناجم عن حسابات دقيقة بحيث تؤمّن الفوز لهذه القوى، وهذا ما يمنعنا حتى الآن من الوصول إلى توافق حول هذا الموضوع. لقد قدمنا اقتراحاً مبنياً على الدوائر الكبرى والنسبية. يهمنا أن نصل إلى قانون يؤمن صحة التمثيل المسيحي. لقد جهدنا كثيراً في الدوحة لجعل الأشرفية دائرة منفصلة عن بيروت ليتمكن المسيحيون من اختيار نوابهم هناك، بغض النظر إن كنا نحن كتيّار سنربح أو سنخسر، وفي النهاية خسرنا الأشرفية، هذا دليل أننا لم نطالب بفصلها من أجل مصلحة حزبية بل لأجل المسيحيين".

وعن القانون النسبي، يؤكد مروان شربل "أنّ كل جهة ستنال حصة من المقاعد النيابية بحسب حيثيتها التمثيلية، ويبقى هناك هامش معيّن يضع حداً أدنى لكي تفوز كل جهة بمقعد نيابي واحد على الأقل".

ويرى شربل أن عدم الاتفاق على النسبية في لبنان حتى الآن مرده إلى خوف أحد الأطراف السياسية من اختلال التوازن لصالح الطرف الآخر. فبرأيه إنّ القانون الأكثري يُبقي حزب الله وحركة أمل مسيطرين على مقاعد الشيعة وتيار المستقبل مسيطراً على مقاعد السنّة. إلا انّ القانون النسبي، سيجعل من تيار المستقبل يخسر حوالى 40% من المقاعد لصالح أطراف سنية أخرى لا تنتمي إلى خطه السياسي، وهي نسبة أكبر بكثير مما سيخسره الثنائي الشيعي في انتخابات تجري على أساس هذا القانون. أما المسيحيون، فليست لديهم مشكلة مع النسبية، لأنها تمكنهم من إيصال عدد أكبر من النواب إلى سدة البرلمان".
قد يؤدي القانون الأكثري إلى تسريع اتخاذ القرارات برأي شربل، لكن في لبنان تفقد هذه الميزة قيمتها، في ظل التعطيل المستمر الذي تعيشه البلاد ولفترات طويلة، فلا يبقى من مبرر لعدم اللجوء إلى النسبية.

وبحسب النائب فتفت، فإن عدم التوصل إلى اتفاق حول قانون إنتخابي حتى الآن يعود إلى تضارب المصالح الحاصل بين القوى السياسية، ويرى أنّ الحل لا يكون إلا بقانون مختلط يمكن أن توافق عليه القوى السياسية الأساسية في البلد.

يبتسم الوزير شربل حين نسأله عن القانون المختلط، فيعقب قائلاً "هل سمعت يوماً عن كائن في جزئه العلوي رأس إنسان وفي جزئه السفلي جسد سمكة؟". لا يبدو شربل مقتنعاً بهذا الطرح، مؤكداً أنه لم يضع حداً للظلم اللاحق بالكثير من المرشحين، "سنبقى نرى نائباً يأتي بخمسة آلاف صوت ونائباً آخر يأتي بمئة وعشرين ألف صوت". كما يؤكد "أنّ تعريف النائب بأنه "ينوب عن الأمة" لا ينطبق أبداً على الحالة اللبنانية، فالنائب اللبناني ينوب أولاً عن طائفته، ثانياً عن أبناء منطقة معينة، أما الآخرون فلا يتواصلون معه ولا يعرفونه".
أما أهم عقد قانون الانتخاب في لبنان برأي شربل فهي التمثيل المسيحي، حيث تشعر الطائفة المسيحية بأنها مغبونة في هذا الإطار. "المسيحيون اليوم يأتون بخمسة عشر نائباً إلى البرلمان لا أكثر، من أصل 64 نائباً مسيحياً. إقترحنا قانوناً يمكنهم من إيصال أربعين نائباً فلم يوافقوا".

في النهاية يبقى لكل قانون حسناته وسلبياته، لكن المصالح السياسية تفرض نفسها كالعادة، على التشريع بمستوياته المختلفة، ومنها قانون الانتخاب.