الربوة ... استراحة السوريين ومعبرهم إلى ماضيهم التليد

تحافظ منطقة الربوة على ضفاف نهر بردى على ألقها و جمالها كمقصد ترفيهي و متنفس للعائلات السورية. في احضان الطبيعة. في هذه البقعة الخلابة تلتقي العائلات في نهاية كل اسبوع لتعدّ فطورها وغداءها تحت ظلال الاشجار وخرير المياه في جو يعكس حب الحياة و التطلع إلى استمراريتها.

قاومت منطقة الربوة شمال دمشق عوامل التغيير
قاومت منطقة الربوة شمال دمشق عوامل التغيير
قاومت منطقة الربوة شمال دمشق عوامل التغيير التي طالت بعض المناطق الخضراء المحيطة بها تحت السفح الغربي لجبل قاسيون و لى ضفاف وادي بردى حيث تنتشر مطاعم على اختلافها وتنوعها، العائلات السورية تتوافد كل نهاية اسبوع إلى هذه المطاعم التي تقدم اشهى والذ الماكولات والاطباق والمشويات ؛ اطباق لها طعم آخر في أحضان الطبيعة.
هذا التقليد دأبت عليه العائلات السورية، فهناك من يفضل أن يحضر معه الطعام من البيت و يتخذ مكاناً له شرقاً أوغرباً تحت سفح جبل قاسيون الذي يشقه نهر بردى ويتفرع في منطقة تسمى الشاذوران الى سبعة فروع . يغطي سهول المنطقة ولاسيما في فصل الربيع بساط أخضر جذاب وتنتشر الغابات حيث تتسابق العائلات إلى ظلالها من أجل قضاء يوم مع في الطبيعة الخلابة ما يبعث  الفرح والسرور في النفوس. تعرفنا على الربوة في طريقنا إلى قصر الامير عبد القادر الجزائري الذي يعتلي المكان الجميل. يومها قرر هذا المحارب المتصوّف أن يبني قصراً بعيداً من حرّ دمشق القديمة لينفرد بنفسِه وعائلتِه خصوصاً في فصل الصيف؛ الهواء العليل وخضرة المكان استهويا الامير حيث كان يطيل البقاء في قصره الصيفي الذي كان عامراً بأعيان المنطقة و فقرائها ولا سيما كل يوم جمعة حيث  كانت تنظم مأدبة الغداء لتسعةٍ وثلاثمئة شخص. يخترق أودية وأشجار الربوة قطار قديم أخضر اللون جذب انتباههنا ونحن نزور المكان، توقف القطار وعرقلنا سيره بسبب كوابل البث المباشر لقناة الميادين وهي ترصد حياة الناس و استمتاعهم بجمال الربوة في نهاية الاسبوع . قطار اعيد تشغيله بعد خمس سنوات من التوقف بسبب الحرب و تصاعد العنف في البلاد . كان يسمى قطار النزهة وهو يربط منطقة الربوة بمنطقة دمر ويقل ركاباُ معظمهم من الطلاب. الكل يتنافس على المقاعد المحاذية للنوافذ كي يتمتع بجمال الطبيعة خلال الرحلة . القطار يساهم بشكل فعال في حل ازمة النقل عبر خط دمر الربوة ساحة الامويين بأسعار تشجيعية لا تتعدى خمسين ليرة سورية وتناسب جميع فئات المجتمع السوري. ارتبطت الربوة بمحبة اهل الشام و عشقهم للطبيعة و التنزه. ففي ربوعها تقوم العائلات الدمشقية بشواء اللحم و جلب البطيخ الاحمر الذي يوضع في مياه النهر للحفاظ على برودته حتى نهاية الوجبة الغذائية الدسمة . في الربوة معالم طبيعية لها حكايات تاريخية و قصص تلامس الاسطورة منها صخرة الرابضة المعروفة باسم المنشار التي أطلق عليها لاحقا صخرة الحب حيث كتب عليها احد العشاق الدمشقيين في خمسينيات القرن الماضي عبارة "اذكريني دائما" ثم رمى بنفسه من فوقها و انتحر بسبب رفض اهل حبيبته تزويجه اياها. و تروي الحكاية التي يرددها ابناء الربوة و يؤكدون انه عند علمت حبيبته بخبر انتحاره بادرت الى كتابة عبارة اخرى" لن انساك" إلى جانب العبارة الاولى و على الصخرة نفسها ثم انتحرت لحاقاً بفتى أحلامها . قديما عرفت الربوة  كاستراحة للمسافرين الى بيروت قبل مواصلة سفرهم و هي اليوم تتوسع على يمين الطريق الرئيسي و يساره ما افسح المجال أمام العائلات للقدوم الى هذه البقعة الغنّاء .و قد نشأت جمعية بالفرح لونها التي  تنظم رحلات لصالح الاطفال و العائلات بهدف كسر الجمود و شحن الهمم للعمل و بناء الوطن. جمعية نظمت نحو سبعين رحلة للعائلات و الاطفال اليتامى كي تستبدل جوّ الحزن بفسحة أمل . تعني كلمة الربوة بحسب النصوص الارامية ،الارض او الدار المسقية والبعض يفسرها بمكان الراحة و الامان. كانت ملهمة للشعراء والعلماء والرحالين  بينهم عالم الجغرافيا الملقب بشيخ الربوة الدمشقي الذي ألّف كتاباً للجغرافيا سماه" نخبة الدهر في عجائب البر والبحر"، وفيه وصف الاقاليم السبعة وفصول السنة والانهار وممالك الشرق وطبقات الارض . قبل اربعمئة سنة ضمت الربوة اربعة مساجد تاريخية ومدرسة قديمة وقصراً على رأس الجبل يدعى التخوت، حيث توجد زاوية خضر العدوي التي بناها الظاهر بيبرس. كما بنى فيها نور الدين الشهيد قصرًا للفقراء ووقف له قرية داريا جنوب دمشق . في الربوة اشهر مقاهي دمشق الصيفية منها مقهى ابو شفيق الذي كان مقصدًا للكتاب و الشعراء و مقهى العجلوني و الوادي الاخضر و الشلال و القصر و غيرها وكلها معالم تستقبل أهل الشام في أحضانها علها تنسيهم عتمة الحرب، وتبعث فيهم أمل الحياة و تعيد أمجاد الشام القديمة في هذه البقعة التي يراها البعض جنة الله فوق الارض.