روسيا وسوريا.. علاقات مستمرة تتجاوز العواصف

يثير الدعم الروسي لحليفه السوري تساؤلات كثيرة، كما يثير الإعلام والرأي العام. الكل يعلم مدى الدعم الروسي الكامل لسوريا ويعرف متانة العلاقة بينهما، ويشهد على ذلك فيتو روسي عنيد ومتكرر. هذه العلاقة القائمة بين الروس والسوريين ليست بجديدة، فهي متجذرة في التاريخ وتعود إلى ما يقارب 72 عاماً خلت. فما هو تاريخ هذه العلاقة؟ وما أهميتها بالنسبة إلى البلدين؟

مما لا شكَّ فيه أن سوريا ترى في روسيا حليفاً مهماً يساعدها في كل الأصعدة
مما لا شكَّ فيه أن سوريا ترى في روسيا حليفاً مهماً يساعدها في كل الأصعدة
في التاريخ تعود العلاقات الروسية السورية إلى عام النصف الأول من القرن الماضي، تحديدا العام 1944، حيث كان الإتحاد السوفياتي من أولى الدول التي إعترفت بإستقلال سوريا عن فرنسا وأقامت علاقات دبلوماسية معها. لكن العلاقة بين البلدين لم تتعزز بشكل إستراتيجي إلا في بعد إستلام الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد مقاليد الحكم في العام 1970، ما إنعكس إيجابيا في حرب تشرين أول/ أوكتوبر عام 1973 بين مصر وسوريا من جهة وإسرائيل من جهة ثانية، حيث كان للإتحاد السوفياتي دورا بارزا ساهم لاحقا من خلال الدعم العسكري في السياسي في تثبيت سوريا لاعبا رئيسيا في معادلة الشرق الأوسط.

خلال التسعينيات، تم توقيع عدة إتفاقيات بين روسيا وسوريا منها: إتفاقية التعاون الإقتصادي والتقني وإتفاقية التعاون الثقافي والعلمي، لكن مع مرور روسيا بفترة من الأزمات الناتجة عن إنهيار الإتحاد السوفياتي، تراجع إهتمامها بعلاقاتها الدولية، ومنها علاقتها بسوريا وإهتمامها بقضايا الشرق الأوسط. خف الدعم الروسي لسوريا في عهدي الرئيسين ميخائيل غورباتشوف (الاتحاد السوفياتي) وبوريس يلتسين لكنه لم يتوقف، ولكن بعد إستلام فلاديمير بوتين للسلطة في موسكو وبشار الأسد في سوريا عام 2000، عاد الطرفان إلى تطوير علاقاتهما المشتركة، وعاد التعاون العسكري والسياسي ليشهد تعزيزاً مضطرداً سنة بعد أخرى خاصة في عام 2005، حيث أسقطت روسيا ديوناً عن سوريا بقيمة حوالي عشرة مليارات دولار، وهي ديون من صفقات أسلحة اشترتها سوريا من الإتحاد السوفياتي. وقامت روسيا بالموافقة على أن تبيع سوريا أنظمة صواريخ جو دفاعية متقدمة على الرغم من المعارضة الأميركية الإسرائيلية، وشكّل هذا التقارب السوري-الروسي تهديدًا للعلاقات الإسرائيلية-الروسية، لكن موسكو استطاعت احتوائه.

لم تكن العلاقات السياسية والعسكرية وحدها المؤثرة في مسار العلاقة بين البلدين، فالعلاقات الإقتصادية كانت أيضا صاحبة وزن في بناء هذا المسار. في العام 1957 قام الإتحاد السوفياتي بتشييد 63 مشروعاً في سوريا من أهمها سلسلة المحطات الكهرمائية على نهر الفرات والعقدة المائية مع المحطة الكهرمائية (البعث) والمنشأة المائية مع المحطة الكهرمائية (تشرين)، وبناء عددٍ من منشآت الري.

واكتشف الإتحاد السوفياتي السابق حقول النفط في شمال شرق سوريا، وقام بإنشاء خط أنابيب لنقل المشتقات النفطية بين حمص وحلب. أما في العام 2005 فقد تم توقيع اتفاق روسي-سوري للتعاون الصناعي والتكنولوجي وجرى إبرام اتفاقيات ضخمة وتنفيذ مشاريع كبيرة زادت على 100 مشروع تجاري واقتصادي. ولم يتوقف إهتمام الشركات والمؤسسات الروسية بالتعاون مع سوريا على مدى السنوات الماضية بما في ذلك مرحلة ما بعد الأزمة، وذلك في مجالي النفط والغاز أساساً، حيث بلغ التبادل السلعي بين الدولتين عام 2008 ما قيمته ملياري دولار.

أهمية سوريا بالنسبة إلى روسيا

تعتبر القاعدة الروسية في محافظة طرطوس الساحلية غرب سوريا، أشهر ملامح الوجود الروسي في سوريا. وهي القاعدة الروسية الوحيدة الفاعلة على البحر المتوسط وخارج أراضي الاتحاد السوفياتي السابق، ولها بعد استراتيجي كبير كونها محطة التموين الوحيدة للأسطول الروسي في المتوسط وخارج روسيا. وما يزيد أهميتها العسكرية أنها تمنح القوات الروسية فرصة الوصول السريع الى البحر الأحمر والمحيط الأطلسي، في ظل ضعف القاعدة العسكرية الروسية في الجزائر.

فيما يتعلق بطموحات روسيا، ليس سراً على أحد أن الروس يحلمون منذ قرون بالوصول إلى المياه الدافئة، أو على الأقل الحصول على معبر مؤكد ومؤمّن. وبالنظر في موقعها الجغرافي، فإن موسكو ترى أن بوابة العبور إلى المياه الدافئة وعالم البحار المفتوحة وصولا إلى أوروبا وآسيا واحتلال موقع مهم في خريطة الشرق الأوسط، تمر عبر سوريا وصولاً إلى المنطقة العربية والخليج وتركيا وإيران. ويعني ذلك أن تتحدى روسيا النظام الدولي أحادي القطبية، عبر خلق موانع جيو-سياسية في مناطق جغرافية مختلفة، وذلك لموازنة الضغوط الأميركية عليها في جوارها الجغرافي المباشر. ومن شأن التحصن والتمكن من اللاذقية وطرطوس على الساحل السوري أن يؤمن لروسيا إطلالة ممتازة على شرق البحر الأبيض المتوسط، وموقعاً لا يبارى في التأثير على موازين القوى بالمشرق العربي والمنطقة.

بالإضافة إلى أن وجود روسيا في سوريا يجعلها قوة تحتل بها المركز الشاغر بعد زوال الاتحاد السوفياتي. ومن هنا كان تركيز بوتين في مشروعه على موضوع السياسة الخارجية، إذ يندر أن يوجد ملف أساسي في السياسة الخارجية اليوم من دون موقف روسي معترض. وبعد غياب طويل، تريد روسيا الآن أن يكون لها رأي في القضايا الرئيسية في الشرق الأوسط، لا سيما في ظل الأوضاع المتفجرة في الساحة السورية.

تأثير روسيا في الصراع العربي الإسرائيلي

تحاول روسيا منذ التسعينيات أن يكون لها دور فاعل في الصراع العربي الإسرائيلي، كونه يعتبر ملفاً من الملفات الأكثر أهمية لأية دولة كبرى. وقد نسجت روسيا علاقات مهمة مع عدد من الدول العربية، وأبرزها سوريا والجزائر وليبيا والعراق.

إن الظروف التي شهدتها روسيا في فترة التسعينيات قد منعتها من لعب دور فاعل في الصراع العربي الإسرائيلي، غير انها مع تعافيها من أزماتها الكبرى عادت في السنوات الأخيرة لتلعب هذا الدور. وبعد عودتها بقوة إلى الشرق الأوسط، تحاول موسكو لعب دور الوسيط في الصراع العربي الإسرائيلي. وتروج لفكرة الوسيط النزيه، مستغلةً فشل كل القوى الكبرى في لعب هذا الدور، إلى جانب علاقاتها الجيدة مع إسرائيل من جهة، ومع سوريا ودول عربية أخرى من جهة ثانية.

غير أنها لم تنجح في تحقيق خرق في هذا الصراع حتى الآن. ويعود ذلك إلى تمنّع إسرائيل ورفضها لكل أفكار السلام التي تطرحها روسيا أو أي طرف من أطراف الرباعية الدولية، بل وحتى الأفكار الأميركية مما أدى إلى توتر العلاقات بين الرئيس الأميركي باراك أوباما و رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو.

ومع دخولها إلى سوريا بطائراتها في الأشهر الاخيرة، إلى جانب لعبها دوراً سياسياً موسع في أزمتها.تكسب روسيا زخماً جديداً في سياستها في الشرق الأوسط. وقد بات واضحاً تصاعد نفوذها الخارجي، وخصوصاً في هذه المنطقة.

أهمية روسيا بالنسبة إلى سوريا

مما لا شكَّ فيه أن سوريا ترى في روسيا حليفاً مهماً يساعدها في كل الأصعدة ولذا فهي لا تتخلى عن صداقتها بموسكو، وتعتبر هذا التحالف كحبل نجاة لها. فروسيا ليست دولة عادية، بل هي من الدول العظمى التي تمتلك فيتو في مجلس الأمن الدولي، وقد استفادت سوريا من حق النقض الروسي بحيث أقدمت موسكو على نقض ثلاثة قرارات دولية في ظرف تسعة أشهر في الأزمة السورية. بالإضافة الى حق النقض، فروسيا حليف قوي عسكرياً يمتلك أهم أنواع الذخيرة عالمياً ومورد مهم للسلاح، الأمر الذي يساعد سوريا في التسلح. وأيضاً تعتبر روسيا داعماً اقتصادياً أساسياً لسوريا نظراً للمشاريع الروسية على الأراضي السورية في مختلف المجالات التي تنعش الإقتصاد السوري، ونظراً لحجم التبادل التجاري الذي يسجل أرقاماً عالية سنوياً. لطالما حاولت الدولتان توطيد علاقاتهما المشتركة. فهل من الممكن بعد هذا التاريخ الطويل من التحالف أن تتخلى روسيا عن سوريا وتتركها وحيدةً لحساب مصالحها؟