التسوق الإلكتروني.. أزمة ثقة محلياً

مع بلوغ القرن الواحد والعشرين، وبعد ظهور الإنترنت في حياتنا وغزوهِ مختلف المجالات، بدا تأثيره جليا في حياتنا اليومية ومتطلباتها لاسيما التجارية منها والتسويقية، إذ برزت ظاهرة التسوق الإلكتروني بعد أن كانت عملية البيع والشراء عملية مبنية على التواجد في متاجر العرض والبيع، ونرى اليوم كيف أصبح التسوق الإلكتروني جزءاً أساسياً من الحياة اليومية للعديد منا.

يتيح التسوق الالكتروني المقارنة بين المنتجات واختيار أفضل الأسعار
يتيح التسوق الالكتروني المقارنة بين المنتجات واختيار أفضل الأسعار
الملايين يتصفحون الإنترنت يومياً باحثين عن المنتجات عبر آلاف المواقع الإلكترونية رغبةً منهم في اختصار المسافات، توفير الوقت، والحصول على الأفضل نوعاً وثمناً. حيث تتيح لهم هذه المواقع القيام بعملية المقارنة بين المتاجر لاختيار العرض الأنسب لهم من حيث السعر والنوع، فيسهل بذلك الحصول على المبتغى، إضافة الى إتساع قائمة الخيارات ما يتيح لهم الإختيار، والحصول على البضائع التي يصعب إيجادها في التسوق الشخصي، عدا عن توفير الوقت المهدور على الطرقات وفي عمليات التنقل.
أنت اليوم لم تعد بحاجة للذهاب إلى السوق لشراء أي جهاز موبايل أو أريكة أو ملابس، أنت فقط بحاجة لجهاز كومبيوتر وإنترنت لكي تتجول في أي سوق تريدهُ عبر العالم وفي الوقت الذي تريدهُ لتقوم بإختيار ما يُناسبك وما تريد. لكن كيف تقوم هذه العملية؟ ما هي إيجابياتها وسلبياتها؟ هل من قانون يحمي حقوقك كمستهلك في حال حدوث خلل؟ هذه الأسئلة لطالما راودتنا، تعددت فيها الآراء وانقسمت بين مؤيد ومعارض لهذه الظاهرة. فمن الناس من يؤيد التسوق الإلكتروني كـ" سارة - ٢٣ سنة - موظفة بنك " حيث تقول إن التسوق الإلكتروني من أفضل طرق التسوّق نظراً لإمكانية الشراء في الوقت المناسب لك إذ أن التسوق ٢٤/٧ أربعة وعشرون ساعة على مدار الأسبوع. فهي ليست بحاجة لتخصيص وقت للذهاب إلى السوق وإضاعة الوقت في زحمة السير والتفكير في مكان لركن سيارتها والتعب الجسدي في المشي والإنتقال من متجر إلى متجر. وتكمل سارة قائلة: "يمكنك التسوق وأنت في المنزل، فأنت لست بحاجة للقلق من حالة الطقس أو الزحمة، وكذلك يمكنك المقارنة بين المنتجات التي تبحث عنها والتعرف الى مواصفاتها بشكل أفضل وكذلك يمكنك شراء منتجات غير متوفرة في الأسواق المحلية بحيثُ انك تتسوق عبر العالم وبدون مغادرة المنزل". ورغم أن مميزات التسوق عبر الإنترنت من حيث التنوع وتوفير الوقت والجهد وغيرها من المميزات التي قد تجعلها مفضلة عن التسوق الفعلي، إلا أن بعض الناس ترى عيوباً في التسوق الإلكتروني ولذا فهي ترفض ممارسته. فاطمة - ٢١ سنة - طالبة علاقات عامة،  ترد على سؤالنا حول التسوق الالكتروني قائلة: " كلهم يغشون ولا بضاعة كالتي نراها في الصور". وتعلّق  تانيا - ٢٥ سنة – وهي تدرس الصيدلة  قائلة: "إن الإعتماد على صور ونصوص المواقع الإلكترونية من دون تحسس أو رؤية البضاعة لا يؤدي إلى معرفة خصائص المنتج، وأن معظم المواقع تحتال على الناس من حيث النوعية والجودة وحجم المنتج. وتروي لنا ريان - ١٩ سنة - طالبة إدارة أعمال حادثة حصلت معها، حيث إشترت حقيبة عبر الإنترنت وكانت منبهرة بها، ولكن بدأت تكتشف الحقيقة بدءاً من التأخير في تسليم الحقيبة واستغراق وصولها وقت أكبر مما ذُكر في الموقع، ومن ثم وجود فرق بين الصورة المعروضة والحقيبة من حيث النوعية والحجم واللون، بالإضافة إلى إجبارها على دفع كلفة التوصيل التي لم تكن تعلم بها.   والمشكلة الأكبر تكمن في إرجاع المنتج الذي إشتريته في حال لم يناسبك، حيث لا مجال للرد أو البدل.  فمعظمنا يعلم الدواعي الأمنية المرتبطة بهذا النوع من التسوّق، فإذا كان الموقع غير آمن وأنه موقع إحتيال فإنك وبكل بساطة قد جعلت نفسك عرضة للسرقة وكذلك ينبغي الإشارة لدواعي الخصوصية، فإذا لم يكن موقع التسوّق يمتلك سياسة خصوصية صارمة فإنه من الصعب أن تعرف من يستطيع الولوج الى معلوماتك فيما إذا كانت هذه المعلومات محمية بشكل جيد أو أنها متاحة لأطراف أخرى. وهنا تقع المسؤولية على وزارات الإقتصاد وجمعيات حماية حقوق المستهلك التي نلحظ غياباً تاماً في دورهما في المراقبة والمحاسبة والحفاظ على حقوق المستهلك في هذا السياق، ولذا توجهنا إلى الدكتور علي حيدر (حائز على دكتوراه في الإقتصاد)، للتعرف على رأيه في هذا الخصوص.  يقول حيدر إن هذه المشكلة الكامنة في التسوق الإلكتروني هي العائق الأكبر في هذه العملية التجارية، حيث يفقد المستهلك حقه في الحصول على السلعة بالمواصفات الذي يريد وعدم تمكنه من إسترجاع أمواله في هذه الحالة وهنا يقع ضحية الغش والسرقة، ويضيف بأن المجتمع بأمسّ الحاجة لإهتمام وزارة الإقتصاد وقيامها بتفعيل التوصيات ووضع آليات وسنّ قوانين وأنظمة وليس عقد المؤتمرات والندوات فقط، وفي المقابل لم نلحظ أي دور لجمعية حماية المستهلك لأنها منشغلة بخلافاتها الإدارية، فكيف لها حماية المستهلك وترشيده وهي لم تستطيع تنظيم وضعها الداخلي. لذا عليها وضع حقوق المستهلك نصب عينها والعمل على حلّ هذه المشكلة من خلال مراقبة المواقع المغشوشة والتي لا تأمن مواصفات حقيقية للبضاعة المعروضة في الصور وسحب التراخيص منهم، وتطبيق غرامات صارمة على بيع أي سلعة لا توافي الشروط، وتحميل مصلحة الجمارك مسؤولية السماح لدخول السلع دون رقابة ودون التأكد من هيئة المواصفات والمقاييس التي تشكل خطر على مصلحة المستهلك. إن ظاهرة التسوق الإلكتروني أصبحت تغزو حياتنا بكثافة، وبموجب ذلك لابد من النظر في مشاكل هذه الظاهرة نظراً لأهميتها ، وتأمين شروط ترضي المتاجر والمواقع الإلكترونية و تحمي حقوق المستهلك. وهنا يبقى السؤال متى ستصبح هذه العملية التجارية شرعية ومراعية لكافة شروط حماية المستهلك وضمان حقوقه؟