لارنكا .. مرة أخرى

أعاد حادث اختطاف طائرة الإيرباص 320 التابعة للخطوط الجوّية المصرية إلى مطار لارنكا في قبرص مرة أخرى الى الواجهة أحداث الطيران المدني العالمي. وجدّد ذكرى حوادث الاختطاف والعمليات الاستخباراتية التي كانت قبرص مسرحاً لها خلال سبعينات وثمانينات وتسعينات القرن الماضي. تاريخياً شهد هذا المطار 11 عملية اختطاف لطائرات مدنية، كما تعرّض الطيران المدني المصري منذ عام 76 وحتى الآن الى 9 عمليات اختطاف تمت لطائرات تابعة له، شهد مطار لارنكا منها عمليتي اختطاف.

الطائرة المصرية التي اختطفت
الطائرة المصرية التي اختطفت
كان عام 1976 هو بداية تعرّض قطاع الطيران المدني المصري لحالات اختطاف،  حيث تعرّضت طائرة مصرية من نوع "Boeing 737" في أغسطس من هذا العام إلى محاولة اختطاف أثناء توجّهها الى مطار الأقصر انطلاقاً من مطار القاهرة في رحلة داخلية تنقل فيها 105 مسافرين بجانب الطاقم. نفّذ المحاولة حينها ثلاثة أشخاص كانوا على صلة بنظام العقيد الراحل معمّر القذّافي، وطلبوا من قائد الطائرة التوجّه إلى ليبيا لكن تمكّن الطاقم من إقناعهم بضرورة الهبوط في الأقصر للتزوّد بالوقود، وهناك استطاعت قوّة من المجموعة 27 صاعقة التابعة للجيش المصري دخول الطائرة متنكّرة في هيئة طواقم فنيّة لصيانة الطائرة، وتمكّنت من إتمام السيطرة عليها والقبض على الخاطفين و شكّلت القوّة التي نفذّت هذه العملية نواة قوات 777 و999 المصرية المُتخصّصة في العمليات الخاصّة ومكافحة الإرهاب.

أما عام 1978 فقد شهد عملية الاختطاف الأكثر دموية في تاريخ الطيران المدني المصري حتى الآن، في فبراير من ذاك العام وبعد أن تمكّنت مجموعة تابعة لجماعة "أبو نضال" الفلسطينية المُرتبطة بالنظام العراقي آنذاك من قتل وزير الثقافة المصري يوسف السباعي، قامت بالسيطرة على طائرة مصرية في مطار لارنكا من نوع "DC-8" كان على متنها 16 مسافراً وأجبرت قائدها على الإقلاع  ومحاولة الهبوط في عدة دول عربية ثم عادوا بها مرة أخرى إلى لارنكا، و في ظل فشل السلطات القبرصية في الوصول إلى نتائج ملموسة في المفاوضات مع الخاطفين اتّخذ الرئيس المصري الراحل أنور السادات نفس القرار الذي تم اتخاذه في العملية السابقة وهو اقتحام الطائرة بمجموعات من القوات الخاصة، و بالفعل تم إرسال ما بين 30 إلى 80 عنصراً من عناصر الصاعقة المصرية إلى المطار على متن طائرة نقل عسكرية من نوع "C130" بعد إبلاغ السلطات القبرصية بهذا التحرّك من دون توضيح تفاصيله، عقب وصول القوة إلى المطار بدأت في تنفيذ خطة السيطرة على الطائرة، لكن حدث اشتباك بين الوحدات القبرصية المسلّحة الموجودة في المطار والقوة المصرية المُهاجِمة للطائرة ما أدى إلى تدمير طائرة النقل العسكرية المصرية ومقتل وجرح عدد من جنود القوة المصرية والقوات القبرصية. أثناء هذه المعركة سلّم الخاطفون أنفسهم إلى السلطات القبرصية وتم الإفراج عن كل الرهائن، وشكّلت هذه العملية بالرغم من تحرير الرهائن صفحة سوداء من صفحات التعامل المصري مع عمليات الخطف نظراً إلى الخسائر الكبيرة في صفوف قوة الصاعقة.

في نوفمبر 1985 اختطفت مجموعة مكوّنة من ثلاثة أشخاص طائرة مصرية من نوع "Boeing 737" تحمل على متنها 106 ركاب أثناء رحلتها من مطار أثينا إلى القاهرة وأجبروا قائدها على الهبوط فى مطار "لوكا" في مالطا، برغم رفض سلطات المطار التام للتصريح بالهبوط الطائرة، أفرج الخاطفون عن 13 راكباً  وطلبوا من إدارة المطار تزويد الطائرة بالوقود، إلا أن كامل طلباتهم قوبلت بالرفض، وتأزّم الموقف أكثر بعد أن قتل وأصاب الخاطفون 5 ركاب عقب التهديد بإعدام كل مَن على متن الطائرة. في ظل هذا الوضع اتّخذ الرئيس المصرى السابق حسني مبارك قراراً بعد الاتفاق مع السلطات في مالطا بإرسال فرقة مكوّنة من عناصر الوحدة 777 الخاصة إلى المطار لاقتحام الطائرة. بدأ الهجوم فجراً وأدّى إطلاق النارالمُتبادل بين الطرفين وتفجير الخاطفين لعدة قنابل يدوية إلى مقتل عناصر المجموعة الخاطفة بجانب 56 من إجمالى 88 مسافراً كانوا على متن الطائرة لحظة الهجوم.

عمليات اختطاف أخرى

شهدت فترة تسعينيات القرن الماضي عدة محاولات اختطاف لطائرات مصرية لم تلقَ صيتاً كبيراً مماثلاً لما واكب عمليات السبعينيات والثمانينيات. ففي أكتوبر 1993 اختطف مسافر يحمل سكيناً طائرة مصرية أثناء رحلتها من القاهرة إلى صنعاء  وطالب حينها بتوجّه الطائرة إلى عدن لكن تمكّن الطاقم من الهبوط في صنعاء وتم اعتقال الخاطف هناك.

 

وفي مارس 1996 قام رجلان باختطاف طائرة مصرية من نوع "Airbus A320" بعد إقلاعها من مطار الأقصُر في اتجاه مطار القاهرة وقاما بإجبار الطيّار على الهبوط في مدينة درنة الليبية حيث استسلما  للسلطات هناك. وفي أكتوبر 1999 قام أحد ركاب طائرة مصرية من نوع " Boeing 737" أثناء رحلتها من اسطنبول إلى القاهرة بدخول قُمرة القيادة وتهديد الطيارين طالباً منهم تغيير وجهة الطائرة إلى ألمانيا، هبطت الطائرة في هامبورغ وهناك تم اعتقال الخاطف وتحرير كافة الرهائن. وفي مايو 2000 حاول أحد الركاب الدخول عنوة إلى قُمرة قيادة طائرة مصرية من نوع "AIRBUS A321" كانت تُقّل 19 راكباً في رحلة داخلية من القاهرة إلى أسوان، مُهدّداً بتفجير عبوة ناسفة كانت بحوزته، وطلب التوجّه إلى أفغانستان لكن تمكّن طاقم الطائرة من السيطرة عليه وتم إلقاء القبض عليه عقب وصول الطائرة الى أسوان. تلا هذه المحاولة في أكتوبر2009 محاولة قام بها راكب سوداني الجنسية للسيطرة على طائرة مصرية من نوع "AIRBUS A320" عقب إقلاعها من اسطنبول في طريقها إلى القاهرة، هدّد الراكب طاقم الطائرة باستخدام سكين طعام وطلب منهم التوجّه إلى القدس إلاّ أن أفراد أمن الطائرة سيطروا عليه  وتم احتجازه عقب وصول الطائرة إلى القاهرة.

شكّل حادث مطار لارنكا الأخير امتداداً لهذه الحوادث مع اختلافات جوهرية أهمها أن توقيت حدوثه يتزامن مع استحقاقات هامّة منها المحاولات المصرية لإعادة الحركة السياحية إلى معدل طبيعى بعد الضرر الكبير الذي أصاب قطاع السياحة عقب سقوط الطائرة الروسية في أجواء سيناء، هذه المحاولات على ما يبدو تتعرّض لتخريب ممنهج يُراد منه وضع مصر في أجواء اقتصادية صعبة تؤدّي إلى قلاقل داخلية. كان هذا التوجّه واضحاً في التغطية الإعلامية الغربية المكثّفة لحادث لارنكا الذي بدأت فصوله منذ فجر يوم الاختطاف، فقد روّجت معظم وسائل الإعلام الدولية لفرضية وجود حزام ناسف بحوزة مختطف الطائرة من دون توفر أية دلائل ملموسة على ذلك، ثم شرعت في الحديث عن أمن المطارات في مصر والأوضاع الداخلية، لكن حقيقة الحادث هي أن الخاطف لم يكن بحوزته أية مواد من الممكن أن تشكّل خطراً على الطائرة أو على الركّاب، خصوصاً وأن تصريحات ركّاب الطائرة والتسجيلات المتوفرة تؤكّد أن الجميع تعرّض لتفتيش دقيق في مطار برج العرب الذي انطلقت منه الطائرة المختطفة من نوع "AIRBUS A320". و هذا المطار كان من ضمن عدة مطارات مصرية تم خلال الشهر الماضي تحديث تدابير السلامة والأمن فيها وتزويدها بأحدث أجهزة "أشعة أكس" للكشف عن المتفجّرات.

اختلق الخاطف حزاماً ناسفاً مزيفاً واستغل به الحرص المهني الشديد من جانب طاقم الطائرة على عدم المخاطرة بحياة الركاب، وطلب في البداية التوجّه إلى تركيا  ولكن لعدم توفر الوقود الكافي تم الهبوط في قبرص. الاضطراب النفسي والعقلي الواضح في ذهنية الخاطف ظهر جلياً في عدم وجود مطالب محدّدة له وعدم احتفاظه بأي رهائن للتفاوض عليهم. أوحى بأن العملية ذات أسباب سياسية بطلبه التوجّه إلى تركيا تارة وبطلبه إطلاق سراح بعض "المعتقلين"، وما ذكرته إحدى راكبات الطائرة عن وصفه للنظام القائم في مصر بأنه "انقلاب"، إلا أن زيف ما قال إنها متفجرات كان يحملها وعدم حرصه على الاحتفاظ برهائن داخل الطائرة، وطلبه رؤية مطلّقته القبرصية الجنسية وإرساله رسالة لها، بجانب أداء الخاطف بشكلٍ عام خلال هذه العملية وطلبه اللجوء السياسي، كلها مؤشّرات تؤكّد أمام خاطف لا يفرق كثيراً عن خاطفي الطائرة المصرية عام 1996 الذين حين هبطوا في درنة الليبية قالوا إنهم يحملون رسالة من الله إلى القذافي، ولا عن خاطف الطائرة المصرية عام 2009 الذي طلب الذهاب إلى القدس لتحريرها، ولا حتى عن خاطف الطائرة المصرية عام 2000 الذي طلب الذهاب إلى أفغانستان للعمل هناك!

برغم ما سبق، إلاّ أن هذه العملية أظهرت عدة إيجابيات مُهمّة سواء بالنسبة إلى طاقم الطائرة أو تعامل السلطات المصرية مع الحادث. طاقم الطائرة أظهر مستوى رفيعاً من المسئولية تجاه ركاب الطائرة وتعامل مع التهديد المُحتمَل بحكمة ورفض الطيّار ومساعده وكبيرة مضيفات الطائرة مغادرتها، إلا بعد تأمين كل ركاب الطائرة و إخراجهم منها، أيضاً كان تعامل شركة مصر للطيران ووزارة الطيران المدني متميزاً منذ اللحظات الأولى للحادث، حيث تحاشى المسؤولون عن الطيران المدني التصريح بأية معلومات قد تؤثر على سير عملية التفاوض أو غير مؤكّدة، وقدموا اعتذاراً إلى الدكتور الجامعي الذي تم ذكر اسمه بطريق الخطأ على أنه خاطف الطائرة. واستمرت شركة مصر للطيران على مدار ساعات العملية في إصدار بيانات متتالية تشرح فيها تطورات عملية التفاوض التي كان القرار المصري حيالها هو منحها الفرصة الكاملة للنجاح، وفي نفس الوقت تم إرسال طائرتي نقل عسكريتين تحملان مجموعات قتالية تابعة لوحدة مكافحة الإرهاب 999 وصلتا الى قبرص بالتنسيق مع سلطاتها تحسباً لفشل عملية التفاوض.

انتهت العملية بسلام من دون أية نقطة دم، وقام الخاطف بتسليم نفسه على أرض المطار ربما لعلمه أن القبض عليه داخل الطائرة يجعل تسليمه للسلطات المصرية مسألة وقت، نظراً لأن الطائرات المدنية تُعتبر من الأراضي التابعة للدولة المالكة لها. انتهت العملية بعد أن كشفت للجميع عن مؤامرة تتزايد فصولها يوماً بعد يوماً تستهدف أهم قطاعات مصر الاقتصادية. انتهت العملية على أرض لارنكا هذه المرة من دون أية دماء بعد أن تعلّم القبارصة والمصريون درس السبعينيات، وقدّموا في هذه العملية نموذجاً لكيفية التعاون الوثيق من أجل إنهاء أزمة بدأت بسبب لوثة عقلية عاطفية وكادت أن تنتهي بدماء وخسائر لا تنتهي.


محمد منصور

كاتب مصري وباحث فى الشؤون العسكرية. بدأ العمل الصحافي منذ عام 2008. ليسانس في الأدب الأنجليزي ودبلوم في الترجمة. إنضم لفريق الميادين نت فى أبريل 2016.