ميدانيات ليبيا: استنفار مستمر ضد داعش والتهريب

تبحث وزارة الداخلية الإيطالية مع حكومة طرابلس آليات تنفيذ برنامج ايطالي ممول أوروبياً لمراقبة الحدود الليبية الجنوبية، وذلك بإرسال بعثة تنشئ قاعدة لوجيستية لحرس الحدود الليبي، وتمهيد الظروف لتواجد وعمل منظمات الأمم المتحدة في هذا النطاق، هذه البعثة من المفترض أن تعمل بالتنسيق مع مركز مراقبة ليبيا الذي دشنه حلف الناتو مؤخراً في مركز قيادته بنابولي.

تستمر عمليات الاستطلاع شرقي سرت والتي تنفذها الكتائب 211 و302 و276 والتي وصلت إلى منطقة أم القنديل

لعل ملفي داعش وعمليات التهريب والهجرة غير الشرعية هما الملفين الأكثر تفاعلا في الميدان الليبي خلال الفترة من أوائل الشهر الماضي وحتى الآن، حيث تستمر ايطاليا في إجراءاتها الميدانية والسياسية بهدف توسيع هامش مناورتها في ليبيا تحت عنوان أساسي وهو "مكافحة الهجرة غير الشرعية نحو سواحلها انطلاقاً من ليبيا"، تستمر القطع البحرية الإيطالية في المرابطة في ميناء طرابلس بصفة دائمة وكانت أخرها سفينة النقل والإنزال "تريمتي" التي تتواجد في الميناء الليبي منذ منتصف الشهر الماضي، وتساهم في عمليات الصيانة التي تتم لزوارق الدورية التابعة للبحرية الليبية، وقد نجحت بالفعل في تأهيل أول زورق تمت تجربته في المياه الدولية بمشاركة مدمرة الدفاع الجوي "أندريا دوريا" التابعة للبحرية الإيطالية، ومواكبة جوية من طائرات المراقبة والاستطلاع الإيطالية التي تقلع بشكر شبه يومي لمسح الساحل الليبي، وهذا بالتزامن مع إرسال أول دفعة من ضباط وعناصر حرس السواحل الليبيين إلى تورنتو الايطالية للتدريب على عمليات مكافحة الهجرة غير الشرعية، ضمن فعاليات خطة الدعم البحري اللوجيستي التي تمت توقيعها بين حكومتي طرابلس وروما في يوليو الماضي.

 

في نفس الإطار، تبحث وزارة الداخلية الإيطالية مع حكومة طرابلس آليات تنفيذ برنامج ايطالي ممول أوروبياً لمراقبة الحدود الليبية الجنوبية، وذلك بإرسال بعثة تنشئ قاعدة لوجيستية لحرس الحدود الليبي، وتمهيد الظروف لتواجد وعمل منظمات الأمم المتحدة في هذا النطاق، هذه البعثة من المفترض أن تعمل بالتنسيق مع مركز مراقبة ليبيا الذي دشنه حلف الناتو مؤخراً في مركز قيادته بنابولي. هذه الآلية أعلن الجيش الوطني الليبي على لسان المتحدث باسمه أثناء زيارته إلى موسكو عن رفضها، مشيراً إلى أن قوات الجيش الوطني الليبي أطلقت عدة عمليات لضبط الحدود وان رفع حظر التسليح عن ليبيا كفيل بإنجاح مهام الجيش في هذا الصدد. أيضاً تبحث ايطاليا بالتعاون مع تشاد ومالي والنيجر في إنشاء غرفة أمنية مشتركة تقوم بإحياء مشروع المراقبة الحدودي الذي كانت قد أعددته شركة "فينميكانيكا" قبل عام 2011 لضبط الحدود الليبية الكترونيا ورادارياً.

 

بالنسبة لنشاط تنظيم داعش، نفذ التنظيم خلال الفترة من أول أغسطس الماضي وحتى الآن هجومين أستهدف الأول نقطة تفتيش تابعة للجيش الوطني الليبي في بوابة الفقهاء جنوبي الجفرة، أسفر عن مقتل عدد من عناصر الكتيبة 131 مشاه. الهجوم الثاني نفذه التنظيم على تجمع لقوات عملية البنيان المرصوص التابعة لحكومة طرابلس في مدخل النوفلية جنوبي سرت. بشكل عام بدأ نشاط داعش في العودة بشكل ملحوظ في مناطق شرقي وجنوب شرقي بن جواد وسرت، خصوصاً في الوادي الأحمر ومناطق أم القنديل وأم الخنفس والحنيوة ومحيط هراوة وبن جواد والنوفلية. وتم رصد تحركات سيارة للتنظيم باتجاه هراوة ومنطقة التسعين قرب النوفلية، وتحركات أقل وتيرة حول مدينة بني وليد جنوب شرق طرابلس، ومدينتي سبها وبراك الشاطئ وسط ليبيا. أصدر التنظيم تسجيلين مصورين يعدان أول ما يصدر عنه منذ نحو 19 شهر، يظهر الأول نقطة تفتيش أقامها التنظيم غربي سرت قرب منطقة أبو قرين، والثاني أظهر الهجومين اللذان شنهما التنظيم خلال الفترة الماضية، كما أقام التنظيم في منطقة الوادي الأحمر عدة نقاط تفتيش وهمية أختطف من خلالها عدد من المواطنين.

 

هذا النشاط دفع كل من الجيش الوطني والقوات الموالية لحكومة الوفاق في طرابلس لاتخاذ عدد من الإجراءات الميدانية، بالنسبة للجيش الوطني، نفذ سلاحه الجوي غارات استهدفت تنظيم داعش، الأولى استهدفت رتل من ثلاث عربات تابعة له جنوبي هوارة، والغارة الثانية غربي براك الشاطئ استهدفت مشروع الدابوات الزراعي، والثالثة استهدفت تجمع لعناصر داعش في عين تاقرفت قرب زلة جنوبي سرت. بدأت قوات الجيش في تنفيذ سلسلة من الدوريات المكثفة في محيط الهلال النفطي ومناطق هراوة وبن جواد وزلة وودان شرق وجنوب سرت، وعمليات مداهمة وتفتيش في النوفلية، كما دفعت قيادة الجيش الليبي بوحدات من الصاعقة إلى رأس لانوف وبن جواد تمهيداً لبدء التمشيط باتجاه هراوة ومناطق الوادي الأحمر، مع تعزيز القوات الموجودة على الشريط الساحلي قرب التخوم الشرقية لسرت بسرية دبابات ووحدات من الصاعقة.

 

تستمر في هذا السياق عمليات الاستطلاع شرقي سرت والتي تنفذها الكتائب 211 و302 و276 والتي وصلت إلى منطقة أم القنديل. من أجل تأمين أكبر للمنطقة الوسطى في ليبيا "الجفرة"، أعلنت قيادة الجيش الوطني ضم الكتائب 12 و116 و181 إلى قوات "الردع" المشكلة حديثاً في الجنوب الليبي، والتي تؤمن نطاق براك الشاطئ وسبها والجفرة، كما عززت قيادة الجيش الليبي وحدات الشرطة العسكرية المرابطة في بوابة قويرة المال الرابطة بين سبها والجفرة، والنقاط الأخرى في البوانيس والمحروقة وتمنهنت.

 

في اتجاهات ميدانية أخرى، بدأت قوات "صقور الصحراء" في عملية عسكرية مدتها ثلاثة أشهر لإغلاق الحدود مع تشاد والنيجر والسودان، ووصلت إلى الحدود الشرقية تعزيزات عسكرية من بينها سرايا تابعة للكتيبة 501 للعمل تحت قيادة منطقة طبرق في نطاق محور الغزالة – مساعد – جغبوب. في بنغازي مازالت قوات الجيش الوطني مستمرة في عمليات تطهير وتأمين أنحاء المدينة التي لم يتبقى فيها سوى منطقة سيدي خريبيش ومحيط الفندق البلدي الذي يتحصن فيهما عدة عشرات من عناصر سرايا الدفاع عن بنغازي، وتم خلال الفترة الماضية تفكيك عدة سيارات مفخخة في منطقة الليثي وعلى مدخل المدينة، وانفجرت واحدة خارج مسجد سيدي فرج، وتعرض مقر القوات الخاصة في المدينة لهجوم بالقنابل اليدوية. لم تتوقف كذلك الاحتكاكات بين قوات الجيش الوطني وقوات حكومة الوفاق في طرابلس وكان أخرها غارة جوية نفذتها المقاتلات التابعة للجيش الوطني على رتل تابع لقوات الوفاق في منطقة السدادة جنوب شرق مدينة بني وليد. سبق هذه الغارة قرار لافت أصدره قائد الجيش الوطني خليفة حفتر بمنع اى نشاط للمسئولين التابعين لحكومة الوفاق في المناطق التي يسيطر عليها جيش.

 

في ما يتعلق بمدينة درنة التي تقع شمال شرق البلاد، تستمر استعدادات الجيش الوطني الليبي للعمليات الاقتحامية المرتقبة للمدينة على خمسة محاور رئيسية، فأحكم بشكل شبه كامل الحصار على مداخل المدينة، وأغلق طريقي مرتوبة – الفتائح والطريق الساحلي "كرسة"، ونفذ عمليات جوية انطلاقا من قاعدة الأبرق ودوريات بحرية تابعة للكتيبة المقاتلة سوسة لاستطلاع الموقف الميداني الحالي للمدينة وساحلها، كما أغارات مقاتلاته على عدة مناطق في محيطها منها منطقة الظهر الحمر ومواقع في المدخل الغربي للمدينة، وأغرق سفينة حاولت إيصال إمدادات إليها. تتدفق التعزيزات العسكرية لكافة محاور القتال حول المدينة خصوصاً بعد زيارة قائد الجيش الوطني خليفة حفتر إليها، والتعديلات في المناصب القيادية بغرفة عمليات عمر المختار المسئولة عن عمليات درنة ومنها تعيين العميد كمال الجبالي آمراً لها، شملت التعزيزات المحور الجنوبي والجنوبي الشرقي "الظهر الحمر – القبة" حيث وصلت وحدات من الصاعقة والكتيبة 165. تكررت خلال الأيام الماضية الاشتباكات بين عناصر مجلس شورى مجاهدي درنة المتحصنين داخل المدينة وقوات الجيش الوطني، تتركز المعارك في المحور الساحلي "كرسة" ومحور "الفتائح – مرتوبة" بجانب تراشق مدفعي متبادل في منطقة الحيلة بالمحور الجنوبي ومنطقة وادي نقا غربي المدينة التي تشهد تحشد لعناصر المجلس في مواجهة حشود الجيش الوطني.

 

بالنسبة لقوات وزارة الدفاع في حكومة طرابلس، فقد استنفرت قواتها المشاركة في عملية "البنيان المرصوص" في سرت وبدأت عمليات لتمشيط مناطق شرق سرت قرب النوفلية وبن جواد وهراوة خصوصاً مناطق سلطان والوادي الأحمر وأم القنديل، كما أغلقت الجناح الشرقي لطريق سرت من على مسافة 20كم عن المدينة، وأرسلت تعزيزات من الكتيبة 124 من مصراتة إلى منطقتي أبو زاهية وبوابة 17، وهذا ترافق مع 6 غارات نفذتها المقاتلات الأمريكية على موقع تدريب لتنظيم داعش يقع على بعد 240كم جنوبي شرق سرت. في ما يتعلق بالحدود دفع المجلس العسكري بمدينة نالوت غربي البلاد بوحدات من الكتيبة 344 إلى الحدود مع تونس والجزائر لضبط الحدود تزامنا مع تعزيزات من الجانب الجزائرى وصلت إلى الحدود وتكثيف للدوريات الجوية والبرية لمراقبة المناطق الحدودية خصوصاً مناطق سيطرة الطوارق غربي غات. استمرت خلال هذه الفترة الاشتباكات بين الميليشيات المسلحة في طرابلس خصوصاً في منطقتي الرقيعات وسوق الخميس، كما نشبت معارك طاحنة في مدينة صبراتة في أقصى الشمال الغربي للبلاد بين غرفة عمليات محاربة داعش والكتيبة 48 مشاه على خلفيات عديدة تتعلق بالتهريب ونشاط داعش في هذا النطاق، يحاول الجيش الوطني الليبي التدخل في هذا النزاع بعدة طرق تمهيداً لبسط السيطرة على المدينة التي تعد هي ومدينة زوارة أخر النقاط التي تفصل بين مدينة الزاوية التي يسيطر عليها الجيش الوطني والحدود التونسية. بشكل عام أثرت الاشتباكات المتقطعة في عدة مناطق بشمال ليبيا على عمليات استخراج وتكرير النفط خصوصاً في حقول الشرارة والحمادة والفيل.

 

على المستوى السياسي، شهدت هذه الفترة زيارات مهمة من والى ليبيا، كان على رأسها وزير الداخلية الايطالي إلى بنغازي ولقاؤه مع قائد الجيش الوطني الليبي، وهي زيارة قام قائد الجيش بالرد عليها منذ أيام بزيارته المهمة إلى روما ولقاؤه مع وزيرة الدفاع ووزير الخارجية وعدة قيادات أمنية ايطالية، هذه الزيارات تدور في فلك المحاولة الايطالية للتخفيف من آثار تموضعها الحالي في ليبيا والتفاوض مع الجيش الليبي لتحسين العلاقات الحالية. سبق هذه الزيارة زيارة مهمة لحفتر إلى تونس. في ما يتعلق بحكومة الوفاق في طرابلس، فقد زار رئيسها خلال هذه الفترة السودان، والتقي في نيويورك مع وزير الخارجية الإماراتي بالتزامن مع لقاء لوزير خارجيته مع وزير الخارجية الجزائري. سبق هذه اللقاءات زيارتين لوزيري الخارجية الفرنسي والبريطاني إلى طرابلس، وزيارة لوفد عسكري تابع لطرابلس إلى قطر أجرى فيها لقاءات مع ضباط من رئاسة الأركان القطرية.