ماذا لو انتقلت إيران من الدفاع إلى الهجوم؟

لم تمضِ ساعات قليلة على بدء التظاهرات المحدودة في إيران قبل أسابيع حتى كانت جهات محسوبة على وسائل إعلامية تابعة للمعارضة السورية تخصص حيّزاً من محتواها لـ"ربيع إيران".

كان الحرس الثوري لا يتوانى عن التهديد العلني وصولاً حتى إلى التنفيذ
كان الحرس الثوري لا يتوانى عن التهديد العلني وصولاً حتى إلى التنفيذ

تبين أن بعض هذه الجهات ممّن تتبع لقنوات تلفزيونية تبث من دول خليجية (غير السعودية) كانت قد جهزّت مسبقاً فرقاً تتقن الفارسية للتعامل مع الحدث الإيراني.

بغض النظر عن كل المواقف الرسمية الصادرة من طهران حول مؤامرة الخارج عبر الداخل، فإن الجهوزية السريعة للجهات أعلاه تؤكد بما لا يدع مجالاً للشكّ أنهم كانوا يرصدون ما سيحصل؛ إن لم نقل إنهم كانوا من المخططين له.

ومع انتهاء الاحتجاجات المحدودة بعد أيام، ظلت تنسيقيات المسلحين في سوريا تواكب الحدث الإيراني وكأنه لا يزال قائماً!

احتوت طهران الاحتجاجات، واتخذ الملف حيّزًا واسعاً من النقاش في الإعلام الإقليمي والدولي للأسابيع القليلة الماضية.

وعلى الرغم من أن السلطات الإيرانية كانت واضحةً في اتهام الثالوث الأمني الدولي بافتعال وإدارة أعمال الشغب، إلا أن الإتهام للسعودية كان له طعم خاص. لقد وقع محمد بن سلمان في خطأ استراتيجي حينما أعلن في مقابلته التلفزيونية الشهيرة قبل اشهر أنه سينقل المعركة إلى ايران. لقد فهم الإيرانيون آنذاك الرسالة وكانوا يتوقعونها. طريقة احتواء ما حصل يؤكد أن السلطات كانت تنتظر سيناريو مشابها.

لم تنته المواجهة بعد. لقد أنشأت وكالة الاستخبارات الأميركية إدارة خاصة مهمتها "زيادة الضغط الشعبي على النظام في إيران"، كما كشفت مجلة "ناشيونال انترست" مؤخراً.

مراكز الدراسات في الولايات المتحدة تتسابق في تأكيد أن "انتفاضة إيران لن تموت".

بالتوازي، بلغت ميزانية جهاز الموساد الإسرائيلي للعام 2018 رقماً قياسياً، فـ"حملة العلاقات العامة" التي بدأها الجهاز  مع بدء ولاية رئيسه الجديد انتقلت إلى مرحلة البيع بعد تأمين الزبائن العرب.

أكد رئيس الأركان الإسرائيلي "غادي ايزنكوت" دخول السياسة الإسرائيلية – العربية إزاء إيران مرحلة التنفيذ في محاضرته الأخيرة في "هرتزيليا".

تنشط دوائر الحكم في تل أبيب في الأيام الأخيرة في الحديث حول الخطر الإيراني بوضوح. لكن، مهلًا قليلًا. إلى أي مدى يمكن إعتبار التهديد لإيران حيوياً ومصيرياً؟

يشير الون بن دايفيد، المعروف بقربه من المؤسسة العسكرية، في مقالته في "معاريف" البارحة إلى أنه للمرة الأولى "عُقد في بداية هذا الشهر اجتماع في مقر قيادة الموساد، ضمّ كبار مسؤولي الجهاز وكبار ضباط الجيش الإسرائيلي بهدف صوغ الاستراتيجية التي ينبغي ان يعمل بها وفقا لكلا الجهازين ضد ايران".

اللافت في تقرير بن دايفيد، الذكي والواقعي، قوله إنّ "على إسرائيل أن تحذر في المسائل التي تخصها، حتى لا تجد نفسها وحيدة أمام ايران". يختم بن دايفيد مقالته بعبارة شديدة الدلالة: "ليس من الصحيح أن تكون إسرائيل رأس الحربة العالمية ضد إيران، لأنه عندما يتحرر السهم ويصيب الهدف، فانه ليس هو وحده من يتألم".

في طهران، يمكن تلمّس وجود تحول نوعي في مقاربة الصراع. في السابق، كان الحرس الثوري لا يتوانى عن التهديد العلني وصولاً حتى إلى التنفيذ (كما حصل في الضربات الصاروخية الشهيرة على مقرات المسلحين في سوريا). اليوم يدرك الإيرانيون جيدا أن السيناريو الأخير كان بداية لمسلسل طويل جارٍ العمل عليه، ولكنهم هذه المرة يتحدثون بوضوح عن حاجة لتغيير الأسلوب.

أسلوب لا يلامس حد القاعدة الذهبية "الهجوم خير وسيلة للدفاع"، لكنه يتقدم خطوة غير مسبوقة نحوها. و في ظل زحمة "الاتهامات" الإقليمية والدولية لإيران بالمسؤولية عن إدارة الكثير من مفاصل الصراع في الشرق الأوسط، لن تجد طهران حرجا في تأكيد ما هو غير واقعي بالضرورة الآن.

بإمكان إسرائيل أن تتباهى بتحالفاتها العلنية قريباً، لكن على العقل السياسي فيها وواشنطن من ورائها أن يدركا أن إلإيرانيين أمهر في زراعة الفستق من حياكتهم للسجاد !

وزراعة الفستق لمن لا يعلم تحتاج، فضلاً عن الصبر، إلى استثمارات بعيدة الأمد و"تناوباً" في الإنتاج.