المرأة الأفغانية وأميركا.. أفغانستان لم تخلع البرقع الأزرق

المرأة الأفغانية تصدرت قائمة أهداف الإدارة الأميركية إبان غزوها أفغانستان، ورفعت واشنطن شعار تحريرها من ظلم حركة طالبان، فهل فعلاً جنت الأفغانيات ثمار الحرية تحت ظلال الاحتلال؟ وكيف صمدت ثقافة "البرقع" أمام طائرات أميركا وصواريخها؟

  • المرأة الأفغانية وأميركا.. أفغانستان لم تخلع البرقع الأزرق
    المرأة الأفغانية وأميركا.. أفغانستان لم تخلع البرقع الأزرق

ليس أمراً سهلاً أن تضع على رأسك قطعة قماش محكمة وثقيلة، وأن تنظر إلى العالم من وراء شبكة، قطعة زرقاء تغطي كامل جسد المرأة، وتطوقه من الرأس إلى أخمص القدمين، تحت "البرقع الأفغاني" حُجِبَت كل المفاتن الأنثوية عن أنظار الأجنبي، باستثناء عين المحتل الأميركي التي كانت ترصد وتبحث عن مادة تستثمر فيها لتلميع صورته. 

نساء كابول.. والزائرة الاستثنائية

طائرة أميركية خاصة تحط في مطار كابول أواخر آذار/مارس عام 2005، زائرة استثنائية تصل إلى أفغانستان، هدف زيارتها المعلن دعم حقوق المرأة الأفغانية وتحسين وضعها، هذه الزائرة لم تكن رئيسة جمعية حقوقية أو متطوعة في منظمة إنسانية، بل كانت السيدة الأولى لأميركا. 

إنها لورا بوش زوجة جورج بوش الابن التي بررت غزو أفغانستان عام 2001، بالقول: "بعد عدة سنوات أمضتها النساء الأفغانيات كسجينات في بيوت رجال طالبان، عادت المرأة الأفغانية إلى العمل، وأصبحنا نشاهدها تشارك في الأولمبياد وهي تلبس بنطالاً وقميصاً طويلاً وتمارس حقها في الحرية".

حملة إعلامية ضخمة سبقت الغزو الأميركي واستعرت بعده، حاولت واشنطن استغلال قضية اضطهاد المرأة كإحدى ذرائع تبرير العدوان، وسلطت الأضواء على واقعها، وسخرت لغاياتها الاستعمارية كل وسائل الإمكانيات والوسائل، وأغرقت أغلفة المجلات والشاشات بمشاهد الأفغانيات وهنّ يشاركن في مسابقات الجمال أو الأولمبياد أو الانتخابات، وأوهمت العالم بأن الوجود الأميركي سيكون بوابة عبور المرأة الأفغانية من جحيم طالبان إلى فردوسٍ من الحريات والحقوق.

في أفغانستان لا يمكن أن يكون الأمر سهل المنال، التركيبة المجتمعية المعقدة لهذا الشعب، سطوة التقاليد والموروثات، نفوذ القبائل، تداخل الدين مع الأعراف وتفوقها عليه أحياناً. لم تكن المهمة الأميركية سهلة، اختلطت الأمور كثيراً على واشنطن في الساحة الأفغانية بين الثقافة والسياسية، بين البرقع وطالبان، تلاشت التوقعات بأن تخلع المرأة الأفغانية برقعها بعد سقوط الحركة وانسحابها، وأن تستبدل أسمالها ببنطال "جينز"، وأن تكشف عن سرتها وترتدي التنانير القصيرة، لم تكن حركة طالبان هي المؤثر الأساس في ثقافة اللباس الأفغاني، وإنما عوامل تاريخية، ودينية، وثقافية، وحتى جغرافية. 

أفغانستان.. لم تخلع "البرقع"

صَمَد البرقع، خصوصية اللباس والهوية، ثقافة الشعوب، وهزمت أميركا، فكيف حدث ذلك؟

الإجابة وثقتها صحيفة "الأوبسيرفر" البريطانية عام 2014، أيّ بعد 13 عاماً على الاحتلال الأميركي، في إحدى المقالات تصف الصحيفة الحملة الإعلامية التي روجت لها الإدارة الأميركية لتحرير المرأة الأفغانية من ظلم طالبان بالكذبة الكبيرة، مؤكدة أن التغيير الظاهري لم يتخط حدود العاصمة كابول، بينما الواقع في باقي المدن والأرياف كان مغايراً. 

الصحيفة قالت أيضاً إن "الاحتلال الأميركي ادعى بأنه سيجلب الحرية لنساء أفغانستان، إلا أن النساء حتى الآن يعشن في بؤس، وأحياناً يكون السجن هو المكان الأكثر أماناً لهن"، وأضافت "الأوبسيرفر" أن "اعتقاد الأميركيين بأنهم حرروا المرأة الأفغانية خاطئ، فالغالبية العظمى من الأفغانيات لا زلن يرتدين الحجاب الإسلامي "البرقع" ذا اللون الأزرق".

ويتابع مراسلها في أفغانستان قوله: "إنه من شبه المستحيل رؤية امرأة أفغانية تمشي في شوارع المدينة من دون لبس البرقع. مشيراً إلى أن الاعتقاد السابق بأن نظام طالبان كان يفرض على النساء لبس البرقع، ويجبرهن عليه، هو اعتقاد خاطئ، وأن دليل ذلك أن النساء إلى الآن يرتدينه في كل مكان".

ليس خافياً على أحد أنَّ الحركات النسوية التي شهدت طفرة لافتة ومريبة في السنوات الماضية، لا تتلقى الدعم الأميركي لنصرة المرأة في أفغانستان أو في أي دولة آخرى  ولا دفاعاً عن حقوقها كما تدعي واشنطن، بل لتمرير مصالحها وهو ما عبرت عنه بكل وضوح، إليزابيث تشيني، ابنة نائب الرئيس الأميركي الأسبق ديك تشيني قائلة: "إن النساء هنّ أهم وسيلة لإحداث تغييرات في المنطقة".

المرأة والاحتلال.. حقوق على ورق

بعد انسحابها من أفغانستان، استأنفت واشنطن استثمارها في ملف المرأة الافغانية وحقوقها، وبين ليلة وضحاها عادت المرأة لتكون محط اهتمام وسائل الإعلام الغربي، وبدأت الدعاية الأميركية تذرف الدموع وتتحسر على مكاسب ستهدر في زمن طالبان الجديد، لا يمكن لأحد أن ينكر أن الأفغانيات خلال فترة حكم الحركة عشنَ أحلك الأيام، وفرضت عليهنّ قيوداً وعوائق، وطبقت بحقهن أحكاماً جائرة بعيدة كل البعد عن الشريعة الإسلامية، ولا يمكن لأحد أن يرى تفسيراً لمشاهد الهلع التي عاشتها كابول لحظة دخول عناصر طالبان، إلا بسبب الذكريات القاسية التي تجرع مرارتها الشعب الأفغاني خلال فترة حكم الحركة من عام 1996 إلى عام 2001، ولا يوجد تفسير منطقي للزحف البشري باتجاه  مطار"حامد كرزاي" من أجل الفرار بعيداً إلا الخوف من عقاب الحركة.

ولكن ما هي المكاسب التي حققتها المرأة الأفغانية تحت سقف الاحتلال؟ 

عام 2002، وقّع الرئيس الأفغاني السابق حامد كرزاي “إعلان الحقوق الأساسية للنساء الأفغانيات”، واعداً إياهن بالحقوق المدنية وفرص التعليم والعمل، واختيار ملابسهن، وتطوير قدراتهنّ، لكن كل هذا بقيَّ حبراً على ورق، أو أقله اقتصر على نسبة قليلة من الأفغانيات لا تتخطى الـ10%، فالمشهد بعد 20 عاماً من الغزو الأميركي تزدحم فيه عناوين الاضطهاد والعنف والحرمان بحق النساء، ويؤكد أن حقوق المرأة الأفغانية لم تكن يوماً مدرجة على الأجندة الأميركية وضمن أولوياتها، وإنما استخدمت كذريعة إضافية للحرب، لتنال واشنطن موطئ قدم في وسط آسيا، ولعل تصريحات الرئيس الأميركي جو بايدن هي أكبر دليل على ذلك، وأكثرها وضوحاً وصراحةً: "مهمتنا في أفغانستان لم تكن بناء دولة".

من المبكر جداً تقديم قراءة دقيقة لما ستؤول إليه الأمور خلال المرحلة المقبلة في هذا البلد الآسيوي، ومن المبكر أيضاً تقييم تجربة طالبان بحلتها الجديدة، والإجابة عمّا إذا كانت ستعود إلى ممارساتها السابقة، وإلى أي حد ستلتزم بما أعلنه المتحدث باسمها ذبيح الله مجاهد، تحديداً فيما يتعلق بالمرأة، المشهد الأفغاني لا يزال ضبابياً، والمستقبل مجهول يكتنفه الغموض، لكن الواضح والمؤكد أن الدعاية الغربية التي تدعي الدفاع عن حقوق المرأة الأفغانية ليست بريئة، فهي نفسها التي تحاول أن تحجب حقيقة أن 70% من ضحايا الغارات الأميركية في أفغانستان كانوا أطفالاً ونساء، وأن معدل الأمية عند الأفغانيات هو الأعلى عالمياً، وأن نسبة جرائم الاغتصاب والتحرش والتعنيف وزواج القاصرات ارتفعت خلال العقدين الماضيين، وأن كل الشعارات التي رفعتها أميركا كانت وهماً لا أكثر.