الجبهة الشمالية لإسرائيل ما بعد الاتفاق النووي

للوهلة الأولى، ليس هناك من تداعيات مباشرة محتملة لانسحاب واشنطن من الاتفاق النووي على الوضع القائم في المنطقة عسكرياً، خاصة وأن جغرافيا الصراع حالياً تتركز في سوريا، وليس هناك مصلحة أو حاجة لدى أي من الأطراف بتوسيع نطاقها. لكن العامل الواجب دراسته هو نظرية "معركة بين الحروب" ومدى صمود هذه النظرية إن صح التعبير أمام التطورات المتسارعة في المنطقة.

الحديث عن شكل الصراع في المنطقة يعود مجدداً بعد خروج ترامب من الإتفاق النووي
الحديث عن شكل الصراع في المنطقة يعود مجدداً بعد خروج ترامب من الإتفاق النووي

أما وقد خرج دونالد ترامب من الاتفاق النووي، عاد الحديث مجدداً عن شكل الصراع في المنطقة، مع ارتفاع لمنسوب حديث الحرب.

الحديث عن علاقة مباشرة بين الاتفاق النووي والوضع العسكري في المنطقة بحاجة إلى تدقيق ومراجعة زمنية، فنحن نعلم أن الاتفاق النووي حين خرج إلى العلن شكّل مفاجأة نسبياً للرأي العام العالمي. في تلك المرحلة، كان السياق العام يشي في الإعلام بأن الأمور تتجه نحو مواجهة عسكرية إقليمية، لكن ذلك لم يحصل، وسرعان ما انطفأ حديث الحرب بمياه الكؤوس المتبادلة على طاولة المفاوضات في فيينا.

حالياً، يجب التوقف عند تصريحات فريق الرئيس الأميركي دونالد ترامب والتي تشي بأن ترامب يأمل بالتفاوض مجدداً على الاتفاق في سبيل الحصول على شروط أفضل تتعلق على الأرجح بملفات المنطقة وليس بالملف النووي نفسه.

غير أن إيران قررت منذ اليوم الأول لفتح قناة التفاوض الخلفية حول ملفها النووي أن تفصل ما بين هذا الملف وبقية ملفات المنطقة، باعتبار أن الحق النووي في الحصول على التقنية لأغراض سلمية حق غير قابل للتفاوض، كما أن إدراجه في سلة واحدة مع ملفات سياسية إقليمية أو دولية يعني تعقيد المسألة والقفز فوق حق طهران ومساومتها عليه.

للوهلة الأولى، ليس هناك من تداعيات مباشرة محتملة لانسحاب واشنطن من الاتفاق النووي على الوضع القائم في المنطقة عسكرياً، خاصة وأن جغرافيا الصراع حالياً تتركز في سوريا، وليس هناك مصلحة أو حاجة لدى أي من الأطراف بتوسيع نطاقها.

لكن العامل الواجب دراسته هو نظرية "معركة بين الحروب" ومدى صمود هذه النظرية إن صح التعبير أمام التطورات المتسارعة في المنطقة.

للإجابة عن هذا السؤال علينا العودة قليلاً بالزمن لفهم سياق تطور نظرية "معركة بين الحروب".

بعد حرب تموز 2006، ركزّ تقرير فينوغراد، كما التقارير الأخرى الإسرائيلية المتعلقة بدراسة الحرب، على أن أي حرب مقبلة يجب أن تلحظ حسماً "سريعاً وواضحاً"، بعد ضمان جهوزية الجيش لتحقيق الأهداف التي يضعها المستوى السياسي.

هذا السقف رسم على مدار السنوات التالية حدود العقل الإسرائيلي فيما يخص المواجهة مع حزب الله تحديداً.

وحين بدأت الحرب السورية، كان على إسرائيل البحث عن حل تستطيع من خلاله "المناورة تحت سقف الحرب"، خاصة في ظل خشيتها من وصول أسلحة كاسرة لتوازن الردع إلى حزب الله.

لذا تحدثت التقارير الإسرائيلية منذ أيار/مايو 2013 عما أسمته قانون "التبعات غير المقصودة"، وهو إشارة إلى ضرورة تحرك الجيش الإسرائيلي عند الحاجة بطريقة موضعية من دون الذهاب إلى حرب واسعة.

حتى الساعة، لا تزال إسرائيل ملتزمة بنظرية "معركة بين الحروب"، لكن اللافت في العام المنصرم أن حركة سلاح الجو الإسرائيلي تشي بأن هناك تفكيراً بتطبيق النظرية على الأراضي اللبنانية. مع الإشارة إلى أن قائد سلاح الجو الإسرائيلي الحالي عميكم نوركن يعتبر أن عقيدة "معركة بين الحروب" تصف بدقّة شكل الاستراتيجية الإسرائيلية في هذه المرحلة، بل هو يعتقد أن "التأثير التراكمي لعملياتها يمنع قيام الحرب المقبلة".

الإشكالية في استمرار إسرائيل في اعتناق هذه العقيدة تتمثل في مستوى الرد عليها، كما حصل مؤخراً عند تفعيل أنظمة الدفاع الجوي السورية. أي أن الاستمرار بنظرية "معركة بين الحروب" يتعلق بقدرة إسرائيل على تحمل تبعات هذه النظرية في حال تصاعد الرد عليها. وهنا لا بد من الإشارة إلى مسألة هامة تتعلق بالتحذير الدائم من أن الجبهة الداخلية الإسرائيلية غير مستعدة بعدُ للحرب عند كل مفصل أو غارة إسرائيلية في الأراضي السورية.

لا يمكن الجزم بكيفية سير الأمور، لكن السياق الحالي سيفرض على إسرائيل البحث عن نظرية أخرى إذا ما أرادت تجنب الانجرار إلى حرب.

غير أن التقديرات الإسرائيلية تتقاطع حول نتيجة مفادها أن أي حرب مقبلة ستكون "متدحرجة"، بمعنى أن حدثاً ما، قد يكون صغيراً للوهلة الأولى، قد يؤدي إلى ردود أفعال وردود أفعال مضادة لتجد تل أبيب نفسها وسط حرب شاملة.

في هذه المرحلة هناك عنوان رئيسي تقول إسرائيل أنها لن تسمح به ويتعلق بـ"وجود قاعدة إيرانية في فنائها الخلفي". في ما يخص هذه المسألة، لا يمكن لإسرائيل أن تتصرف بمفردها إزاء إيران.

والإجابة عن هذا السؤال تتطلب دراسة ما يجول في عقل الرئيس الأميركي أولًا. وهذا أمر يصعب توقعه أو الخروج منه بأجوبة جازمة.

ولئن كان سياق المواجهة في المنطقة يدل على الصدام النهائي منذ اليوم الأول للحرب السورية، فإن تقدير الموقف في الشرق الأوسط يرتبط في كثير من الأحيان بمفاجآت من خارج دائرة الحسابات.