"صدمة" زياد الدويري مستمرة

بالعودة إلى الحديث الذي نفى الدويري أن يكون أدلى به رغم أنه منشور! يرد في الفقرة الأخيرة منه ما يشير إلى أن صاحب "west Beirut" كان يعلم أنه يتحدث إلى صحافي إسرائيلي مع علمه المسبق بهويته. يقول الدويري "أنا لا افهم لماذا السياسيون الإسرائيليون تعاملوا معي على هذا النحو. وزيرة الثقافة عندكم قالت إن الفيلم عار وإنه لا يمثل الدولة..".

"الصدمة".. تبدأ كبيرة كفيلم ثم نعتاد عليها كمسلسل

نفى زياد الدويري أن يكون أدلى بأي حديث لصحيفة إسرائيلية. لماذا هذه الضجة ضده إذاً؟

في بيانه المقتضب حول ما أثير عن مقابلة أجراها معه مراسل "يديعوت أحرنوت" ونشرت فعلاً، لا تزييفاً ولا تهمة، في الصحيفة الإسرائيلية ثمة جملة ملتبسة يوردها البيان.  يقول الدويري في بيانه "عند عرض فيلمي قضية رقم 23 في الولايات المتحدة، في الفترة السابقة لحفل توزيع جوائز الأوسكار، كان يوجد زحمة صحافيين، لكنني لم أعطِ بعلمي ومعرفتي أيّ حديث لصحيفة إسرائيلية". هل يعني ذلك أنه قد يكون أعطى بغير علمه ومعرفته حديثاً للصحيفة؟

يعرف زياد الجواب من دون شك. وإذا كان لا يعرفه فليس من الصعب الوصول إليه. نقترح عليه مثلاً أن يكون ذلك عن طريق وسيط أميركي أو محام أو عن طريق زملائه الإسرائيليين الذين عملوا معه خلال إنتاج فيلمه "الصدمة" في تل أبيب. لم يشرح الدويري في بيانه كيف نُشر الحديث في الصحيفة الإسرائيلية ولم ينف أساس وجوده ولم يدّع على الصحيفة أو على الصحافي إذا صحّ أن المقابلة ملفقة أو مختلقة أو fake news كما سماها على صفحته على الفايس بوك.

هل مضطر زياد إلى ذلك؟ لماذا يا أصحاب "القضية 48" لا تكتفون بذلك البيان؟

ليس زياد أي شخص. هو أولاً يحمل الجنسية اللبنانية ويخضع للقانون اللبناني. ثانياً، هو مطالب بأن يوضح الحقيقة الكاملة لما جرى أقله أمام جمهور لبناني وعربي يكنّ له شيئاً من الاحترام، وآخر يبدو حائراً في أن يصدق أو لا يصدق الاتهامات والالتباسات المحيطة بصاحب "القضية 23".

في الواقع زياد مضطر إلى ذلك إذا كان ذلك يعنيه، أو إذا كان لا يزال بعد مقتنعاً بطبيعة إسرائيل العدوانية وأساس تكوينها العنصري الاستعماري. قناعة من هذا النوع تلزم أصحابها بالمقاطعة أو على الأقل بقولة حق. وهذا حال الملايين من غير العرب ومن غير المسلمين في بلاد الغرب وأميركا اللاتينية وغيرها.

تخلى زياد عن المقاطعة مذ قرر تصوير فيلم "الصدمة" في تل أبيب. أما مواقفه النبيلة والإنسانية حول القضية الفلسطينية فلم نجد لها طريقاً إلى الإعلام. هل هو مجدداً مضطر إلى إعلان هذه المواقف؟ زياد ليس مضطراً إلى أي شيء، كما أن الإعلام ليس مضطراً هو الآخر إلى مسايرته، باستثناء بعض من حاول ويحاول تلميعه وتسويقه ودائماً تحت حجة "الفن والإبداع وفخر الوطن في المحافل الدولية".

زياد "جسمه لبيس" كما يُقال في المثل اللبناني الدارج. ذلك يعني أن "اتهامه" لم يأت صدفة ولا تحاملاً، بل يستند إلى سوابق، وهو بناء على تلك السوابق يحمل إمكان التصديق والمصداقية. فالمقابلة التي يصرّ زياد على نفي إجرائها ليست الأولى من نوعها. منذ عام 2011 أدلى الدويري بأحاديث عدة إلى الصحافة العبرية المكتوبة وتلفزيون العدوّ. واحدة منها في صحيفة "تايمز أوف إسرائيل". كما شارك عام 2013، في "مهرجان القدس السينمائي الدولي" الإسرائيلي، عبر "سكايب"، في مناسبة الاحتفال بفيلمه "الصدمة".

ومن المفيد هنا العودة إلى "الصدمة". كأنما أراد زياد حرف النقاش والانزياح عن أصل المشكلة في تبرير قراره المتعلق بالتصوير في إسرائيل. أسبغ ذلك القرار بحجة فنية وأحاله إلى سبب مهني بحت. اعتبر أن ما يبرر القرار أن قصة الفيلم تجري في تل أبيب فلا يجوز تصويرها في مدينة أخرى. هذا برأيه يعطي "الصدمة" بعداً واقعياً يحترم عقولنا كمشاهدين ما ينسجم مع البعد السردي.

وبمعزل عن ضعف هذه النظرية فنياً وما يمكن أن تنجزه التقنيات الحديثة من إنشاء مدن بكاملها، وبمعزل عن تعاونه مع منتج منفذ إسرائيلي وطاقم وممثلين إسرائيليين، وبمعزل عن تنسيقه مع السلطات الإسرائيلية في تسهيل هذه الإجراءات، تبقى المشكلة الأساسية في سيناريو الفيلم. اختيار القصة من وحي رواية فرنكوفونية صاحبها جزائري الأصل. وحدها هذه الرواية ألهمت المبدع اللبناني من بين آلاف الروايات. وحدها الكفيلة باستعراض "الإرهاب" الفلسطيني الذي يطغى في الفيلم على إرهاب الإسرائيليين ويأخذ حيزاً أكبر في الفيلم.

بالعودة إلى التقرير الذي نفى الدويري أن يكون أدلى به رغم أنه منشور! يرد في الفقرة الأخيرة منه ما يشير إلى أن صاحب "west Beirut" كان يعلم أنه يتحدث إلى صحافي إسرائيلي مع علمه المسبق بهويته.

يقول الدويري "أنا لا افهم لماذا السياسيون الإسرائيليون تعاملوا معي على هذا النحو. وزيرة الثقافة عندكم قالت إن الفيلم عار وإنه لا يمثل الدولة..".