الجمعيات والمنظمات "الإنسانية" في مناطق خارج سيطرة الدولة السورية

لطالما كان الدور البريطاني مخفيّاً للعلن في دعم الحرب على سوريا خلال السبعة أعوام الماضية خاصّةً قبيل معركة تحرير حلب، لكن بعد تحرير المدينة تكشّفت بعض الخفايا عن الدور الأميركي والبريطاني والفرنسي إضافة للدور التركي والخليجي، من خلال دعم الجماعات المسلحة بالأسلحة والعتاد والدعم اللوجستي عن طريق إنشاء منظمات وجمعيات "إنسانية" للإغاثة أو ما يطلق عليها "NGO" المنظمات والجمعيات غير حكومية.

أبرز هذه المنظمات هي الخوذ البيضاء أو ما يعرفّونه بـ (الدفاع المدني) والتي أنشئت من قبل ضابط الاستخبارات العسكرية البريطانية السابق جيمس لي ميجر وبدعم كبير من بريطانيا وأميركا وفرنسا، والتي تعمل ضمن سياسة تمهيد التدخل العسكري ضد سوريا. 

البحث يطول حول هذه المنظمة لكن هنا نريد التطرق إلى الجمعيات الأخرى التي تعمل مع هذه المنظمة وداعميها. أشهر هذه المنظمات هي سامز الأميركية (Sams) والجمعية السورية الخيرية الفرنسية (Syria charity) ومنظمة الإغاثة الاسلامية "Islamic Relief". وتدعي هذه المنظمات بالعمل وفق مبادئ الصليب الأحمر الصادرة بجنيف عام 1949 وهي (الإنسانية، عدم التحيز، الحيادية، الاستقلال). ولو قمنا بتقييم تصرفات أعضاء وعناصر هذه المنظمات في سوريا لما شملت هذه المبادئ. مثلاً في حلب وأثناء سيطرة الجماعات المسلحة على الأحياء الشرقية، كان هناك تمييز في التعامل أو الرعاية الصحية والإغاثية. عندما سألنا أهالي الأحياء الشرقية كان هناك إجماع على أن الإغاثات والدعم الذي يصل إلى هذه الجمعيات لا يوزع إلا من يتوافق مع سياسة الفصائل المسلحة المسيطرة على حلب والمطالبة بتغيير نظام الحكم في البلاد.

وعن الحيادية، فلم نسمع تقريراً واحداً من قبل هذه المنظمات يدين جرائم الفصائل المسلحة خلال سبعة أعوام بالرغم من وجود إثباتات على جرائم المسلحين في حلب منها القتل ورشق التهم على أهالي المدينة واتهامهم بجنحة الولاء للدولة السورية أو ما يسمّونه "شبّيح".

أما الاستقلال، فجميع هذه المنظمات مدعومة من الخارج ومن دول كبرى كأميركا وبريطانيا، حتى أنها تنشط في مناظق خاضعة لسيطرة القاعدة كجبهة النصرة، مشفى الصاخور أو ما يطلقون عليه بالرمز (M10) يقع ضمن مربع أمني لا يسمح لأي مدني بالوصول إليه سوى المقربين من القاعدة والمسلحين. بحسب شهادات أبناء الحي، المشفى مدعوم من أميركا وبريطانيا وفرنسا وبجانبه مقر لجبهة النصرة وكتائب نصر الإسلامية وأحرار الشام إضافة إلى مقر للخوذ البيضاء، وحتى أن المشفى كان يستطبّ فيه مقاتلون أجانب. أثناء البحث بعد خروج المسلحين، عثرنا على وثائق تحمل أسماء مقاتلين أجانب أصيبوا في معارك مع الجيش ودخلوا المشفى.

الجرّاح جاك بيريز في مشفى M10

الجراح الفرنسي جاك بيريز كان من ضمن الطاقم الطبي الذي كان يعمل بداية الأحداث في مشفى M10 أحد مؤسسي منظمة أطباء بلا حدود، صرّح بأن هناك جهاديّين ينضمّون للقتال في حلب لإقامة دولة إسلامية، وأيضا ذكر أنه كان يعالح مقاتلين جرحى معظمهم إسلاميين راديكاليين جاؤوا من خارج البلاد للقتال في سوريا.

 

الوثائق التي وجدت داخل المشفى تبيّن الدور البريطاني في دعم مشفى M10، كالجمعية الطبية البريطانية السورية (SBMS) ومنظمة سيريا ريليف، إضافة إلى اتحاد المنظمات (UOSSM) الفرنسية الذي يرأسه البروفوسور بيتي، إضافة الى منظمة SAMS الأميركية والهلال الأحمر القطري. جميعهم شركاء في تقديم الدعم والعناية الطبية للمسلحين والإرهابيين.

 

التقارير التي كانت تصدر من هذا المشفى كانت موجهة بشكل كبير إلى وسائل الإعلام الغربية، حتى أنه تناقلت الوسائل الإعلامية تدميره بشكل كامل بالرغم بأنه ما زال قائما إلى الان، معضمها تقارير كاذبة. من ضمن الوثائق التي عثرنا عليها هي عن استشهاد مدنيين بتواريخ قديمة قبيل دخول المظاهر المسلحة الى حلب ومكتوب عليها أن سبب الاستشهاد "قصف بالبراميل" المتفجرة.

 

في مدينة حلب عدد الجمعيات التي عملت في مناطق خارج سيطرة الدولة السورية أكثر من 70 جمعية، معظمها تأسست بين عامي 2011 و2013. تأتي بالدرجة الأولى الجمعيات التركية ومن ثم البريطانية والأميركية ومن ثم الخليجية، توصل الدعم الى المسلحين إغاثيا، لذلك أصبح لكل فصيل جمعية أو أكثر تعمل تحت رعايته وحمايته .

الكثير من التجاوزات سجلتها هذه المنظمات بعيدا عن الرقابة الدولية وبسط النظام. مؤخرا أصدرت صحيفة الصاندي تايمز عن إغاثي سوري يقوم بابتزاز النساء السوريّات الفقيرات جنسيّاً للحصول على مساعدات. وذكر التقرير أن المساعدات يتبرع بها بريطانيّون عبر منظمة بريطانية “SKT”، المسجلة في بريطانيا ومقرها ديوسيري، وزعت المساعدات كالملابس عن طريق منظمة غير حكومية اسمها "الأحباب" والتي يديرها المدعو أيمن الشعّار، والذي يعمل في مدينة الاتارب بريف حلب الغربي. تقول الصحيفة أنها اطلعت على سلسلة من رسائل نصية لأيمن الشعار، الموظف في مجال المساعدات الإنسانية في ريف حلب الغربي، يطلب فيها من نساء إرسال صور عارية له مقابل حصولهن على سلال مساعدات غذائية، وتشير إلى أن بعض النساء وافقن على ذلك بعد مساومة على كمية المواد الغذائية المقدمة، ورفض البعض فلم يحصلن على المساعدات الإنسانية، وهن في معظمهن من الأرامل، بحسب تقرير الصحيفة. منظمة "SKT" نفت للصحيفة علاقتها بالمدعو أيمن، وتشير الصحيفة إلى أنها تلقت أيضاً رسالة من الشعار ينفي فيها أنه طلب خدمات جنسية مقابل المساعدات، وأوضح أن واحدة من النساء المذكورة في الرسائل كانت خطيبته. لكن الصحيفة شددت على أن صورا نشرت على الإنترنت في ديسمبر / كانون الأول الماضي تظهر عاملين من كل من "SKT" و جمعية "الأحباب" يسلمون مساعدات إنسانية حاملين شعار الجمعية الأخيرة.
وتضيف أن احصاءات نشرتها مفوضية المنظمات الخيرية البريطانية تظهر أن دخل منظمة "SKT" في عام 2016 كان 4.4 مليون جنيه استرليني.
وتشير أيضا إلى أن صورا اخرى تظهر الشاعر يعمل بالشراكة مع منظمة الهلال الأحمر القطرية، التي تقول إنها اتصلت بها لكنها لم تستحب لطلبها بالتعليق بهذا الشأن.

 

أيمن الشعار

في معلومات خاصّة للميادين نت فإن أيمن أحمد شعّار أطلق تسمية جميعة الأحباب تيمناً بجماعة الدعوة "المتطرفة" بريف حلب الغربي، وهو مقرّب من أسامة حج بكر، أحد قياديي فيلق الشام في الأتارب، وهم سعوا لإخراجه من السجن بعد اعتقاله من هيئة تحرير الشام "جبهة النصرة سابقا" بتهم الاعتداء الجنسي والتحرش، مقابل فدية قدرها 11 مليون ليرة سورية، بعد أن قامت هيئة تحرير الشام بإعدام اخوته مصطفى، وياسين ومصعب بالتهم نفسها.

ليست هذه المرّة الأولى التي يشتبه بقيام عناصر الإغاثة بتجاوزات أخلاقية، فهناك تقرير نشر قبل أيام في الغارديان البريطانية لمنظمة "انقذوا الأطفال"، قال إن الحكومة البريطانية قد علّقت تمويل المنظمة بعد فضيحة التحرش الجنسي والسلوك غير اللائق من قبل العاملين في القطاع الخيري في عامي 2012 و2015، وأدت هذه الفضيحة الى استقالة مدير المنظمة "آلان باركر". وتعتبر منظمة انقذوا الطفولة “Save the children” من أكبر الجمعيات البريطانية المستفيدة من الحكومة البريطانية، بـ 91 مليون جنيه خلال عام 2016 فقط، وهب تمول من قبل وزارة التنمية البريطانية، ومن أموال الضرائب البريطانية، كباقي المنظمات التي تدعمها بريطانيا في سوريا أيضا عن طريق وزارة التنمية البريطانية.

تندرج وصف المنظمات الغير حكومية NGO  تحت تصنيف "القوة الناعمة"، الذي يوفر أرضية خصبة يمكن أن تستند عليها السياسات الخارجية مثل "التدخل الإنساني"  بشكل مريح في خطاب الجمهور الغربي لتحقيق أهدافه والتي استهدفت مشاريعها "الخيرية" دول مثل  ليبيا، سوريا ،اليمن، العراق وفي السابق  يوغوسلافيا .