ميدانيات مصر: المواجهة الثلاثية مع تركيا

توسعت ميادين المواجهة الإستراتيجية ما بين مصر وتركيا شمالا وجنوباً وغربا، بشكل يعيد الى الأّذهان صراعات دول الشرق الأوسط في الستينيات على النفوذ. الخطوات المصرية في هذه المواجهة تحولت في الشهور الأخيرة من خطوات دفاعية إلى خطوات هجومية، تحاول فيها القاهرة إغلاق المنافذ التي من الممكن ان تنفذ منها تركيا الى المجال الحيوي المصري. منذ اواخر شهر تشرين/ أكتوبر الماضي، أًصبح السودان وليبيا وشرق البحر المتوسط، مناطق دائمة لفعاليات هذه المواجهة المستمرة منذ عام 2013.

الملف الليبي لم يغب عن دائرة الصراع بين القاهرة وأنقرة
الملف الليبي لم يغب عن دائرة الصراع بين القاهرة وأنقرة

في ما يتعلق بالسودان، قاومت القاهرة على مدار شهور طويلة، بعض المحاولات لتوتير العلاقات بينها وبين الخرطوم، وهي محاولات كان بعضها من الداخل السوداني نفسه.

مصر تعي جيداً أهمية السودان لأمنها الإقليمي وحماية مجالها الحيوي الجنوبي، وتفهم جيداً التطورات المتسارعة في العلاقات التركية – السودانية، والتي توجتها الإتفاقية المشتركة بين البلدين حول جزيرة سواكن، والتصاعد الواضح في التعاون العسكري بين البلدين.

لذلك كان واضحاً الحرص المصري على تحسين العلاقات مع الخرطوم، وقد زار الخرطوم الشهر الماضي كل من الرئيس المصري ووزير دفاعه في زيارتين منفصلتين، واستقبلت القاهرة الرئيس السوداني بالتزامن مع زيارة لافتة قام بها وزير الدفاع التركي الى الخرطوم.

تكللت زيارة وزير الدفاع المصري الى الخرطوم بإعلان مشترك عن نيّة تشكيل قوة عسكرية مشتركة مصرية – سودانية لتنفيذ دوريات لمراقبة الحدود ومكافحة الإرهاب.
الملف الليبي لم يغب عن دائرة الصراع بين القاهرة وأنقرة وسددت فيه مصر خلال مؤتمر باليرمو حول ليبيا ضربة خاطفة، بإجبارها الوفد التركي المشارك في المؤتمر على الانسحاب، بعد أن تمّ عقد اجتماع مصغّر في بداية المؤتمر اشترطت مصر عدم حضور الوفد التركي فيه، وكان واضحاً ان مصر ألقت بكامل ثقلها الدبلوماسي في هذا المؤتمر، من أجل إكمال تطويق اية جهود تركية لإعطاء بعض الأطراف الموالية لها في مصراتة وطرابلس هامش لحرية الحركة.
تبقى منطقة شرق المتوسط، وتحديداً نطاق اليونان – قبرص، هي مصدر التركيز المصري الأساسي في هذه المرحلة، للضغط على تركيا في المنطقة الإستراتيجية الأهم بالنسبة لها.

أنقرة بدأت في عمليات التنقيب عن الغاز في منطقتها الاقتصادية المتاخمة للمناطق القبرصية واليونانية والمصرية، معززة بحراسة من سفن البحرية التركية، ومترافقة مع تصريحات للمتحدث بإسم الحكومة التركية، حول رد تركي عنيف إذا ما اتخذت مصر وقبرص واليونان خطوات مشتركة للتنقيب عن الغاز في القطاع السابع المقابل للساحل القبرصي.

مصر من جانبها كان ردها فورياً على هذه التصريحات، بمناورات "ميدوزا-7" المشتركة مع اليونان وقبرص، والتي تمّ إختيار محيط جزيرة كريت الواقعة في بحر أيجة كمسرح لها، وهو بحر يحمل دلالات كبرى في التاريخ التركي.

ترافق ذلك مع توقيع مصر واليونان لإتفاقية شاملة لبرامج التعاون العسكري في البلدين خلال العام القادم، وأتفاقية أخرى مع قبرص خلال زيارة وزير دفاعها الى القاهرة الشهر الماضي، وهو ما يصب في خانة الدعم المصري الكامل والمستمر لليونان وقبرص في المواجهة المتوقعة خلال الأسابيع القادمة بينهما وبين تركيا على خلفية الصراع حول حقوق التنقيب عن الغاز في المنطقة القبرصية، والتي باتت السواحل المحاذية لها مسرحاً لتمركزات دائمة للبحرية التركية. وجدير بالذكر هنا ان البيانات المصورة للجيش المصري حول العملية العسكرية في سيناء، وأخرها البيان رقم 30 الذي صدر أمس، لا تخلو من إشارة الى عمليات القوات البحرية لتأمين المنطقة الإقتصادية المصرية للتنقيب عن الغاز في البحر المتوسط.


عمليات سيناء تتواصل


على المستوى الميداني، تواصلت العمليات العسكرية والأمنية شمالي ووسط سيناء ضمن العملية الشاملة سيناء 2018، وفي هذه المرحلة وضعت القيادة العسكرية للعملية إعادة تطبيع الأوضاع في مدن وقرى شمال ووسط سيناء، وذلك بعد التحسّن الملحوظ في الأوضاع الأمنية بشكل عام خاصة شمالي سيناء.

تقرر فتح ميناء العريش البحري للمرة الأولى بعد إغلاقه لمدة ناهزت العام، وبدأت عدة عمليات لإنشاء مناطق عمرانية جديدة وسط سيناء، وإفتتاح مدارس جديدة أنشأتها القوات المسلحة في عدة مناطق شمالي سيناء، وعادت حركة المسؤولين الحكوميين داخل مدن شمالي سيناء الى طبيعتها، وهذا كان واضحاً في زيارة محافظ شمال سيناء لمناطق عديدة في محيط مدينة الشيخ زويد، لم يزرها اى مسؤول كبير منذ عام 2013.


في ما يتعلق بعمليات الجيش والقوات الأمنية، لوحظ هدوء نسبي في وتيرة العمليات بشكل عام، حيث تم التركيز خلال الفترة من أواخر تشرين/أكتوبر الماضي على العمليات الجوية والخاصة، فنفذت وحدات الأمن الوطني عملية خاصة داخل مدينة العريش، نتج عنها مقتل عشرة عناصر إرهابية، وشنت القوات غارة مماثلة على منطقة قرب جبل الحلال وسط سيناء نتج عنها مقتل عدة قياديين في تنظيم "ولاية سيناء" التابع لداعش.

وخلال هذه الفترة ألقت القوات العسكرية والأمنية القبض على أكثر من 530 مشتبهاً به ومطلوب، وقامت بتدمير وتفكيك 480 عبوة ناسفة، وصادرت 43 سيارة دفع رباعي و120 دراجة نارية، ودمرت 342 مخبأ تحت أرضي، وخمسة أنفاق حدودية.
القوات الجوية نفذّت عدة غارات قرب الحدود الغربية والجنوبية لمصر، لمواجهة عمليات التسلل والتهريب، أسفرت عن تدمير 87 سيارة دفع رباعي، كما تكثفت طلعات المقاتلات والطائرات الهجومية دون طيار شمالي سيناء، وأسفرت عن تدمير عربة دفع رباعي تقل قياديين بتنظيم ولاية سيناء، بالإضافة الى تدمير مخزن تحت أرضي للذخيرة.
العناصر الموالية لتنظيم داعش أستمرت في سياسة إستهداف المدنيين المتعاونين مع القوات العسكرية والأمنية، فقتلت أربعة عمال وأصابت ثلاثة أخرين على الطريق الدائري جنوبي العريش، وقتلت ثلاثة عمال وجرحت عشرة أخرين بعد أستهدافها لشاحنة تقلهم جنوبي العريش، وهم من العاملين في بناء التمركزات العسكرية الجديدة التابعة للجيش.

نفذ التنظيم كذلك عدة محاولات لتفجير عبوات ناسفة في أرتال تحرك القوات العسكرية جنوبي العريش، ونفذ كذلك هجوم انتحاري على نقطة تفتيش جنوبي العريش تم إفشاله وقتل منفذه.

كذلك أختطف التنظيم مقاول تعمل شركته في إنشاء مباني تابعة للجيش جنوبي مدينة بئر العبد، وقام بإعدام شخص في مدينة الشيخ زويد أتهمه بالتعامل مع القوات الأمنية.
أصدر التنظيم خلال الشهر الماضي تسجيلاً دعائياً مصوراً بعد فترة توقف طويلة عن إصدار مثل هذه التسجيلات، ظهر فيه خمسة ضباط سابقين في الجيش والشرطة أنخرطوا في التنظيم في فترة ما بعد عام 2013، وتم في هذا التسجيل تأكيد مقتلهم خلال المعارك مع القوات الأمنية والعسكرية العام الماضي، كذلك تم تأكيد مقتل القائد السابق للتنظيم "أبو أسامة المصري".
خارج سيناء، شهدت منطقة الظهير الصحراوي الغربي المحاذي لصعيد مصر ثلاث عمليات أمنية لقوات الشرطة المصرية، الأولى تمت في منطقة قرب طريق أسيوط / سوهاج نتج عنها مقتل تسعة عناصر تكفيرية، والثانية تمت في مزرعة قرب طريق أسيوط / الفرافرة وقتل فيها 13 تكفيرياً، والثانية تمت على مخبأ في منطقة صحراوية تبعد نحو 60كم جنوبي طريق دشلوط / الفرافرة.

بشكل عام تشهد منطقة الظهير الصحراوي المحاذية للحدود مع ليبيا عمليات مستمرة لقوات الشرطة وحرس الحدود، تركيز على مكافحة عمليات التهريب والهجرة غير الشرعية، وإحباط محاولات تسلل العناصر الإرهابية من الجانب الليبي، خاصة أن بعض هذه العناصر تحاول إثارة قلاقل أمنية في هذه المنطقة، مثل الهجوم على حافلة تقل أقباط قرب دير الأنبا صمويل في محافظة المنيا.


مناورات وتدريبات مكثفة


للشهر الثالث على التوالي، أزدحمت الأجندة العسكرية المصرية بعدد كبير من المناورات والتدريبات، فخلال الأسابيع الماضية، بالإضافة الى مناورات "ميدوزا-7"، نفذت قوات المظلات المصرية التدريب المشترك مع وحدات الإنزال الجوي الروسية "حماة الصداقة 2018"، ويقام هذا التدريب كل عام، وترافق هذه المرة مع إعلان لافت عن مناورات ضخمة تجرى للمرة الأولى بين قوات الدفاع الجوي المصرية والروسية العام القادم. كذلك نفذت وحدات من الجيش المصري تدريب "تبوك-4" المشترك مع القوات السعودية، والتدريب الشامل "العقبة-4" مع القوات الأردنية، وتستضيف حالياً للمرة الأولى تدريبات على عمليات مكافحة الإرهاب لدول مجموعة الساحل والصحراء في قاعدة محمد نجيب العسكرية، تشارك في مرحلتها الأولى قوات خاصة من السودان ومصر وبوركينا فاسو ونيجريا. على مستوى التدريبات الداخلية، نفذت المنطقة العسكرية الغربية التدريب "رعد-29"، وقيادة الدفاع الجوي المصرية تدريب "حماه السماء"، ونفذت وحدات من الجيش الثاني الميداني مشروع مراكز القيادة "بدوي-35". القوات البحرية نفذت خلال هذه الفترة عدة تدريبات عابرة مع قطع بحرية من فرنسا والولايات المتحدة وأيطاليا وبريطانيا.


صفقات ومناقشات تسليحية بالجملة


حصيلة التسليح المصري من معرض "أيديكس 2018" للصناعات العسكرية والدفاعية كانت غزيرة جدا، سواء على مستوى الصفقات الموقعة او العروض المطروحة. الجانب البحري من التسليح شهد منافسة شديدة بين شركة "نافيل جروب" الفرنسية، وشركة "فيكانتيري" الإيطالية، وشركة "تايسن كروب" الألمانية، لتوريد قطع بحرية جديدة للبحرية المصرية.

حيث تبحث قيادة البحرية عن أفضل عرض للتزود بفرقاطات وزوارق صواريخ جديدة، بشروط معينة من بينها توفر إمكانية نقل تكنولوجيا التصنيع الى مصر. شركة"نافيل جروب" الفرنسية وقعت عقد شراكة مع البحرية المصرية لتعزيز التعاون في ما يتعلق بالدعم والتسليح والصيانة للقطع البحرية فرنسية الصنع التي تمتلكها مصر، وهي سفن الأنزال من الفئة "ميسترال"، وفرقاطة من الفئة "فريم"، وكورفيات الفئة "جاويند". بجانب تجديدها عرض لتزويد مصر بفرقاطات اضافية من الفئة "جاويند" وتقديمها عرض جديد للدخول في شراكة مع مصر في برنامج تصنيع الفرقاطات الشبحية الجديدة من الفئة "بيلارا".

شركة "فيكانتيري" الإيطالية بدروها عرضت على مصر شراء زوارق الصواريخ الهجومية من الفئة "فالاج". شركة "تايسن كروب" الألمانية مازالت في خضم مباحثات مع البحرية المصرية حول تزويد مصر بفرقاطات من الفئة "ميكو ايه 200".
تنافس مماثل زادت حدته خلال هذا المعرض ولكن حول مدافع الهاوتزر ذاتية الحركة من عيار 155مللم، حيث عرضت شركة "هانوا" الكورية الجنوبية على مصر شراء مدفعها "كي 9 ثاندر"، وشركة "ناكستر" الفرنسية عرضت مدفعها "القيصر".

على المستوى الجوي، وقعت مصر عقداً مع شركة "كاتيك" الصينية لشراء طائرات دون طيار يعتقد انها من نوع "وينج لوونج2"، ليضاف هذا العقد الى عقد مماثل تم توقيعها خلال معرض "زوهاي" الصيني للتسليح، بموجبه تعاقدت مصر على 32 طائرة دون طيار من نوع "وينج لوونج ون دي".

كذلك دخلت القوات الجوية المصرية في مفاوضات جادة مع شركة "كروب" الألمانية لتوريد طائرات تدريب من نوع "جي 120 تي بي" لتحل محل الطائرات المتقادمة "جي 115 اي جي"، وينتظر سلاح الجو المصري مصادقة الحكومة الأميركية على صفقة وقعها مع شركة "اوماكس" لشراء 12 طائرة هجوم ارضي خفيف من نوع "Archangel"، وهي الجيل الثالث من طائرات "AT-802U" التي تمتلكها مصر.

كذلك ينتظر سلاح الجو المصري تصديق الحكومة الأميركية على صفقتين الأولي لتحديث محركات الأسطول المصري من مقاتلات "أف-16"، والثانية تتعلق بتوريد عشر مروحيات قتالية من نوع "ايه-اتش 64 أي 10".
في ما يتعلق بمذكرات التعاون، وقعت مصر اتفاقية للتعاون الشامل مع شركة "دي سي اي" الفرنسية، وعقداً مع شركة "ساميل" البلغارية لشراء محطات للإعاقة الألكترونية، واتفاقية مع شركة "ليوناردو" الإيطالية لتوريد اجهزة رادار متطورة لصالح الدفاع الجوي المصري، واتفاقية مع شركة "داسو" الفرنسية حول الدعم الفني والتسليحي لمقاتلات "رافال".