معهد واشنطن يناقش "سياسة ثقافية للشراكة العربية الإسرائيلية"

في بعض الأحيان، تميل الدول العربية إلى إظهار مضمون إيجابي حول اليهود أو إسرائيل بمفاهيم الولايات المتحدة، خاصة في ضوء المخاوف الأخيرة بشأن مستقبل تورط الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وبينما يمكن ربط هذه التغييرات بالنفعية السياسية، فإن العديد من الأصوات العامة تعبر عن نفسها بصدق.

شارك في الندوة الباحث الشهير "دايفيد ماكوفسكي" الخبير في الشرق الأوسط،
شارك في الندوة الباحث الشهير "دايفيد ماكوفسكي" الخبير في الشرق الأوسط،

قلّما يجد المتابع لمراكز الدراسات الأميركية تحديداً محتوى يرتبط بشكل مباشر بالتطبيع العربي الإسرائيلي من زاوية الثقافة، فالغالب في المقاربات هو العوامل السياسية والأمنية والعسكرية، على الرغم من أن التطبيع الثقافي هو أهم أشكال التطبيع وأخطرها.

في 11 شباط/فبراير الجاري، ألقى كل من "جوزيف براود" و"تامارا كوفمان ويتز" محاضرة في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى للاحتفال بإصدار دراسة "براود" بعنوان "سياسة ثقافية للشراكة العربية-الإسرائيلية".

استمرت الندوة لمدة ساعة ونصف تقريباً، وشارك فيها أيضاً الباحث الشهير "دايفيد ماكوفسكي" الخبير في الشرق الأوسط، وهو الخبير الذي اقترح ذات مرة "آليات اتصال" بين لبنان وإسرائيل بعد حرب تموز 2006، في دراسة واسعة حازت على إهتمام خاص في الإدارة الأميركية.

إشارة إلى أن "براود" كبير الباحثين في معهد أبحاث السياسة الخارجية ومؤسس مركز اتصالات السلام. وقد أصدر "براود"، في شهر كانون الثاني/يناير الماضي، دراسة هامة بعنوان "كيف يمكن للسعودية ومصر المساعدة في مواجهة الأيديولوجيات السامة؟".

أما ويتز فهي باحثة في مركز "بروكينغز" للمعهد لسياسة الشرق الأوسط ونائب مساعد سابق لسكرتير شؤون الشرق الأدنى في وزارة الخارجية. وفي ما يلي ترجمة موجز لأهم ما ورد في مداخلتي الضيفين الرئيسيين في الندوة.

آليات للتطبيع عبر اليهود من أصول عربية

تركز الدراسة الاستقصائية بعنوان "سياسة ثقافية للشراكة العربية-الإسرائيلية" على كيفية الحد من ثقافة معاداة السامية والرفض في البلدان العربية، وتعزيز ثقافة الشراكة مع إسرائيل، من خلال التغييرات الإيجابية في رسائل الإعلام والمدارس والمؤسسات الدينية.

على الرغم من أن العداء لليهود في المنطقة له جذور قديمة، إلا أن الأعماق الحالية للعداء ظاهرة حديثة، تعود جزئياً إلى الإيديولوجيات المعادية للسامية الغربية المستوردة إلى المنطقة من قبل السكان المحليين الذين أعجبوا بها.

يُذكر أن عدد اليهود المنحدرين من البلدان العربية بلغ ذات مرة 900 ألف شخص، وحتى يومنا هذا لا تزال شريحة مناصرة للسامية باقية في البلدان التي فر منها هؤلاء اليهود. وعليه، ثمة تقاليد وقيم قائمة على التسامح لا بدّ من استردادها والبناء عليها. 

توفر ثلاثة اتجاهات جديدة في المنطقة فرصة لتحسين الخطاب وتعزيز ثقافة الشراكة العربية الإسرائيلية.

أولاً، هناك تقارب سياسي للمصالح بين الدول العربية وإسرائيل.

تطور هذا التقارب "من أعلى لأسفل" و حقق تحسناً متوضعاً الرسائل الرسمية فيما يتعلق باليهود وإسرائيل.

ثانياً، هناك ارتفاع في الأصوات الشعبية داخل الدول العربية التي تدعو إلى "سلام بين الشعوب" في اتجاه "من أسفل إلى أعلى". وهذا الإتجاه يركز أساساً على الجيل الأصغر.

وأخيراً، بدأ الممثلون الإسرائيليون والأميركيون الإسرائيليون بتطوير أدواتهم الخاصة للاتصال والتواصل لإشراك الجمهور العربي من "الخارج إلى الداخل".

و تتضمن هذ الدراسة أمثلة على تطبيق محدد ومنفصل لوسائل التواصل الاجتماعي يجمع بين الإسرائيليين والشتات من يهود العراق مع المسلمين والمسيحيين داخل العراق. بالإضافة إلى ذلك، تمّ نشر كتب اُعدِّت من قبل اليهود المنفيين من الدول العربية وتمحورت حولهم، مع ترجمة إلى اللغة العربية، وتم توزيعها محلياً ضمن المنطقة، من بينها كتاب إيلي عمير "المطيرجي" ("مفريح هايونيم" بالعبرية)، المتاح الآن في شوارع بغداد.

في بعض الأحيان، تميل الدول العربية إلى إظهار مضمون إيجابي حول اليهود أو إسرائيل بمفاهيم الولايات المتحدة، خاصة في ضوء المخاوف الأخيرة بشأن مستقبل تورط الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وبينما يمكن ربط هذه التغييرات بالنفعية السياسية، فإن العديد من الأصوات العامة تعبر عن نفسها بصدق.

على الرغم من التقدم في الخطاب المتعلق باليهود وإسرائيل، هناك تيارات مضادة لهذه التطورات الثقافية. لقد أدى تكثيف المشاعر الطائفية إلى حدوث تحولات جديدة في معاداة السامية، مثل المزاعم في وسائل الإعلام العربية السنية بأن إيران وإسرائيل لديهما تحالف سري. في هذه الأثناء، تواجه الأصوات الشعبية من أجل السلام الترويع.

إن الوعد بالفرصة الحالية يدعو على وجه السرعة القيادة الأميركية للتدخل.

يمكن للولايات المتحدة وينبغي لها تشجيع حلفاء العرب على تشجيع التغيير ودعم الأفراد الذين يدافعون عن طرق التفكير الجديدة هذه. تتطلب المشاركة الأميركية في هذا المجال إعداداً كبيراً، ويجب تطوير فريق متخصص للمشاركة في هذا النوع من العمل.

لدى إسرائيل أيضاً دور رئيسي في تعزيز هذه التطورات. بدأت إسرائيل عدداً من المبادرات، بما في ذلك مغامرة دبلوماسية عامة رائعة قام بها فريق التواصل الرقمي التابع لوزارة الشؤون الخارجية، عبر صفحتها على فايسبوك.

بالإضافة إلى ذلك، من بين غالبية السكان اليهود في إسرائيل الذين لديهم جذور في الأراضي العربية، ظهر البعض ممن يدعون إلى اعادة التواصل مع بلدانهم الأصلية، ويمكنهم أن يكونوا بمثابة سفراء مدنيين، ورفع مستوى الوعي وفهم رحلتهم القسرية والطرد الجماعي، بالإضافة إلى إعادة إحياء ذكريات فترات التعايش الأدق والسلم الأهلي.

مداخلة تمارا كوفران ويت

توفر دراسة "جوزيف براود" فرصة فريدة لمجتمع السياسة الخارجية لاستكشاف العلاقات العربية الإسرائيلية خارج حدود السياسة التقليدية على المستوى المجتمعي. كما يتحدى العمل وجهة نظر كاذبة شائعة في العالم العربي وتسلط الضوء على الفروق الدقيقة في الديناميكيات الثقافية لفرادة الدول.

ثلاثة أسئلة رئيسية تنبثق من الدراسة.

أولاً، هل الديناميات الموصوفة في النص هي نتاج اللحظة التاريخية الحالية؟ على سبيل المثال، توسع الخطاب حول إسرائيل واليهود في العالم العربي بعد أحداث 11 أيلول 2001. كيف يمكن التوفيق بين السياق السياسي للخطاب وتغير وجهات النظر الثقافية؟

ثانياً، تدعو هذه الدراسة الولايات المتحدة والجالية اليهودية الأميركية إلى المساعدة في تفعيل هذه الديناميات الثقافية. هل يمكن لأميركا الآن أن تلعب هذا الدور، وماذا يمكن أن تبدو السياسة المرتبطة؟. من الناحية التاريخية، كان يمكن إنجاز هذا العمل من خلال وكالة الإعلام الأميركية، ولكن تم إغلاق هذه المنظمة في عام 1999. لذلك، يجب أن يتم تمكين مؤسسة بمهمة والقدرة المناسبة لتعزيز هذه الأهداف. بدلاً من ذلك، يجب أن تظهر إشارة الطلب الذي يفرض العمل، إشارة الطلب الحالية ضعيفة، لكن هذا مجال للتطوير المحتمل.

ثالثاً، ما العلاقة بين التطورات الثقافية والسلطة السياسية، وإلى أي مدى يمكن أن يفسر التغيير الذي يصفه "براود" في الدراسة إلى الدول العربية التي تسعى إلى علاقات أكبر مع الولايات المتحدة في ضوء المخاوف الأمنية؟.

سوف تحضر الإجابات الخطوات التالية في هذه الرواية (الدراسة) المتطورة.