التحولات الإدارية في وسائل الإعلام الدولية: الأولوية للصحفيين المستقلين

وإن كان العمل الحر يخيف الكثيرين، فإن الإحصاءات والأرقام تشير إلى أن قطاع الإعلام هو أكثر القطاعات في التحوّل السريع نحو التخلي عن التوظيف الثابت، حيث تُظهر الإحصاءات أنه بحلول العام 2020 سيكون أكثر من 30% من الصحفيين والإعلاميين في العالم من أصحاب العمل الحر، نتيجة أسباب عديدة.

تُظهر الإحصاءات أنه بحلول الـ2020 سيكون أكثر من 30% من الصحفيين والإعلاميين في العالم من أصحاب العمل الحر

تتخذ عدة وسائل اعلام دولية منحى الإعتماد على الصحفيين الذين يعملون بشكل مستقل وحر في بلادهم، بدل الإعتماد على إرسال مبعوثين لتغطية الأحداث والأخبار، وفتح مكاتب خارجية تستنزف الموارد المالية. لكن النجاح في هذه الآلية يتطلب وجود منظومة إدارية تضمن جودة الناتج الإعلامي كما تضمن سير العمل بسلاسة بعيدًا عن البروقراطية.

وقد عمدت مؤخرا صحف دولية رائدة وشبكات تلفزيونية إلى إنشاء "مساحات" مفتوحة عبر شبكة الإنترنت تضم صحفيين وإعلاميين مستقلين تتعاون معهم بحسب التوزع الجغرافي عند الحاجة، فضلًا عن أن إنتاج المواد الداخلية اليومية لهذه المؤسسات بات يعتمد بشكل شبه كامل على جهود فريق منوع ومرن، أكثر من الإعتماد على الموظفين الثابتين. وبالتالي فإن واقع الصحافة والإعلام في العالم لا يؤشر إلى السلبية الطاغية على القطاع في العالم العربي. بل يمكن لأي مهتم أن يلحظ موجة من المبادرات والأفكار والتجارب في المختبرات والجامعات والمؤسسات الإعلامية الغربية بهدف التغلب على الآثار الناجمة عن التحول الرقمي وتطور ذوق الجمهور وسلوكه.

وفي حين اكتفى معظم المعنيين بهذا القطاع في العالم العربي بإلقاء اللوم على شبكات التواصل وتراجع الدعم المالي السياسي، فإن نماذج غربية تؤكد أن المشكلة في الذهنية لا في الواقع المتقلب دائمًا.

في العقد الأخير، أجرت عدة مؤسسات في ألمانيا وبريطانيا تحديدًا دراسات لإبتكار حلول تواكب التحول الحاصل في الإعلام والصحافة نتيجة الثورة الرقمية وأذواق الجمهور وسلوكه.

أحد هذه الحلول ما بات يُعرف باسم "الصحافة العابرة للحدود" Cross Border Journalism. غير أن أسباب التركيز على هذا النموذج لم يكن الموضوع المادي فقط، بل تبين أن هذا النوع يضمن تعددية و تنوعًا أكبر في المواد الإعلامية كنتيجة طبيعية لتعاون المحترفين من عدة خلفيات وانتماءات، وبالتالي فهو يحاكي أكثر أذواق الجمهور الذي بات يبحث عن معالجة أوسع للقضايا العالمية، كما المحلية.

أحد المنصات الرائدة عالميًا في مجال الصحافة العابرة للحدود هي "هوست رايتر" Hostwriter التي تتخذ من برلين مقرًا لها، لكنها باتت تنتشر في أكثر من 145 دولة في العالم، من بينها لبنان.

المنظمة، التي تضم أكثر من أربعة الاف صحفي وإعلامي، تقدّم نموذجا يحظى باهتمام وسائل الإعلام الدولية كما الباحثين الإعلاميين، كونها استطاعت في فترة قياسية بناء شبكة واسعة من الأعضاء والعلاقات العابرة للحدود الجغرافية والعرقية واللغوية.

وتنشط في ألمانيا منظمة أخرى، إقليمية الطابع، هي "أن أوست" n-ost التي تركز أكثر على القارة الاوروبية، كما تمثّل "هاك باك" HackPack اسمًا رياديًا في هذا النوع من المنظمات الدولية.

جميع هذه المنظمات باتت تضم الاف الصحفيين عبر العالم، وتسهل "التشبيك" بينهم وبين المؤسسات الدولية، كما تشكيل منصة دعم و قوة معنوية لهؤلاء الصحفيين.

ويعزز هذا التوجه في العمل العابر للحدود النماذج الناجحة التي شهدتها الصحافة في السنوات الأخيرة الأخيرة، كـ"أوراق باناما" التي خرجت إلى العلن بفعل جهود عشرات الصحفيين الذين عملوا بشكل تعاوني وإستفادوا من المهارات العديدة للبحث وجمع وتحليل البيانات.

وإن كان العمل الحر يخيف الكثيرين، فإن الإحصاءات والأرقام تشير إلى ان قطاع الإعلام هو أكثر القطاعات في التحول السريع نحو التخلي عن التوظيف الثابت، حيث تُظهر الإحصاءات أنه بحلول العام 2020 سيكون أكثر من 30 في المئة من الصحفيين والإعلاميين في العالم من أصحاب العمل الحر، نتيجة اسباب عديدة.

يبقى السؤال، هل من استعداد لمواكبة هذا التطور والتحول في العالم العربي، لا سيما من يعملون في غرف الأخبار، حيث يصعب عليهم عادة الإطلاع على تجارب جديدة بسبب طبيعة المهنة التي تستنزفهم في الوقت والجهد. والأهم، هل الاستثمار التقليدي في المؤسسات الإعلامية سيستمر في المستقبل، خصوصاً وأن
المستثمرين أنفسهم باتوا مقتنعين بضرورة الإنتقال إلى الإستثمار في نماذج إقتصادية جديدة تقوم على المرونة وتقليص النفقات الثابتة لصالح زيادة الإنتاج النوعي.