معرضان استعاديان لمخضرمين يجمعان كهولة الشباب وشباب الكهولة

تشهد بيروت معارض تشكيلية دائمة خصوصاً في موسم الشتاء وموسم الصالات المغلقة، ومنها معرضان للفنانين المخضرمين لور غريب وأسعد عرابي.

الفنان أسعد عرابي وضيوف

 معرضان فنيان في بيروت زينا مرحلة الانتقال بين عام راحل، وعام جديد، الأول قدمته غاليري "أيام" تحت عنوان "إطفاء الجمر في الصقيع" للفنان المخضرم أسعد عرابي، والثاني أقامته غاليري جانين ربيز في مركزها على الروشة بعنوان "سِكر العيون" للور غريب. 

يجتمع المعرضان على أنهما استيعاديان، ربما ضرورات نهاية العام، والانتقال إلى عام جديد، وتراكم الأعوام العمرية، عادة ما تفرض العودة بالذاكرة إلى عهد سابق، تستجدي زبدة جمالاته، وتلقي ما هو غث جانبا. إضافة إلى أن كلا الفنانين من المخضرمين، فعرابي ثمانيني، وغريب تقارع التسعين (٨٦) عاما، والاثنان دأبا على العرض كل في الغاليري عينه، فلعرابي رحلة طويلة مع "أيام"، ولغريب رحلة مماثلة مع "ربيز"، وفي كل من الرحلات، تماوجات، متصاعدة وهابطة محدثة تنوعا يصعب حصره في كلمة أو عنوان. 

من هنا شاء عرابي أن يلخص في عنونة معرضه مسارا طويلا من الزمن في تجربته مع "أيام"، وفيه تتعقب لوحات المعرض نماذج أسلوبية متباعدة، تجمعها حساسية مشرقية متمايزة، ترتبط غالبا بمحنة المدن العريقة ما بين دمشق و صيدا، ومدن أخرى.

أيام

لوحة التلحين الصوفي الثلاثية أم كلثوم والسنباطي وشوقي

المعرض يحفل بكثافة المراحل السابقة، واللاحقة، وخصوبة الإقامة بين عائلة والدة الفنان في دمشق، و عائلة والده في صيدا جنوبي لبنان، ويقول عرابي إنها "رحلة ما بين سلحفاة حواري الأولى المغلقة (دمشق) وشموس مرفأ الثانية ونورانيتها المتوسطية (صيدا).

يستعيد المعرض ملحمة المشاهد الحضرية في المدينة القديمة المسكونة بالأساطير و بالمجتمع المفعم بالألغاز.

في المعرض يتلمس المشاهد موسيقيّة التكوين، ورفع الحدود بين التشخيص التعبيري والتجريد، في لوحة التلحين الصوفي للثلاثي: السنباطي و أم كلثوم و أحمد شوقي، و التخت الشرقي مع محمد القصبجي، رموز فترة "النهضة العربية".

لوحات "تحية إلى موريس بيجار" عرضت عام 2009 في نفس الصالة في بيروت، تجسد التحول من الموسيقى إلى الرقص، و الأجساد العارية من قناع، و الأثواب السوداء التقليدية.

في بعض أعمال عرابي، يمكن تقفي التحول التدريجي إلى التجريد ذو الأصول الموسيقية، والعودة إلى موضوع "الساكن والمسكون" مع المحنة السورية.

يلخص عرابي عمله بأنه "الجوهر الفكري لمراحل تصويري المتباعدة، فمنذ ستة عقود، وأنا أقارب الثمانين من العمر، بأنه محاولة حثيثة لإقامة التوازن الحدسي بين ما هو "متذكر" -معاش- وما هو منسحب من دلالته السيميولوجية لأنه "منسي".
ولا يرغب عرابي في "أدلجة" الفن، ويوضح ان "اللوحة التي تمثل ضمير المصور لا تحتمل شهادة الزور، والتزام الصمت دوما، فبنظره "الساكت عن الحق شيطان أخرس"، فإذا كان الحياد طبيعياً في المرحلتين التجريديتين، و في موضوع الطبيعة الصامتة، فهو أقرب إلى الإعتراض في موضوعات أخرى تدين أصناف التعصب المختلفة على غرار معرض تحية إلى بيجار.
ويختم عرابي لافتاً إلى "إحياء ذكرى أم كلثوم كرمز لعصر النهضة لأنه متسم بالتسامح الديني والقومي، ولا يخلو من إدانة مضمرة للإنحسار الثقافي العام، مقابل صعود الأصولية العمياء".

عرابي من مواليد 1941، في صيدا اللبنانية، حصل على الإجازة في الفنون الجميلة من جامعة دمشق 1966، ونال الدكتوراه في الجماليات وعلوم الفن من جامعة السوربون في باريس سنة 1987.
تتراوح معارضه الفردية بالعشرات بين سنة 1972 و2018، دون انقطاع، ومثلها في معارض جماعية، في مختلف بلدان وعواصم العالم الغربي والعربي، وله الكثير من المؤلفات الفنية، والنقد الفني.

ربيز

الفنانة لور غريب أمام إحدى لوحاتها في المعرض

معرض لور غريب في ربيز استعادي أيضاً، يجمع معروضاتها في الغاليري لستة عشر سنة خلت، وفيه تنوع يرحل بين الطفولية التي يتسم بها التقدم بالسن، ونضوج التجربة الشبابية، والكهولة، وما بعدها من مراحل.

لقطة عامة لمعرض غريب

فالمعرض جمع في حيز منه عشرات المكعبات الصغيرة التي تشي بصنع الأطفال في صفوفهم الدراسية، ومثلها عشرات اللوحات الصغيرة المترامية على جدران الغاليري، بألوان طفولية زاهية، وفي إطارات بسيطة، ولا يخلو من اللوحات الكبيرة الحجم الحاملة لطابع الفنانة من خطوط سوداء متداخلة، تظهر اشكالاً تعبيرية مختلفة، ولا تتردد الفنانة في التعليق بها بالكلمات والحروف.

خربشات فنية متألقة، وأعمال صغيرة أقرب إلى المنمنمات، في كل منها تعبير كلامي يكمل مشهدية الصورة، لتخرج جميعاً روحية فنانة متقدمة في السن، لكن بطفولية مقصودة الرؤى والانتماء.

من التعابير: "الأفراح تبقى في الذهن مهما طال الزمن"، وتعبر غريب عن انتمائها الثقافي الفكري بـ"أنا انتمي إلى الحداثة، لكنني لن أنسلخ عن جذوري"، وعلى عتبة التسعين تقول: "الغد لي من دون شروط" ضاربة عرض الحائط بمنطق السنين.

تتابع في تفاؤلها غير المنتهي: "كم هي جميلة الحياة"، و"أحتاج إلى البهجة كي أبقى حية"، و"أحب الشمس أيام اليأس".

على صعيد الشؤون العامة تعلق على بعض الأعمال: "أبعدوا الجهل عني وامنحوني المعرفة"، و"فليهرب الجبان وليبق الوفي"، وعن هوغو تنقل: "تبدأ الحرية حيث ينتهي الجهل".

في العواطف لا تتردد في التعبير الحر والواضح عن عواطفها، ورؤيتها للحب والقبلة والعناق، وتلجأ إلى غاندي بالقول: "الحب أعظم قوة يملكها العالم"، و"المحبة هي من أهم هواياتي"، و"حبني تحبك..اعطيني بوسة.. عند الجمال اسخسخ دغري".

 تعلق غريب على عملها بالقول: "بالأمس كنت طفلة صغيرة، وكنت أخاف أن أصبح عمياء، لذلك مارست التحرك والانتقال وعيناي مغلقتان، ورسمت الإشارات والأشكال بعيون مغلقة. حولت أوراق الأشجار بكل اتجاه، تلمست، اكتشفت، وتعثرت، ونهضت، وشككت. لكني اليوم طفلة في الـ86 من العمر، ما زلت أشكك، لكن عيناي متفتحتان باتساع".

 

ولدت لور غريب في دير القمر سنة 1931، وهي فنانة، وناقدة فنية، وصحفية في جريدة "النهار" منذ نحو خمسين عاماً.

لها العديد من المعارض الفردية، والمشاركات في معارض جماعية، محلياً وعالمياً، ومؤلفات فنية منها تاج أشواك حول قدميها سنة 1965، وشهادة" 1985، و33 يوماً سنة 2007.

حازت على تنويه شرف في بيانال باريس 1967، والجائزة الأولى في بيانال الاسكندرية سنة 1997، وجائزة لجنة التحكيم في معرض الخريف في متحف سرسق سنة 2009.