"أصعب فراق فراق الأحباب".. رحيل ميسي نعمة أم نقمة؟

رحيل ميسي عن برشلونة تصدّر العناوين في الأسابيع الماضي. ولا شك في أن هذه الأحداث التي تخص ميسي ورحيله واحدة من أبرز الأحداث الرياضة في العام 2020.

  • ميسي محتفلاً في مباراة باريس سان جيرمان (أرشيف)
    ميسي محتفلاً في مباراة باريس سان جيرمان (أرشيف)

في الحبّ، تكون العواطف متضاربة ومتقلّبة في الكثير من الأحيان، فنكون سعداء تارة، ونبحث عن الحبيب لكي يكون سنداً في لحظات الحزن تارة أخرى. في الحب، تبقى هناك أسباب مبهمة تقف خلف مشاعرنا، ويبقى شق من الغموض سائداً.

هذا الحبّ الذي نتحدّث عنه هو نفسه الَّذي يعيشه عشاق كرة القدم يوماً بعد يوم. تزداد العواطف، ويزدهر التعلق بالأندية واللاعبين، من دون إجابة واضحة على دوافع هذا الحبّ، فيتحوّل اللاعب من مجرّد "عارض متعة"، يظهر قدراته الاستثنائية والجميلة، إلى "قديس". نعم، يتحوَّل من شخص عاديٍ إلى "ملك" يمجّده الملايين حول العالم.

وفي نهاية قصة الحب هذه، يأتي يوم يسمى "يوم الوداع"، يرحل اللاعب فيه عن الفريق أو يعتزل كرة القدم. وهنا تبدأ المشاعر المتضاربة، فبعد سنوات من الإنجازات، يرحل الرجل الذي جعل جيلاً كاملاً سعيداً، فيُحبط المشجعون، ويعيشون حالة من الحزن.

أخبار الأسابيع الماضية كانت تدور كلها حول شخص واحد. ولا شكَّ في أنها قد تكون من بين أهم الأخبار في تاريخ كرة القدم. العناوين كلها تتحدث عن رحيل ليونيل ميسي من فريق برشلونة، صانع المجد في "البلوغرانا"، ولا يمكننا أن نعارض فكرة أنه يشكل الجزء الأكبر من تاريخ النادي، والأرقام والبطولات التي حصدها برشلونة معه تلخص كل شيء، فضلاً عن أنه "القديس" و"معشوق الجماهير".

ميسي الآمر الناهي!

  • ميسي في الكلاسيكو (أرشيف)
    ميسي في الكلاسيكو (أرشيف)

انتشرت في السنوات الماضية نظرية تقول إنَّ ميسي يفعل ما يشاء داخل أسوار "الكامب نو"، ويحدّد التشكيلة، ويتدخَّل في الانتقالات، ويملي الأوامر على المدربين والإدارة، ولكن الأحداث الأخيرة ورغبته في الرحيل أوضحت الكثير. ميسي لم يكن كما اعتقدنا. لم يكن الرجل الذي يأمر على الأغلب، وهو يريد اليوم الرحيل بعد الخيبات التي عاشها في عهد الرئيس جوسيب ماريا بارتوميو، الذي قد يكون أسوأ رئيس في تاريخ النادي.

بداية الخيبات قد تكون في ريمونتادا روما، ومن ثم ليفربول، وخيبة خسارة الدوري الإسباني هذا الموسم، الذي لو لم يكن ميسي موجوداً في منافسته، لحسمه ريال مدريد قبل فترة طويلة، وصولاً إلى خسارة بايرن ميونيخ "المذلة" بثمانية أهداف لاثنين، والتي كانت بمثابة الشعرة التي قصمت ظهر البعير. ومن بعدها ارتفع صوت ميسي: "أريد الرحيل!".

في عهد بارتوميو، رحل دانييل ألفيس ونيمار وتشافي وأندريس إنييستا، ومن ثم أقيل فالفيردي، وعيّن كيكي سيتيين، وسيرحل لويس سواريز. هل كان ميسي يريد حدوث كل هذه الأمور؟ لا، ميسي لم يرغب في ذلك، فاللاعبون الذين غادروا كانوا أصدقاءه. وقد طالب الإدارة بعدم إقالة فالفيردي، لكنها فعلت. لم يكن ميسي من يتحكّم بالأمور، وربما سقطت نظرية "ميسي الرئيس"!

لماذا يريد ميسي الرحيل؟

  • تقدّم ميسي في السنّ لا يمنحه فرصة للانتظار (أرشيف)

بعد الخيبات التي عاشها، إضافةً إلى تقدمه في السن، وخذلان إدارة برشلونة له، من خلال إضعاف الفريق بتعاقدات بمبالغ كبيرة لتعويض مغادرة نيمار، وإخفاء حقيقة الخطأ الفادح، لم يعد ميسي يثق بهذه الإدارة، وهو أمر واضح، حتى إنّ رغبته في الرحيل لم تعد مرتبطة ببقاء الرئيس أو رحيله.

تقدّم ميسي في السنّ (33 عاماً) لا يمنحه فرصة للانتظار. برشلونة مع المدرب الجديد رونالد كومان يحتاج إلى وقت لإعادة هيكلة الفريق، وميسي لن ينتظر عامين، فهذا الأمر سيبعده عن البطولات والتتويجات على أغلب الظن. لذلك، يبدو أنَّه في طريقه للرحيل إلى فريق جاهز للمنافسة. وبما أنه ميسي، فهو سيتأقلم، وسينثر سحره كالمعتاد، وسيكون مرتاحاً أكثر، لأنه إذا انضم إلى مانشستر سيتي مثلاً، فلن يكون بحاجة إلى بذل مجهود بدني كبير، كما يفعل مع الفريق الكتالوني. سيكون القطعة الناقصة في خطة الفريق. 

 رحيل ميسي: نعمة أم نقمة؟

  • كومان سيكون لديه فرصة للاعتماد على الأسماء الجديدة مع بعض التدعيمات 

تأثير رحيل ميسي في برشلونة سيكون كبيراً، فهو اللاعب الذي قضى أكثر من عقد من الزمن في كنف النادي نفسه، فكيف سيكون شكل برشلونة بعد ميسي؟ وهل سيكون قادراً على المنافسة؟ أسئلة كثير تطرح، ومنها: هل سيكون كومان قادراً على إدارة برشلونة ورفع مستواه من دون ميسي؟ 

قد تكون النظرية غير الشائعة أن رحيل ميسي مفيد له، كما ذكر آنفاً، لاستغلال ما تبقى من طاقته، ومفيد أيضاً لبرشلونة، فالفريق أصبح عجوزاً، وأعمار اللاعبين فيه، مثل سيرجيو بوسكيتس وجوردي ألبا وغيرهما، تخطت الثلاثين، ورحيل ميسي الذي تخطى الثلاثين أيضاً قد يخدم برشلونة وكومان، إذ سيتسنى له تغيير شكل الفريق والمنظومة، ولن يكون مقيداً ببناء طريقة لعب تتماشى مع ميسي، ومغلقة ومبنية على ذكائه وقدراته.

سيكون كومان من دون ميسي أكثر تحرراً في طريقة اللعب وضخ الدماء والمواهب الشابة في الفريق. لن يحدث الانقلاب في ليلة وضحاها. من المؤكد أن ذلك يحتاج إلى الوقت، وما على الفريق واللاعبين الشباب إلا الخروج من الصدمة التي قد تحلّ في حال رحيل ميسي.

وإذا رحل ميسي، فما على كومان فعله هو تطوير أسلوب اللعب. لم تعد "التيكي تاكا" بشكلها التّقليدي نافعة كثيراً. الأندية اليوم تعتمد على السرعة واللياقة البدنيّة والضّغط العالي، كما يفعل يورغن كلوب في ليفربول. استحواذ يرافقه اندفاع وقوة وضغط مستمر متعب للخصم.

كومان سيكون لديه فرصة للاعتماد على الأسماء الجديدة مع بعض التدعيمات وإعادة غريزمان إلى التوهج، بعيداً من ظل ميسي الذي يغطي الجميع، لأنه الجزء الأكبر من تاريخ النادي.

أما في ما يخصّ إدارة برشلونة، فعليها أن تكون أكثر شجاعة. إذا أراد ميسي الرحيل فليرحل، لكن الإدارة تخشى سقوطها، وهي تعلم أنها ستسقط، لأن المشجعين الذين احتجوا في الشوارع لن يرحموها. وفي النهاية، سيكون برشلونة الأكبر، وسيكون اسم النادي هو الأهم. ربما على النادي أن يحذو حذو رئيس ريال مدريد فلورنتينو بيريز في ما فعله مع رونالدو: "تريد الرحيل، ارحل".

ومما لا شك فيه أن ميسي كان جزءاً من استقطاب جيل بأكمله لتشجيع برشلونة، وهو جيل الألفية الجديدة، ولا يمكن لأحد أن يلومه على علاقته به؛ العلاقة التي جعلته يعشق النادي نتيجة وجوده، لأنّ عيون المشجعين عندما أصبحت قادرة على التمييز، لم ترَ إلّا صراعاً عريقاً وتاريخياً بين حزبين، رونالدو وميسي، ونسبة كبيرة منهم اختارت ميسي.

أما الأجيال التي تحبّ برشلونة منذ ما قبل انضمام ميسي إليه، فإنها من دون أدنى شك ستكون حزينة على رحيله في حال حدوث ذلك، لأن هؤلاء يعلمون أنه "أسطورة" النادي الأعلى والأفضل. ولو لم يغادر الفريق اليوم، فهناك يوم سيرحل فيه معتزلاً، وسيكون "أصعب فراق فراق الأحباب".