من مذابح كوسوفو إلى بطل سويسرا... كفاح شيردان شاكيري

قصة كفاح مؤثّرة لشيردان شاكيري بدأت في سويسرا التي هاجر إليها مع عائلته من كوسوفو، وها هي تُستكمل حالياً في ليفربول الإنكليزية.

شيردان شاكيري
شيردان شاكيري

اندلعت نيران الحرب في كوسوفو، إحدى الدول التابعة لجمهورية يوغوسلافيا في منتصف تسعينيات القرن الماضي؛ أصبح من اللازم الهروب، الهروب إلى السلام الذي إفتقدته أرض كوسوفو وألبانيا وهذا ما فعلته عائلة شاكيري التي اتّجهت إلى سويسرا.

لم تكن هجرة مرفّهة مطلقاً لعائلة شاكيري، بل كانت مؤلمة و خاصةً للأبوين. لم يستطع "أيزن شاكيري" التحدث باللغة الألمانية السويسرية التي كانت رائجة في حينها فاضطر إلى العمل كغاسل للأطباق في أحد المطاعم لفترة وجيزة من الوقت حتى ترك عمله وأصبح عامل بناء في هيئة الطرق السويسرية. لم يكن الأمر سهلاً للأم؛ "فاطمة شاكيري" أيضاً كانت تقوم بالعمل مع المساعدة من أبنائها كمنظّفة في أحد المباني بالمدينة، ساعدها شيردان...الطفل ذو الأربع سنوات كان يحمل المكنسة وراء أمه أثناء تأدية عملها، أما بالنسبة لإخوته فكانوا يقومون بتنظيف النوافذ في المبنى ذاته.

يعلم الجميع أن المعيشة في سويسرا صعبة، لكن لا يعلم أحد أن عائلة شاكيري تحمّلت أيضاً حملاً ثقيلاً تمثّل بإرسال المال لباقي العائلة في كوسوفو؛ لم تكن الحياة سهلة لهم بسبب هذا الحمل المادي الضخم. لكنهم لم يتوقّفوا عن إمداد يد العون لعائلتهم.

"في أوائل الهجرة، كنا نستطيع الذهاب لرؤية العائلة كل سنة. عندما بدأت الحرب كان من المستحيل العودة للديار مرة أخرى". قال شاكيري هذا معلّقاً على عدم رجوعه لكوسوفو أثناء الحرب. أصبحت المعيشة صعبة على عائلته في كوسوفو وبالأخصّ عمه الذي احترق منزله. إزداد المبلغ الذي كان يرسله والده للديار، مما لم يترك أي رفاهية لأفراد العائلة التي اكتفت بالمستلزمات الأساسية للمعيشة، التي كانت غالية أيضاً.

رونالدو الظاهرة، بطل كرة القدم في جيله…. من أفضل من لمس الكرة في تاريخ البرازيل، لا يستطيع أحد أن يُنكر تلك الحقيقة. الحقيقة التي كانت مجرد حلم لشاكيري.

في كأس العالم عام 1998، خسرت البرازيل أمام فرنسا بعد أن تعرّض رونالدو لعارض صحّي؛ بكى شاكيري حزناً لما حصل مع أيقونته الكروية. كان عيد ميلاده السابع بعد ثلاثة أشهر من كأس العالم، فترجّى شاكيري والدته فاطمة أن تشتري له قميص رونالدو في هذه المناسبة. لم تحضر أمه له إلا صندوقاً واحداً يوم عيد ميلاده، ليجد فيه شيردان قميصاً أصفر ليس عليه أي علامة تشير إلى كونه قميص "السيليساو"، لكن رقم تسعة كان مطبوعاً على ظهر القميص باللون الأخضر. كان هذا كافياً لشيردان. مجرّد قميص عليه رقم رونالدو، كان زهيد الثمن لكنه حمل الكثير بالنسبة له فهو لم يقم بخلعه لمدة عشرة أيام نظراً لحبه لـ "الظاهرة".

على عكس ما نعرفه عن سويسرا؛ سويسرا أيضاً بها أحياء فقيرة مثل أي دول أخرى، معظم من عاشوا فيها كانوا من المهاجرين...وكانت تبعد مدرسة شيردان عنها بمسافة قليلة، كان يمشيها شيردان كل يوم بعد إنتهاء فترة الدراسة ليلعب كرة القدم؛ تلك الرياضة التي لم تقدمها مدرسته ولم تعتبرها سويسرا لعبة مهمة. امتلأت إحدى ساحات ذلك الحي بأفارقة، ترك، ألمان، عرب وصرب. جميعهم يذهبون هناك لممارسة كرة القدم والتجمع سوياً كمهاجرين نبذهم مجتمع الأغنياء السويسري. لطالما ملأت تلك الساحات شِجارات، لكن شيردان كان محظوظاً فهو لم يكن يكترث إذا حاول أحد الإساءة إليه ليتفادى أي نوع من الضرب أو الشجار.

 

هل ينجح شاكيري مع ليفربول؟
هل ينجح شاكيري مع ليفربول؟

في سن الثامنة، قام فريق بازل السويسري بضم شيردان إلى صفوفه وظل يلعب في فريق الناشئين حتى عام 2009 ليقوم بالالتحاق بالفريق الأساسي ويبذل جهده الكامل في مساعدة الفريق على الفوز بالدوري والكأس السويسري مرتين على التوالي، حتى أتاه استدعاء المنتخب المفاجىء لينضم لصفوفه في التصفيات المؤهلة لكأس العالم 2014. في صدفة غريبة، تواجه سويسرا في إحدى مبارياتها بلاد شاكيري الأم، وهي ألبانيا. لم يقم شاكيري بغناء نشيد سويسرا الوطني وأحرز هدفاً في تلك المباراة لكنه لم يحتفل به.

ابتسمت الحياة لشيردان بعد أن تلقّى عرضاً لينتقل إلى العملاق البافاري بايرن ميونيخ الألماني صاحب الألقاب المهولة، ليفوز معه ببطولتين في الدوري الألماني، ودوري أبطال أوروبا، ولقبين في كأس ألمانيا وكأس العالم للأندية في خلال ثلاثة مواسم.

كان شاكيري يتعرّض لضغط كبير لوجود لاعبين ألمان في مركزه في الفريق، مما جعل بايرن يعرضه للبيع لنادي إنتر ميلانو الإيطالي. لم يحرز إلا هدفين لـ "نيراتزوري" الذي قام ببيعه بعدها بخمسة أشهر من شرائه لنادي ستوك سيتي الإنكليزي، وهو أقل من إمكانيات شاكيري بكثير لكونه من الفرق الضعيفة في "البريميير ليغ".

ظل شاكيري مع ستوك سيتي لثلاثة مواسم لم يحقّق فيها أي إنجازات، وأحرز معه 15 هدفاً في 84 مباراة في الدوري، لكن لم يهتز مستواه مع المنتخب السويسري. فسافر مع بعثة كأس العالم في نسخته الأخيرة في 2018، ليلاقي منتخب الدولة التي كانت من إحدى أسباب هجرته لسويسرا، المنتخب الصربي.

ها هي صربيا تتقدذم بالنتيجة، حتى أتى رجال كوسوفو المجنسين في منتخب سويسرا؛ شاكيري وتشاكا. أحرز كل منهما هدفاً لكي تنتهي المباراة بفوز مستحق أطفأ جزء من نيرانهما وقاما بالاحتفال عبر القيام بعلامة النسر بأيديهم في إشارة لعلم ألبانيا بلادهم الأم.

أدى ذلك إلى إحتجاج الجماهير الصربية على ما فعله تشاكا وشاكيري ليضعا اسميهما في قائمة أكثر رياضيين مكروهين من قبل دولة صربيا، ويتعرّضان أيضاً لعقوبة من "الفيفا".

خرجت سويسرا من كأس العالم وخرج كذلك شاكيري من صفوف ستوك سيتي لينضمّ إلى ليفربول ويعود للكرة بشكل أقوى وأفضل مع نادٍ عريق أهم بكثير من ناديه السابق الذي هبط للدرجة الثانية في إنكلترا. فهل نرى أفضل مما قدّمه شاكيري في فرقه السابقة وتستمرّ مسيرة الكفاح بنجاح كما يتوقّع الجميع؟

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً