كتاب "أفق لم يتسع له وطن"

سيرة التاجر ورجل الأعمال والمعارض السياسي القومي جاسم مراد (1930-2019). ولد في عائلة تمتهن تجارة اللؤلؤ ودخل السياسة في الخمسينيات عضوا في هيئة الاتحاد الوطني، وشارك في التجربة البرلمانية البحرينية في 1973، ولم يغب عن أحداث التسعينيات وصولا إلى حراك 2011.

اعداد: علي الديري

 

 

مرحباً بكم في بودكاست وُرْق، أحدّثكم في هذه الحلقة عن شخصيةٍ وطنية بحرينية قومية هي شخصية جاسم مراد، الكتاب عنوانه "أفقٌ لم يتّسع له وطن" للكاتبة والباحثة والمربّية الدكتورة غنية عليوي، مَن هو جاسم مراد؟

وُلد جاسم مراد في مدينة المُحرّق في البحرين في عام 1930 وتوفّى في العام 2019، هذه الشخصية تمتدّ في جذورها إلى قطر، كان جدّه الكبير جاسم يعيش في قطر وحدث خلاف وحادثة سياسية في ذلك الوقت استلزمت أن يخرج مهاجراً ولاجئاً إلى البحرين، وهناك مارس هذا الجدّ التجارة في مدينة المُحرّق وأب جاسم مراد وجدّه أيضاً مارسا التجارة، فكانت التجارة تمشي في دمه وفي جيناته، لذلك كان بالفطرة تقريباً وبالتعلُّم تاجراً.

وصفة التاجر هذه ربّما تكون الصفة الأكثر تميّزاً في شخصيته، ولم تغادره هذه الصفة حتى حين أصبح مناضلاً سياسياً ومعارضاً ومثقّفاً قومياً، صفة التجارة كانت تحضر دائماً في شخصيته وفي تحوّلاته.

مَن هو التاجر؟ التاجر هو فرد، هو شخصية تتجاوز الأطر التقليدية وهذا ما كان عليه جاسم مراد، وكذلك هذه الشخصية تهتمّ اهتماماً كبيراً بالانفتاح وبالكونية وبتجاوز الأطر المحلية، شخصية كما يُقال كوزموبوليتية بمعنى أنها عالمية، وهذا ما كان عليه جاسم مراد من خلال سفراته واطّلاعه، وفي الوقت نفسه هذه الصفة لديها مصالح تدافع عنها وتضعها في الدرجة الأولى حين تتحرّك وحين تتجاوز الأطر.

هذه المصالح أحياناً تتجاوز الخير العام وتعتدي عليه وتغلّب المصلحة الشخصية، وهذه الصفة لم تكن في جاسم مراد، في الحقيقة ما ميّز جاسم مراد أنه فردٌ يبحث عن أطرٍ جديدة، عن تحدياتٍ جديدة، شخصية تتجاوز محليّتها ولكن تضع الخير المحلي في الأساس، لذلك كان محبّاً وكان عاشقاً للبحرينيين والبحرين ولصفة البحرنة في داخله، حتى وهو يناضل ضد موضوع التجنيس، ضد موضوع البطالة، ضد الفساد، ومن أجل أن تكون البحرين بلداً دستورياً.

البحرين كانت حاضرة دائماً في قلبه وهذا ما عبّر عنه في هذه السيرة، هل يتعارض ذلك مع كونه مهاجراً؟ هل صفة الهجرة التي تُعتبر متأخّرة نسبياً قياساً بالسكان الأصليين، هل تُعتبر هذه الصفة عيباً؟ لا، وهذه الصفة حوّلها جاسم مراد إلى ميزة وافتخر بها في الكتاب وهو يتحدّث عن سيرته.

ولعلّ صفة الفتح التي نتحسّس منها جميعاً تعبّر عن هذا الموقف، عن رؤية جاسم مراد الذي جاء مهاجراً وكوّن تجارة وتجربةً وسيرة ووطناً وأفقاً لا يتّسع له هذا الوطن.

جاسم مراد في يومٍ من الأيام في العام 1983 حين أرادت العائلة الحاكمة أن تحتفل بمرور مئتي عامٍ على ما أسموه "فتح البحرين"، حين سمع بذلك أخذ بعضه وذهب إلى سموّ الشيخ عيسى بن سلمان بن حمد آل خليفة، قال له إن استخدام صفة الفتح لا تليق بكم لأنها أولاً تُنبئ بأنكم طارئون على هذا البلد وأنكم لم تندمجوا في هذا البلد، وتقول إنكم لستم من نسيج هذا البلد، والنقطة الأخرى أن استخدام صفة الفتح وتحويلها إلى احتفالاتٍ كما أراد وزير العدل في ذلك الوقت الشيخ عبد الله بن خالد، هذا يسبّب حساسيةً عند السكان الأصليين، عند الشيعة الذين كانوا موجودين في هذا البلد، فلماذا تثير هذه الحساسية باستخدام صفة الفتح خصوصاً وأن الفتح يعني أن هذه البلاد بلاد كفاّر، بلاد غير إسلامية، وأنك قمتَ بغزوها.

كان يتحدّث بهذه اللغة بطريقةٍ حميمية ودّية تبيّن أن فكرة الوطن هي الفكرة المسيطرة عليه، إنه يقول ذلك ليس من باب المعارضة السياسية أو التعيير أو تقديم ما هو الأهم والمهم، مَن هو الأصلي ومَن هو الطارئ، هو قال ذلك بأفق الوطن، هذا الأفق الذي أراد أن يجعل من الحكومة ومن السياسة ومن العائلة الحاكمة أن تتّسع له. يقول إن الأمير عيسى بن سلمان وافقه على ذلك وذهب لوقف هذا الاحتفال، ولكن ما نعرفه أن هذا الاحتفال تمّ. 

أتوقّف عند صفة الهجرة التي تبدو من الأشياء التي تسبّب ضيقاً في هذا الوطن وتسبّب حساسية. جاسم مراد نجح في تحويل صفة الهجرة إلى صفة فخر، هذه عقلية التاجر، هكذا يفكّر التاجر، كيف يحوّل الفرص والتاريخ والحقائق التاريخية إلى فرص استثمار، لذلك بدا جاسم مراد صاحب سيرةٍ جميلة، سيرة فيها تحوُّل، صاحب تجارة استطاعت أن تخلق وطناً، هو بتجارته خلق وطناً، كيف يمكنك أن تخلق وطناً إذا لم تستطع أن تحرّك الاقتصاد؟ كان الاقتصاد هاجسه الرئيسي الذي ظلّ يلحّ عليه في كل مفصلٍ من مفاصل حياته.

جاسم مراد حينما كان على مقاعد الدراسة في المرحلة الثانوية كان يملك عشرة آلاف روبية في ذلك الوقت، أتحدّث عن العام 1950، يقول إنني استطعتُ أن أتعلّم التجارة من خالي، خاله كان من عائلة الباكر وزوجته أيضاً من عائلة الباكر وفخرو، نورة فخرو كانت رفيقة حياته ودربه، عائلات وفخرو والباكر ومراد هي شخصيات وطنية. في هذه السيرة سنجد هذه الشخصيات الوطنية تحتفل بالوطن، سنجدها تناضل من أجل الوطن.

جاسم مراد تعلّم التجارة من عائلة الباكر، تعلّمها من أخواله من عائلة الباكر وتعلّم السياسة في ما بعد. كان يملك عشرة آلاف روبية لأنه تعلّم التجارة، وحين تخرّج في العام 1950 كان عمره 20 عاماً. تخرّج من المدرسة ولكن لم يكن متفوّقاً أكاديمياً، كان متفوّقاً بعقله التجاري الذي يتجاوز الأطر التقليدية، الأطر التقليدية أخذت المتفوّقين إلى الجامعة الأميركية بينما هو يقول بفخر كما يتحدث عن هجرته بفخر وعن تجارته كذلك يتحدّث عن عدم تفوّقه المدرسي بفخر، ليس بمعنى الفخر، هو يعتزّ بالدراسة، وكان مشروع الدراسة والعلم من المقدّسات في حياته ولكنه حينما لم ينجز هذا التفوّق المدرسي ذهب إلى جامعة الحياة في الهند وكان في ذلك الوقت يعاني من مشكلة في اللوز فأخذه أبوه إلى الهند، وهناك اكتشف عالماً جديداً، عالم اللغات، عالم الأديان، عالم الثقافات، عالم الأزياء الحديثة واللباس الحديث، فُتن فتنةً كبرى بمعناها الإيجابي، فتعلّم هناك من خلال احتكاكه، تعلّم التجارة وكذلك أشياء كثيرة، تعلّم اللغة الإنكليزية وأخذ في ما بعد يذهب في رحلاتٍ إلى الهند وبقي في باكستان أربع سنوات.

بسبب التعامل صقل جزءاً من اللغة الإنكليزية التي كانت لغة تجارة ولم تكن لغة تفوّق علمي أو أكاديمي إنما كانت لغة حياةٍ وتجارة، هكذا التاجر حتى في تعامله مع اللغة يحوّلها إلى ميدان استثمار.

هكذا يعمل عقل جاسم مراد، عقل التاجر حوّل الهجرة إلى ميزة، إلى فرصة، إلى امتياز، إلى مصدر غنىً وفخر، وكذلك حوّل عدم التفوّق والامتياز في الثانوية إلى رحلةٍ أخرى في عالم التجارة والاستثمار، وحوّل كذلك رحلة المرض إلى مدرسة أخرى لتعلّم التجارة.

هكذا يعمل عقل جاسم مراد في تحويل الفرص والأشياء دائماً إلى استثمار، يحوّل كل شيء إلى استثمار. صديقه السيد حسان مال الله الأنصاري سفير البحرين في العراق طلب منه جاسم مراد أن يزوّده بموسوعة المؤرّخ العراقي جواد علي الذي كتب موسوعة من 12 جزءاً هي موسوعة تاريخ العرب قبل الإسلام. جاسم مراد كان مفتوناً بالقراءة، أخذ هذه المجموعة وأخذ معها تذكرةً إلى الهند، فقال له صديقه لماذا لا تأخذ تذكرةً على الطائرة وهو كان قد حجز تذكرةً على الباخرة، قال له أريد أن أستمتع بأجواء البحر والطريق وأخلو مع هذه الموسوعة، فأخذ عشرة أيام يُبحر ويقرأ، يُبحر في التاريخ والأفكار ويُبحر كذلك في الخليج.

كان يقول "أعزّ مكانٍ في الدُّنى سرج سابحٍ وخير جليسٍ في الزمان كتاب"، وهذه واحدة من ميزاته، علاقته بالكتب وكذلك الاستشهادات الشعرية التي لا تتوقف. أيضاً نموذج آخر لهذا التاجر، الأشعار لم تكن تُقال لمجرّد التذكُّر أو لمجرّد المُباهاة إنما كان يقولها دائماً في المواقف التي يمثّل الشعر فيها عملة استثمارٍ للحكمة والتعلُّم والاقتداء. هناك الكثير من الأشعار التي كان يردّدها ويكرّرها ويثبّتها في مواقفه.

بعد أن عاد جاسم مراد من الهند وتجربة التجارة عاد إلى مدرسةٍ أخرى هي مدرسة السياسة، وجد أن أصدقاءه قد انخرطوا في هيئة الاتحاد الوطني في ذلك الوقت التي مثّلت أفقاً آخر وتجربةً أخرى أصبح فيها جاسم مراد واحداً من أعضاء الهيئة العامة المئة والعشرين، هو كان واحداً من هؤلاء.

عاصر عبد الرحمن الباكر الذي كان خاله، وكان يرى في شخصية الباكر شخصية باهرة مثقّفة، سياسية، شخصية على مستوى الوطن العربي وشخصية تتجاوز البحرين، كان مبهوراً بهذه الشخصية، وشهد تجربته في الهيئة، كان يراه وهو يخطب ويتفاوض ويخطّط، وكذلك رآه وهو يتاجر ويتنقّل بين البلدان، فمثّل في أفقه شخصيةً للاقتداء. كان معجباً جداً بالنشاط السياسي للهيئة في ذلك الوقت، هذا النشاط الذي انخرط فيه البحرينيون بسنّتهم وشيعتهم، هذا أوّل مختبر بالنسبة له بعد أن اطّلع على الهند ورأى كيف أن هذه الحشود والأديان والطوائف المختلفة صنعت سوقاً كبيراً وتجارة كبيرة، كذلك حين جاء إلى البحرين جاء بهذا الأفق. 

دخل إلى ميدان السياسة والقومية من خلال إذاعة صوت العرب ومن خلال تجربة الهيئة، وجد كيف أن الناس كانت لديهم فكرة جامعة هي فكرة القومية الناصرية خصوصاً في ذلك الوقت، رأى الظلم الذي وقع على أعضاء الهيئة، رأى كيف حوكموا بشكلٍ قاسٍ وظالم وكيف تمّ ترحيلهم، ترك ذلك في نفسه أثراً كبيراً. هذا الأثر ظلّ يتحوّل إلى شكل تعاطفٍ وتفهُّم وشعورٍ عميق جداً بالمنفي والمُبعَد وكذلك المُسقطة جنسيته لأنه شهد كيف أُغلقت صحف ومجلات وكتب عبد الرحمن الباكر، وكيف أُسقطت جنسيته في ذلك الوقت، فترك ذلك تأثيراً كبيراً في نفسه.

وهو كذلك تعرّض للإبعاد، رُحّل إلى الكويت مع مجموعة كبيرة من الشخصيات الوطنية التي ذهبت إلى الكويت، وهناك أيضاً خلق تجربةً مهمة للغاية، هذه التجربة تمثّلت أولاً باحتكاكه بالمجتمع الكويتي وبالسياسيين والاقتصاديين والتجار الكويتيين، عقد صلاتٍ وأحضر زوجته إلى الكويت وإن كانت لم تتأقلم مع الجو هناك وفضّلت العودة إلى البحرين، ولكن أثناء بقائه هو في الكويت تمكّن من التعرُّف على تجربة الكويت السياسية، وهذا ما عكسه في ما بعد في تجربة البرلمان البحريني وتجربة كتابة الدستور البحريني.

عاش في الكويت تجربة المنفي، يقول إن المنفي يعاني دائماً من عقدة عدم قبوله في المجتمع الجديد، كما أن المجتمع الجديد يتحاشاه أيضاً، لقد احتضننا القوميون. هذا الشعور ظلّ يلازمه، كان جاسم مراد يشعر بمعاناة السياسيين في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات وفي 2011، ظلّ هذا الشعور يلازمه وظلّ دائماً يمدّ يد العون والتفهمُّ والاستقبال، حتى وهو في البحرين في فترة الأزمات السياسية كان يقدّم كل ما لديه، حتى أنه في فترةٍ من الفترات كان يخبّئ المناضلين السياسيين ويهرّبهم عبر بيته، بل إنه في الخمسينيات كان مع مجموعةٍ من الأصدقاء احتضنوا طابعة المنشورات، الطابعة التي كانوا يقومون من خلالها بعمليات النسخ، كان هو واحداً من الأشخاص المؤتمنين عليها ولها قصة طويلة لا مجال لعرضها هنا ولكنه كان واحداً من هؤلاء.

في الخمسينيات قُبض على جاسم مراد قبل ترحيله لأنه كان متّهماً بتوزيع المنشورات، كانت التجربة السياسية بالنسبة له تجربة ميدانية إضافةً إلى أنها تجربة ذهنية وتجربة في أروقة السياسة الرسمية حيث البرلمان.

وفي الكويت وجد هذا الاحتضان حتى من أمير الكويت الذي احتضن البحرينيين، حين جاءه السفير البريطاني وقال له إن هؤلاء يتدخّلون في السياسة ويؤيّدون جمال عبد الناصر ويثيرون القلاقل، قال له هل ينوي عبد الناصر احتلال البحرين؟ كان يقول له بلهجةٍ غاضبة واستنكارية هل ينوي عبد الناصر احتلال البحرين؟ لماذا لا يُسبر غور المشكلة لمعرفة الحقيقة؟ ألا يجب إزالة الحيف وإطلاق الحريات في البحرين حتى لا تقع هذه الأمور؟

وجد حضناً في الكويت، حتى أنه كان يحدّثنا عن شخصٍ كويتي إسمه صالح شهاب، يقول إنه خدم الكويتيين المهجّرين هناك خدمةً كبيرة، وكان يقول لو أستطيع لعملتُ له تمثالاً، وهذه الخدمة تعلّم منها وهو أصبح أيضاً يخدم كل المهجّرين والسياسيين وكل المنفيين.

في الكويت كان يعمل بدأبٍ مع مجموعة أخرى من أجل الدفاع عن المنفيين، من أجل الدفاع عن الذين ذهبوا إلى سانت هيلانة، باكر وعليوات، بذل جهداً كبيراً مع المحامين في بريطانيا خصوصاً، وكانوا أيضاً صلة وصل مع مصر ومع جمال عبد الناصر وكانوا يدفعون بقوّة من أجل تغطية هذه المصاريف. وبالمناسبة هنا لا بدّ من أن نذكر أن تفاصيل كثيرة وصغيرة من أعمال الهيئة لا يتسنّى عرضها هنا ولكنها تمثّل أرشيفاً لما حدث في الخمسينيات، سنجد هذا الأرشيف وهذه التفاصيل مذكورة في سيرة جاسم مراد.

كل الجهد الذي قام به جاسم مراد وغيره مكّن المحامين البريطانيين من الانتصار، وبيان أن هؤلاء تعرّضوا للظلم وأنه كانت هناك نيّة مبيّتة لدى الحكومة ولدى البريطانيين لنفي هؤلاء حتى قبل المحاكمة. وفي هذه المسألة يحدّثنا جاسم مراد عن أحد الموظفين البحرينيين الذي كان في المعتمدية البريطانية واستطاع أن يهرّب بعض الوثائق وتمّ نسخها وإرجاعها، وهذه الوثائق تمّ تسلميها إلى المحامين وبفضل هذه الوثائق تمكّنوا من إثبات براءة أعضاء وقادة الهيئة. 

تمّت تبرئة قادة الهيئة وفُكّ نفيهم، بعضهم عاد إلى لبنان كعبد الرحمن الباكر، والسيّد علي كمال الدين عاد إلى العراق، وعبد العزيز الشملان عاد إلى سوريا ثم إلى البحرين. عودة هؤلاء تزامنت أيضاً مع عودة جاسم مراد إلى البحرين في العام 1961 حيث عاد من الكويت محمّلاً بهذه التجربة والمعرفة التي تكوّنت لديه وستبدأ تجربة جديدة ولكنها امتداد لتجربته الكبيرة، تجربة البرلمان والمجلس التأسيسي وتجربة كتابة دستور البحرين، هي امتداد لتجربته في الكويت، في الكويت هناك شخص مغمور بالتاريخ هو راشد القوتي، يحدّثنا جاسم مراد عنه، يقول إن هذا البحريني كان واحداً من المُبعدين في أحداث الهيئة، بقي هناك وعمل في البرلمان الكويتي 15 عاماً، هذا الرجل له فضل كبير، يقول إن مضابط جلسات البرلمان كان يزوّد جاسم مراد بها وكذلك دساتير العالم كان يرسلها إليه فينقل له التجربة.

يقول جاسم مراد حين دخلنا إلى المجلس التأسيسي لم نكن نعرف ما هو الدستور، لم نكن نعرف شيئاً عن هذه المصطلحات الحديثة، أخذنا نتثقّف. راشد القوتي كان يبعث لي الدستور الكويتي وهذه المضابط فأسهر على قراءتها، كنت أجمع الناس الذين حولي وأعدّ لهم وجبة العشاء ثم نجلس ونتحدّث لنشارك في تأسيس هذا الوطن وتأسيس هذا المجلس التأسيسي والدستور والبرلمان.

من بيته في منطقة القفول بدأ يؤسّس نفسه من جديد ليصبح دستورياً وسياسياً وبرلمانياً، لذلك بذل مجهوداً كبيراً وكان حريصاً على إشراك الجميع، على أن يجعل أفقه السياسي، الوطني، الفكري بين الناس، لذلك ظلّ مجلسه حتى آخر يومٍ في حياته مجلساً للتداول، والسياسة تكمن في التداول، حين نجعل السلطة متداولة والفكرة متداولة والهيئات التنظيمية أيضاً متداولة فإننا نمارس السياسة.

من هناك بدأ المشاركة في تأسيس الدستور، وكان جاسم مراد متفاعلاً بصورةٍ كبيرة في تأسيس الدستور، وهناك قضايا هامة حدّثنا عنها في التأسيس، يقول على سبيل المثال إن نظام الحكم الوراثي كان من الموضوعات الشائكة في كتابة الدستور، نحن أردنا أن نجعل الحكم شورى في العائلة الحاكمة، كما الكويت وتجربتها في اختيار الأمير عبر مشاورة العائلة وليس عبر التوريث لوليّ العهد وهو الإبن الأكبر.

كنا نريد في دستور البحرين أن نفعل ذلك أيضاً يقول ولكن لم نتمكّن من تحقيق ذلك، وكنا نطمح باعتبار أن الدستور الكويتي هو تقريباً نفسه الدستور البحريني أن نجعل موضوع التوريث أو الحكم يشبه نظام الحكم في عائلة الصُباح ولكن لم نحقّق ذلك، وهذا كان من الأشياء التي تحسّرتُ عليها. كذلك يقول كنتُ حريصاً على أن تكون أراضي الدولة بيد الحكومة وليس بيد الأمير أي لا يهبها كما يريد، هذا الموضوع يقول أيضاً لم نتمكّن من تحقيقه، يقول بذلتُ مجهوداً كبيراً ليكون الأمر بيد الحكومة وليس بيد الأمير.

أمرٌ آخر هو موضوع التجنيس، يقول أردنا أن نصنع أمراً مهماً للأجيال، ألا نجعل التجنيس بيد الملك أو بيد الأمير في ذلك الوقت كما هو في الكويت، هذه الأمور التي كان يراها منذ السبعينيات مع الأسف لم تتحقّق في الدستور ومع الأسف تسبّبت بكوارث كبرى، لذلك ظلّ هو حتى نهاية حياته يحدّثنا عن هذه الكوارث، عن كارثة التجنيس، عن كارثة ضياع الأراضي وعن كوارث أخرى منها البطالة، الظلم، الإسكان، كان يتحدّث عن الإسكان وعن الأراضي بصورةٍ حارقة جداً، يقول دائماً إن هؤلاء الذين كانوا يخرجون في الثمانينيات والتسعينيات وفي 2011 اغتُصبت أراضيهم ولا يملكون أعمالاً فثاروا من أجل لقمة العيش. وكان يقول أيضاً إن من أكبر الأخطاء الموافقة على أن يجنّس الملك،هذه الأشياء كان يراها منذ فترةٍ مبكرة. 

التجربة البرلمانية هي تجربة غنية جداً في السبعينيات، لذلك كان يقول إنها تجربة غنية ونقطة مضاءة ولكنه يقول إنني ندمتُ على شيء أنه حين جاء قانون أمن الدولة لم أستقل، يقول أنا وقفت ضدّه والمجلس أيضاً لكنني كنتُ أودّ أن أكون قد قدّمت استقالتي احتجاجاً على هذا القانون.

كذلك حدّثنا عن نقطةٍ هامة جداً في مجلس 1973 هي نقطة الموازنة، يقول إن موازنة الدولة كانت 18 مليوناً قبل أن ترتفع مع ارتفاع النفط وتصبح 60 مليوناً، يقول كنا نسعى بقوةٍ لأن نجعل للعائلة الحاكمة 5 أو 6 ملايين فقط ولكن العائلة الحاكمة كانت تأخذ ثمانية ملايين وتبقى عشرة ملايين للدولة، وبعد أن أصبحت موازنة الدولة 60 مليوناً بطبيعة الحال تضاعفت الثمانية ملايين بالتأكيد.

تحدّث جاسم مراد كذلك في سيرته عن كتلة الدينيين وكتلة اليسار، هاتان الكتلتان كانتا عل خلافٍ معه لأنه كان في الكتلة الوسط، الكتلة التي لم تكن ترى في التشدُّد الديني والأيديولوجي حلاً، كان ضدّ مشاريع اليسار، على سبيل المثال حين اتّخذ اليسار موقفاً متصلّباً من القاعدة الأميركية وقف هو ضد ذلك، اشتغل العقل التجاري فيه وكان يقول إن ذلك فوق طاقتنا وإننا سندمّر التجربة البرلمانية والسياسية حين نركب هذه الموجة، علينا أن نحكّم عقلنا وأن نرى ما يمكن أن يحقّق مصالحنا الصغرى ونكتفي بذلك، وهذا ربّما من الأشياء التي أدّت في ما أدّت إليه إلى وأد التجربة السياسية مبكراً والقضاء عليها.

كذلك في تجربة 2011 التي ربّما مثّلت ختام المسيرة، هو كان ثابتاً على مبادئه، كان متفهّماً في حركة 2011 ومدافعاً، وحين بدأ الحوار الوطني كتب 20 فكرةً، وكل هذه الأفكار كانت تقود إلى الإصلاح، كان يقول لا بدّ من تفريغ السجون من سجناء الرأي، لا بدّ من أن يخرجوا جميعهم ويبدأ حوار وطني، هذه كانت من المبادئ الأساسية التي آمن بها إلى آخر عمره.

مسيرة جاسم مراد هي مسيرة حافلة بالتحوّلات والتحديات، حافلة بالعبرة منذ كان في الهند وتعلّم هناك أصول التجارة وتجارة الذهب على وجه الخصوص إلى أن عاد إلى البحرين ودخل النضال السياسي والتجاري وصولاً إلى السبعينيات ودخول البرلمان وقبله المجلس التأسيسي، في كل هذه المحطات كان يكتب تاريخ البحرين وكان يعيش سيرة البحرين، لذلك سيرة جاسم مراد هي سيرة البحرين وتحوّلاتها السياسية منذ الأربعينيات إلى الخمسينيات والستينيات والسبعينيات وما بعد الألفين هي سيرة غنية وتجربة غنية تستحق الكتابة والتأمّل، شكراً لكم.