كتاب "بستان الأحجار الكريمة"

قضى الروائي والفوتوغرافي وكاتب السير حسين المحروس خمسة عشر عاما في زيارات مستمرة لبستان (الشاذبية) بالبحرين لتوثيق حياة أربعة فلاحين إخوة قضوا عمرهم بين البساتين، بدأ تصوير الأخوة الأربعة في عام 2006 حتى قبيل صدور الكتاب في عام 2022

اعداد: علي الديري

 

 

 

مرحباً بكم، أحدّثكم في هذه الحلقة من بودكاست ورق عن كتاب "بستان الأحجار الكريمة" للروائي والكاتب والمصوّر حسين المحروس، يحدّثنا في هذا الكتاب عن بستانٍ قد تملّك روحه وعينه وكاميرته وحرفه، قضى مع هذا البستان ما يقرب ال 16 عاماً وهو مأخوذٌ به.

في هذا الكتاب يأخذنا إلى رحلةٍ طويلة في هذا البستان، إلى صوره، إلى ناسه، إلى نخيله وأشجاره. يقول في يوميات البستان التي سجّلها في نهاية الكتاب يقول إنه "في شهر نوفمبر 2006 وفيه دخلتُ البستان أول مرةٍ من الباب الغربي الثاني القريب إلى قرية جد الحاج، أوقفتُ سيارتي تحت ظل شجرة ياسمين هندي ضخمة، تحت هذه الشجرة يجري جدول ماء، يمكن الجلوس تحتها، تقدّمتُ جهة الشمال فرأيتُ رجلاً نحيلاً أسمر يلبس كوفية مخطّطة، كان يبتسم وهو يلوّح لي بالترحيب، سألته عن اسمه فقال عبد الله بن خميس، هذا هو اليوم الأول الذي أصوّره وأصوّر البستان، تجوّلتُ في البستان وعرفتُ حدوده، كان ذلك اجتهاداً مني، التقطتُ صوراً وغادرتُ، لم يكن في بالي شيء آخر".

هذا هو اليوم الأول، هذه بداية الحكاية وبداية الكتاب وبداية سيرة هذا البستان، بستان الأحجار الكريمة، هو أيضاً بستان أولاد أمينة الذين هم عبد الله وجميل وعبد الرسول وحبيب، هؤلاء الأولاد هم الذين يعملون في بستان الأحجار الكريمة هذا، كما أطلق عليه الكاتب، ولم يؤوّل الكاتب هذا المعنى أو هذا العنوان في الكتاب ولكن يمكنك أن ترى أن الأحجار الكريمة هي هؤلاء الفلاحين وكذلك أرضهم وزراعتهم ونخلهم وتعبهم وسيرتهم، كل ذلك أحجار كريمة وكنوز، أشياء آيلة اليوم للغياب، لذلك يقول الكاتب "لا أريد أن أتأخر مرتين"، بمعنى لا أريد أن أتأخر مرتين لأنني تأخرتُ في المرة الأولى في تصويرهم، وكما قال أحد الفلاحين "لقد جئتَ متأخراً" لأن الكثير من البساتين الرائعة والجميلة والكثير من الأحجار الكريمة ذهبت ولم تعد.  

الآن أمامك هذه الأحجار، أمامك بستان أولاد أمينة، بستان الشاذبية، عليك أن تلحق بهذا البستان وتصوّر ما يمكن تصويره، لذلك يقول الكاتب "أنالا أريد أن أتأخر مرتين".

يفتتح الكتاب بصورةٍ لأولاد أمينة، وفي الصورة قليل من الضوء الشفيف يخترقهم، تفتح الكتاب وتفتح هذه الصورة وكأنك تفتح باب البستان وتدخله لأول مرة. أراد المحروس أن يجعل من هؤلاء الفلاحين والمزارعين، أبناء الأرض والبستان أراد أن يجعلهم أبطال السيرة والقصة والبستان. احتفى بهم احتفاءً كبيراً، في هذا الكتاب سرد لنا عرقهم وترابهم وكل يومياتهم في هذا البستان.

يدخل المحروس مع كاميرته وهو بكامل جديّته، في كثيرٍ من صور الكتاب نرى المحروس يضحك أو نراهم يضحكون ولكن هذا الضحك كان ضحكاً جاداً، كان ضحكاً يعبّر عن عمق العلاقة بين المصوّر وبين هؤلاء الفلاحين وبين الأرض والنخل والزرع والمياه، كانت علاقة عميقة للغاية عمرها عقدٌ ونصف أي أن الصور قد حُمّضت في عقله وفي مخيّلته ودمه وتلفّتاته كلها لكي يخرج لنا بهذا الجمال.

يقول المحروس لا تذهب إلى تصوير الفلاحين والبساتين إذا لم تكن جاداً، ما هي الجدية التي يتحدّث عنها وكيف بدت في الكتاب؟ الجدية التي يتحدّث عنها هي أن تذهب إلى عمق المعنى، هي أن تدرك التعب، هي أن تدرك الروح التي خلف وجوههم ورقابهم وعرقهم، نجد المحروس يسجّل هذه اليوميات للبستان وللكاميرا وله وللفلاحين ليضعوا أجندة كاملة تبدأ من عام 2006 وتنتهي عام 2022.

 

هل هناك جدية أكثر من أن تسجلّ كل هذه اللحظات بدقة وجمال وحفظ أحياناً للعبارات كما قيلت طازجة، حيوية، تعبّر عن نبض وعن عمق العلاقة وفي الوقت نفسه تعبّر عن بساطة العلاقة، لم يكن متعالياً عليهم ولم يكن ينظر إليهم من أعلى كاميرته بل كانت كاميرته تنظر إليهم ببسطةٍ من الأمر وبسطةٍ من الروح والحب أيضاً.

الجدية كذلك تتبدّى في هذا الوقت الطويل، في العقد والنصف جعل روحه تتخللهم وتتخلل النخيل، لذلك تجد كل صورة ناطقة بعمق العلاقة بين المصوّر وبين هؤلاء، لم يكن هناك استعجال أو غرض، لم يتعامل معهم كغرض أو كموضوع يستحوذ عليه أو يستفيد منه أو يستغلّه أو يجعله فرجةً. كذلك الجديةتتبدّى في استيعابك لمزاجهم ولغتهم ومعجمهم، في أن تلتفت إلى كل كلمةٍ يقولونها، تلتفت إلى الكيفية التي يفهمون من خلالها الطقس والأرض والعالم.

حين يستخدم أحدهم عبارة "تعوّد على الوقت البارد" أو يقول "برد الورد" أو "الورد المحمّدي يأتي بعد الشتاء وأول الربيع مع برودة الوقت أو مع فتران الوقت"، حين تدرك هذه اللحظات وتتوقف عندها وتسردها وترويها وتتمعّن بها وتجعل منها مفاتيح للحكاية فأنت جاد لأنك تدرك عمق هذه الكلمات التي تُقال بعفوية.

 

في بستان الشاذبية كل الوقت للجهد والتعب والجِدّ، يبدأ اليوم قبل شروق الشمس، هؤلاء الإخوة الأربعة لا يرون الشمس إلا في بستانهم، وأرضهم، تتبدّى بين نخيلهم، تشرق الشمس من رقابهم كما يقول الكاتب. يذهبون إلى أرضهم من الساعة الثانية فجراً ويبقون فيها حتى لحظة الغروب، كل هذا الوقت ممنوحٌ للأرض والنخل والزرع وكل ما هو أخضر في هذه الأرض.

يقول أحد الإخوة الأربعة "ولدتُ في البستان وعشتٌ فيه وسأموت فيه"، البستان لا يمثّل هوية هذا الفلاح فقط وإنما يمثّل هوية البحرين، لذلك يقول الكانب إن تصوير البساتين يشبه تصوير الصيادين والبحر، كلاهما يمثّل هوية البحرين التي هي في الحقيقة بين مائين، هي بحرين، هي ماء البحر المالح الذي يأتي لنا بالسمك واللؤلؤ، وهوية الماء الحلو الذي يأتي لنا بالبساتين والنخيل وكل ما هو أخضر، بين هاتين الهويتين يكون البحريني وتكون هويته، وكلا الهويتين والرمزين معرّضين للزوال، لذلك يقول الكاتب إن الأرض والزرع ذاهبٌ إلى مرحلة الغياب وكذلك البحر، وهنا نستعيد عبارته "لا أريد أن أتأخر مرتين"، هو مهتمّ بهذا التصوير لكي لا يتأخر عن التقاط هذه اللحظات الأخيرة.

البستان بحرٌ أخضر كما أن البحر بستانٌ أزرق، هكذا نستطيع أن نفهم العلاقة بين المائين والعلاقة بين البحر والنخل والبستان. جدية المصوّر أيضاً تظهر في هذا الكتاب وفي هذه الصور في البحث عما هو أبعد من الصورة، تعب الفلاحين الذي احتفى به الكاتب وأبرزه في صوره الفنية وسرده كذلك له جانبٌ آخر هو جانب التضمين، موضوع التضمين اهتمّ به وعاد للأرشيف والأوراق والتاريخ لكي يكتشف تعب هؤلاء، كي يبحث عن الاستغلال والتعب الذي لم يُقدَّر عند هؤلاء الفلاحين، وهذا موضوع الشق الثاني من هذا الكتاب.

ما هو نظام التضمين؟ في المفهوم هو عبارة عن نظام استئجار الأراضي الزراعية التي كانت تسمى في ذلك الوقت دولاب وصرما ودالية ونخل وزراعة وجوبار، كلها كانت تسميات في ذلك الوقت، هذا العقد كان في البداية شفهياً ثم مع تطور الإصلاحات تحوّل إلى مكتوب وفيه يستأجر المزارع أرضاً زراعية ليست ملكاً له يأخذها من مالكها لمدة متفق عليها ووفق غلّة محسوبة ومعدودة مما تنتجه الأرض، حيث يتمّ تسديد الإيجار من ثمن منتجات هذه الأرض، وبهذا يضمن المالك ما اتفق عليه مع الفلاح الضامن له بالتسديد في الوقت المعلوم أيضاً.

حين يأتي قارئ ويقرأ عن نظام التضمين يفهمها بهذا المعنى ولكن في الحقيقة فإن نظام التضمين يتضمن تاريخاً مريراً من الظلم والإجحاف. الكاتب هنا يُبرز صوت واحد من هؤلاء الذين تمرّدوا على هذا النظام وهو إبراهيم عياد الذي عمل مع أبيه الذي كان يضمن الأراضي هو وعائلته، ولكن هذا الولد في لحظة غضب شديدة جداً من ظلم هذا النظام وضغطه وإجحافه فلت من العائلة وخرج وقال إن هذا النظام هو عبارة عن نظام سخرة وعبودية.

في الحقيقة أن هذه الجملة التي قالها وسردها لنا الكاتب هي معبّرة فعلاً عن نظام التضمين. يلفتنا هنا المحروس إلى معنى التضمين، معنى يتجاوز الاستئجار، التضمين ليس استئجاراً كما نعرفه اليوم، هو أكثر من ذلك، التضمين يتضمّن معنى الرعاية والعناية والتكفّل وكل هذه المعاني يتحمّلها المزارع أو الفلاح الذي لا يملك هذه الأرض ولكن عليه أن يضمن كل ما في الأرض، وأي تلفٍ أو خرابٍ أو خسارة يتحمّلها هو.

وهناك نظام معروف في العالم كله هو نظام الإقطاع الذي كان موجوداً في البحرين حتى العام 1923 وبقيت آثاره، هذا النظام كان فيه شيخ العائلة الحاكمة لديه جهاز إداري في كل مقاطعة، هذا الجهاز كما يقول إسحاق خوري في كتابه "القبيلة والدولة" يتكوّن من الوزير والوكيل الذي لديه مهمة ضمان النخل، هذا الوزير مسؤول عن تحديد الضمانات وتحديد ما على الفلاحين القيام به، على مراقبة إذا ما كان هناك فلاح يريد أن يلعب بذيله او أن يتذاكى في دفع ما عليه من ضمان، كان هذا الوزير هو السيف المسلّط عليهم، وكذلك هناك الفْداوية وهم الجهاز الأمني لهذا الشيخ الذي يفرض بالقوة ما يريده، وهناك كذلك الكخيضات وهي كلمة عثمانية وتعني المسؤولين عن جني الضرائب، وكان هؤلاء الفلاحين يدفعون الضرائب على مزارعهم والمياه المستخدمة.

هذا النظام بقيت أجزاء منه متوارثة أيضاً على الرغم من أن هناك تحديثات كبيرة حدثت في البحرين بعد أن تمّ عزل عيسى بن علي في العام 1923، أقيم نظام حديث للدولة ولكن هذا النظام لم يتبدّل دفعةً واحدة بل بقيت آثاره، آثار التضمين ظلّت تثقل كاهل المزارعين.

تتبّع المحروس إعلانات التضمين والحكومةعن المزارع وعن الإصلاحات، وكان ينقل لنا كل هذه الأجواء ويقول إن الجهات التي كانت صاحبة التضمين هي الأوقاف الجعفرية والسنية أيضاً، وهناك أفراد العائلة الحاكمة وبعض التجار، أما غالبية الشعب فكانوا يعملون ضمن هذا النظام، كانوا هم المسخَّرين، كما أن الغواصين وإصلاحات الغوص التي نعرف جميعاً كيف أنها أجحفت هؤلاء وأخذت من أرواحهم ومستقبلهم وصحتهم كذلك كما قلنا إن تاريخ وهوية البحريني تتحدد بالبحر والمزارع أو الأرض، وعلى كلا الجانبين حدثت ظلامات كبيرة لهذا الإنسان.

 

ينقل لنا أحد الضمانات ويقول "نعلن للعموم أن كل مَن لديه رغبة في ضمان نخل في خانة الكائن السيد جد حفص من المنامة عليه أن يخبر هيئة أملاك آل خليفة بدائرة المستشارية خلال 15 يوماً من تاريخه".

نلاحظ أن هناك هيئة أيضاً اسمها هيئة أملاك آل خليفة وهذه التي كانت تفرض موضوع الضمان، وتاريخ الأرض أو البساتين، هو يحكي لنا فعلاً عن تاريخ البحرين وإنسان هذه الأرض.

يختتم المحروس كتابه بصورةٍ في غاية الجمال والروعة لمجموعةٍ من النخيل وضعها على صفحتين، يتخلّل هذا النخيل شيء من الضوء في الفجر وهو الوقت الذي يكون فيه الفلاحون في أراضيهم والشمس توشك أن تشرق، النخيل يبدو عليه التعب وبعض النخيل فقد رأسه وبعضه فقد جذعه وكأنها تؤذن برحيل هذا التاريخ، تاريخ النخل والبساتين، كذلك نفقد هذه الأحجار الكريمة.

كذلك يقدّم المحروس في اليوم الأخير من سلسلة يوميات البستان يقول في 15-1-2022 في الساعة الحاديةعشرة والنصف يقول "المطر مستمر منذ الصباح الباكر في البستان، أحمل كاميرتين، يغطّي جميل ورسول وحبيب رؤوسهم بكيسٍ من الخيش يتٌّقون به المطر وهم يعملون. يستمر عبد الله في الغياب عن البستان بسبب ركبته، نصحه الطبيب بالراحة في البيت لأسبوعين قضى منها ثمانية أيام وهو الآن على ما يرام".

هكذا هي نهاية الجزء الأول من اليوميات ويعدنا المحروس بأنه سوف يستمر بالحضور وتدوين هذه اليوميات والتصوير قدر الإمكان والعيش مع هؤلاء الإخوة الأربعة في بستان الشاذبية والأرض التي ليس لها اسم، شكراً لكم.