"السقوط الخامس".."كيف تستطيع "دولة إسرائيل" الهروب بالمستقبل من مصيدة التاريخ اليهودي؟"

الكتاب بمجمله خطاب لليهود والإسرائيليين، هو صرخة لكي يُنقذوا وضعهم من مصيدة التاريخ اليهودي المحكوم بمزاج التدمير الذاتي والتناحر والانقسام والشتات . هذا الكتاب يكشف الخوف الذي يتخطّف العقل اليهودي والقلق الذي يعيشه من أن تسقط "إسرائيل"

"السقوط الخامس"

 

حيّاكم الله في بودكاست ورق، في هذه الحلقة أحدّثكم عن كتاب السقوط الخامس لديفيد باسيج وهو كاتب إسرائيلي يهودي، قام مركز هدهد للدراسات الإسرائيلية بترجمة هذا الكتاب، ومركز هدهد موجود في غزة ولكن لا نعرف إذا كان ما زال موجوداً أم أن الآلة الإسرائيلية دمّرته.

 

أسجّل هذه الحلقة في أيامٍ عصيبة بعد أسبوع من عملية أو حرب "طوفان الأقصى". السؤال الذي يطرحه ديفيد باسيج وهو موجود في عنوان الكتاب، "كيف ستستطيع دولة إسرائيل الهروب بالمستقبل من مصيدة التاريخ اليهودي"؟ ما هي هذه المصيدة؟ مصيدة التاريخ اليهودي هي التي عبّر عنها أكثر من رئيس وزراء لإسرائيل، كانوا دائماً يقولون هل سنستمر إلى مئة عام أو إلى ثمانين عاماً، هذا القلق هو قلق المصيدة التاريخية إذ أن إسرائيل في تجارب الدول وتجارب السيادة السابقة لها في التاريخ كما يقولون هم لم يستمرّوا أكثر من ثمانين إلى مئة عام فقط، ثم يفقدون هذه السيادة ويفقدون الدولة والهيكل الذي يجمعهم. 

 

فالسؤال المطروح في هذا الكتاب هو سؤال مُقلق جداً للإسرائيليين وللباحثين وللسياسيين وللجيش وللمُختصّين بالدراسات المستقبلية كهذا الكتاب. هو يطرح هذا السؤال لكيلا يقع السقوط الخامس. هناك سقوطاتٌ أربعة سابقاً سنفصّلها في هذه الحلقة، وهناك السقوط الخامس والمقصود به هو سقوط دولة إسرائيل الحالية، أستعمل هنا تعبير دولة إسرائيل وفقاً لعنوان الكتاب، هل ستسقط؟ الكاتب لا يُبشّر بالسقوط، والكاتب في الوقت نفسه لا يُبشّر بالديمومة والبقاء، هو يطرح سؤالاً من أجل إنقاذ إسرائيل، هو إسرائيلي صهيوني يهودي يريد أن يخاطب جماعته اليهودية، ويقول لهم علينا أن نقرأ التاريخ اليهودي طوال هذه القرون التي تزيد على 15 قرناً، وأن نستخلص الدروس لكيلا يكون هناك السقوط الخامس.

 

 لذلك أقول إن الكتاب لا يُبشّر بالسقوط ولكنه في الوقت نفسه غير مطمئن من عدم السقوط. هو مساهمة داخل إسرائيل من أجل تجاوز هذه الانقسامات الحادّة لديهم في إسرائيل، والتي قادت في الماضي ويخشى أن تقود في الحاضر إلى سقوط إسرائيل الخامس. 

 

يفتتح الكتاب بقصة مؤثّرة حقيقية تتعلّق بعائلة ديفيد باسيج المؤلّف الذي يقول إنه في العام 1968 جمع والد ديفيد إخوته في الشقّة التي كانوا يسكنون فيها وهم لاجئون أو مهاجرون قد جاؤوا من المغرب، جمعهم في الحمّام، كدّسهم في حمّام الشقّة وأخرج لهم سبعة مفاتيح. روى لهم قصة الهجرة وقال لهم إن هذه المفاتيح السبعة تمثّل المنفى والشتات واللادولة، وتمثّل حال الضياع التي عشناها قبل أن تقوم إسرائيل. 

 

المفتاح الأول هو مفتاح البيت الذي سكنّا فيه حين كنا في المغرب قبل هجرتنا، وهناك مفتاح آخر هو مفتاح الدكان، ومفتاح المطعم الذي كنتُ أعمل فيه، كذلك الدكان الذي كنت أعمل فيه في الخياطة من أجل هذه العائلة، وهناك دكان أيضاً لبنايةٍ كنتُ أؤجّرها لأحصد الإيجارات من أجل إعانتكم وإعانة مشروعنا في إقامة الدولة. وهكذا بدأ يعدّد لهم هذه المفاتيح التي لا تنتمي لإسرائيل، لا تنتمي إلى دولة أو سيادة بل تنتمي إلى قصة المنافي والشتات والاضطهاد والكراهية التي كنا نعاني منها حيث وُجدنا، لم يكن أحد يتقبّلنا. 

 

طبعاً هو يسرد هذه القصة بمؤثّرات وتفاصيل عاطفية تشدّك كقارئ، وهذه من الأساليب البلاغية والتأثيرية التي يمارسها في هذا الكتاب من أجل جذب القارئ لقصّته وسرديّته.

يقول بعد ذلك قام أبي بإلقاء هذه المفاتيح السبعة في المرحاض وسحب عليها "السيفون"، بالتالي كأن هذه المفاتيح قد تمّ التخلّص منها أو أُحرِقت، بمعنى أنه يقول لهم إن هذه المفاتيح لا نريد استخدامها ولا نريد العودة إليها، أنتم الآن في الدولة، في السيادة، في إسرائيل ليس لديكم مفتاح، أحرقنا كل السفن، عليكم أن تتشبّثوا بهذه الدولة وتتمسّكوا بها وتعتبرونها الملجأ الأخير لكم، ليس هناك أي مجال لكي نفقد وطننا من جديد أو نفقد سيادتنا أو ندمّر معبدنا وبيتنا المقدّس من جديد. أنا قد ضحّيتُ من أجلكم وأحرقتُ سفني وتركتُ بيوتي السابقة من أجل أن أوفّر لكم هذا البيت وهذا الوطن فتمسّكوا به. 

 

هذه القصة الشخصية التي يقدّمها الكاتب ببلاغةٍ شديدة تعبّر في الحقيقة عن إسرائيل، "إسرائيل بيتنا" هو عنوان أحد الأحزاب الإسرائيلية، هذا المعنى الذي قدّمه وشرحه في هذه القصة. الكاتب كذلك يعمّق من هذه القصة المؤثّرة ويتشبّث بهذا البيت الذي نعتبره نحن من زاويتنا أنه بيت العنكبوت، لكنهم يريدونه أن يكون بيت القبّة الحديدية الفولاذية القوية. هو يقدّم في هذا الكتاب دروساً مُستخلصة من الماضي، من السردية الماضية التي قامت فيها إسرائيل بإنشاء دولةٍ وإقامة سيادة، تجربة كانت بالنسبة لهم تستحقّ النظر.

 

وهذا يدفعنا إلى قراءة السقوط الرابع والثالث والثاني والأول، ماذا يقصد بهذا السقوط؟ يقول الكاتب إنه في هذا الكتاب يريد أن يقدّم بالتفصيل العصور الأربعة في تاريخ الشعب اليهودي. وهذه الفصول بحسب رأيه تتميّز بأربعة أمزجة مركزية جماعية للشعب اليهودي وقادة الشعب اليهودي في الماضي، حيث أن كل عصر بدأ بحلمٍ موعود قدّمه القادة لتخليص الشعب من الأزمات. 

 

كلمة أمزجة مركزية وكلمة مزاج جماعي يهودي تتكرّر بصورة غزيرة جداً في الكتاب، وهو يعالج هذه الأمزجة ولكنه في الحقيقة لم يقدّم تعريفاً لمعنى المزاج هنا، لذلك سأحاول أن أستخلص هذا المعنى من خلال عرض هذه العصور الأربعة. سأبدأ أولاً بالعصر الخامس لأنه عصر واضح تماماً ومُشاهَد ونحن نعيشه اليوم. العصر الخامس هو عصر إسرائيل حالياً التي قامت في العام 1948 وما زالت مستمرة، والآن هي في العقد السابع لها. هذا هو العقد الخامس وهو في هذا الكتاب يقدّم تحذيرات لكيلا يسقط هذا العقد الخامس. يسمّيه هو "السقوط الخامس" أي سقوط دولة إسرائيل.

 

ما هي العصور الأخرى؟ يبدأ بالعصر الأول الذي يسمّيه عصر القضاة أو عصر القبائل، هناك 12 قبيلة، هذه القبائل هي من أبناء النبي يعقوب وكانت تعيش في القرن الخامس عشر إلى القرن الحادي عشر قبل الميلاد يعني 1500 سنة تقريباً قبل الميلاد، كانت هذه القبائل تعيش ولكنها كانت مُتناحرة وكانت تسود بينها الانتقامات والرغبة في قتل بعضها بعضاً والحروب التدميرية والانقسامية، كل قبيلة كانت تترصّد بالقبيلة الثانية. هذا ما يُسمّيه "المزاج التدميري" أي أن اليهود كانوا يعيشون في مخيّلتهم هذه الفكرة أن كل قبيلة تريد أن تكون هي صاحبة القضاء والقوّة على القبائل الأخرى، فلم يفلحوا وفشلت ريحهم إلى أن وصلوا إلى حلٍّ عرضوه على أحد أنبيائهم وهو النبي صموئيل، قالوا له ضع لنا ملكاً لكي يحكم بيننا، فوضع لهم ملكاً وهذه هي المرحلة الثانية والعصر الثاني وهو عصر الملوك. 

 

في هذا العصر وضع لهم طالوت ملكاً، وبعد طالوت جاء داود ثم سليمان. هذه الفترة الملكية لليهود والتي استمرّت ما يقرب من 500 عام من القرن العاشر حتى القرن السادس قبل الميلاد. في هذه الفترة الملكية أيضاً انقسمت إسرائيل بين مملكة يهودا أو إسرائيل الجنوبية والشمالية. هو كما يقول كانوا في فلسطين وأن هذه الدولة كانت لها سيادة ولكنها كانت منقسمة وخاضت أيضاً سبعة حروب في ما بينها، فهذا المزاج الانقسامي داخل دولة اليهود أدى أيضاً في النهاية إلى تدمير الدولة والمعبد والهيكل وهو البيت الذي يمارسون فيه طقوس العبادة والصلاة والمشاورة والبرلمان، وكل شيء كان يُمارَس في هذا المعبد بالنسبة لهم، فهذا أيضاً تمّ تدميره على يد نبوخذ نصّر، قاموا بسبيهم إلى العراق وهذا السبي ترك في نفوسهم وفي مزاجهم تأثيراً كبيراً، وهناك في العراق كتبوا التوراة وظلّوا هناك إلى أن جاء الملك كورش وهو ملك إيراني وبطل، تمكّن هذا البطل من إقامة إيران القوية وما زالت تماثيله موجودة في إيران، هو بطل من أبطال التاريخ بالنسبة إلى الإيرانيين.

 

قام كورش بالسماح لهم بالعودة إلى فلسطين حيث معبدهم، فعادت مجموعة منهم وهناك روايات مختلفة، بعضهم يقول إنه عاد 40 ألفاً منهم إلى هناك، وأنا هنا أقدّم الرواية التي يقدّمها الكاتب، وهناك بدأوا يعيدون تشييد معبدهم وتشكيل سيادتهم بعد هذا السبي الذي تعرّضوا له. وهناك أقاموا الدولة الثالثة او السيادة الثالثة وهي سيادة الكَهنة. العائلات التي كان لديها كهنة هم الذين حكموا، وأيضاً هذه الدولة استمرّت حتى القرن الأول ودخلوا أيضاً في مشاحنات واختلفوا مع الدولة الرومانية. 

 

الإمبراطورية الرومانية قامت أيضاً بتدميرهم وهدم معبدهم، وبالتالي دخلوا بعد ذلك في عصر الشتات وهذا هو العصر الرابع الذي يُسمّى عصر المنافي أو الشتات ويُسمّى أيضاً عصر الحاخامات، والحاخامات هم رجال الدين الذين كانوا يحكمون، وكانوا هم الذين يشكّلون الرابط لليهود، حافظوا على ثقافة اليهود وعلى هويّتهم. عصر الخامات هذا استمرّ من القرن الثاني الميلادي إلى العام 1939 أي إلى الهولوكوست أو المحرقة اليهودية أي إلى قيام دولة إسرائيل الحالية.

 

هذه أطول مرحلة استمرّت في حدود 1900 سنة، الشخصية اليهودية كانت مشتّتة ومنبوذة وتعاني من الكراهية، والحقيقة أن الرومان حين اتّخذوا من المسيحية ديناً للدولة الامبراطورية في العام 333 ميلادية، أطلقوا شعار "فلنخالف اليهود في كل شيء"، وأصبح اليهودي منبوذاً بثقافته وعاداته وهويّته منبوذة. وهذه الحرب وهذه الكراهية التي صارت لليهود في الغرب مع الأسف الشديد انتهت باحتلال فلسطين في ما بعد، وتحميل العرب هذه المسؤولية.

هذه إذاً العصور الأربعة وصولاً إلى العصر الخامس الذي يتحدّث عنه هذا الكتاب، هو يريد أن يقدّم روايةً تحمّل القيادة والإدارة مسؤولية هذا الخراب والسقوط الذي انتهت إليه الدولة والشخصية والسيادة اليهودية. لذلك هو يقول في هذا الكتاب "نريد المحاسبة، مَن يضمن أن قادة الدولة الإسرائيلية المستقبلية لن يفشلوا كما فشل القادة في المراحل الأربع السابقة؟ مَن يضمن لنا أنه مثلما فشل أجدادنا في تجربتهم القومية السيادية الأولى والثانية فإن التجربة الثالثة للدولة في العصر الخامس الحالي لن تفشل؟ مَن يستطيع أن يضمن لنا أن الطريقة الديمقراطية الحالية للحكم لن تفشل كما فعلت الطريقة الملك أو الكهنوتية أو الحاخامية التي سبقتها"؟

 

هو يعتبر الآن أن الدولة الحالية هي الدولة الديمقراطية والتجارب السابقة هي تجارب ملكية كهنوتية وحاخامية، فهو يريد أن يقدّم هذه الدراسة لكي يثير التفكير بالنسبة للقادة الإسرائيليين واليهود ليفكّروا في إبقاء هذه الدولة ولا يحدث لها ما حدث للدولة السابقة...

 

في الحلقة القادمة نُكمل طريقة معالجته وطريق دراسته لهذه التجارب الأربع وماذا استخلص منها، شكراً لكم...