"الغارديان": تونس تظهر أن الديمقراطية لا تكفي بدون الرخاء الاقتصادي

الحرية السياسية في العصر الحديث، مثلها مثل أي شيء آخر، هي معاملات. لم تعد مبدأ عالمياً يفسّره فلاسفة التنوير والآباء المؤسسون.

  • كيف تفاعل الإعلام العربي والغربي مع الأزمة التونسية؟
    الحرية السياسية تتطلب انتعاشاً اقتصادياً يصحبها.

كتب سيمون تيسدال في صحيفة "الغارديان" البريطانية تناول فيها الأزمة التونسية. وقال إن الدعم الضمني في الولايات المتحدة والغرب للحركات والتحولات المؤيدة للديمقراطية في جميع أنحاء العالم هو افتراض أنه، في ظل الاختيار الحر، فإن نظام الحكومة المنتخبة والتمثيلية هو ما سيفضله الناس دوماً بشكل طبيعي. وطرح سؤالاً: لكن ماذا لو كان هذا الافتراض خاطئاً؟ ماذا لو اعتقدت الأغلبية أن الديمقراطية لا تعمل لمصلحتهم؟

وأضاف الكاتب: تشير الشهادات القادمة من تونس، وهي أحدث دولة تواجه أزمة حول كيفية إدارتها، إلى أن العديد من المواطنين رحبوا بالتعليق القوي للبرلمان المنتخب ديمقراطياً الذي فشل في معالجة مشاكل الناس وتم شتمه على نطاق واسع باعتباره الأوليغارشية التي تخدم نفسها بنفسها.

ونقل التقرير عن شاب تونسي يدعى محمد علي، 33 عاماً، من بن قردان، تأييده هذا الرأي إذ قال: "أعتقد أن ما حدث جيد. بعد الخطوة المفاجئة الأسبوع الماضي من قبل قيس سعيّد، رئيس تونس، للاستيلاء على السلطة وفرض حالة الطوارئ، أعتقد أن هذا ما يريده كل الناس". 

وقال الكاتب إن السياسيين المحليين والنقاد الغربيين وصفوا إجراءات سعيّد بأنها انقلاب.

وكان محمد علي قد أيد انتفاضة 2010-2011 للإطاحة بديكتاتور تونس السابق، زين العابدين بن علي، والتي أشعلت شرارة سلسلة من الثورات المؤيدة للديمقراطية المعروفة باسم "الربيع العربي". لكن عقداً من خيبة الأمل أعقب ذلك وقد تغير الرأي العام، كما رأى ستيفن كوك من المجلس الأميركي للعلاقات الخارجية.

وقالت الصحيفة إنه يبدو أن العديد من التونسيين - أو على الأقل أولئك الذين خرجوا إلى الشوارع في الأيام القليلة الماضية - لديهم علاقة متناقضة مع الديمقراطية. كتب كوك: "يبدو أنهم يريدون دولة أكثر فعالية يمكنها توفير الوظائف وشبكة أمان اجتماعي بغض النظر عن طبيعة النظام السياسي".

وأضاف: "على الرغم من استمرار البحث عن مجتمع أكثر عدلاً وديمقراطية، من الممكن أنه بعد عقد من تمتع التونسيين بحريات شخصية أكبر، فإن الافتقار إلى الازدهار قد جعل عدداً كبيراً منهم أكثر استعداداً لتجربة منح نسخة من الاستبداد محاولة أخرى".

واعتبر الكاتب أن هذه فكرة غير مريحة للغاية وغير عصرية بالنسبة لأنصار الديمقراطية العالمية في الغرب الذين يركزون على الأفكار الكبيرة حول السلام والقيم والحقوق الأساسية. لكن، غالباً ما تتعثر التحولات الديمقراطية بسبب قضايا أكثر اعتدالاً، مثل الضائقة الاقتصادية، وعدم المساواة، وانعدام الفرص، وسوء التعليم، وانعدام الأمن.

وقال فاضل قبوب، أستاذ الاقتصاد التونسي، لصحيفة نيويورك تايمز: "لقد أحرزنا تقدماً هائلاً على جبهة الحرية والجبهة السياسية رغم كل الأزمات. لكن ما بقي على حاله تقريباً هو نفس نموذج التنمية الاقتصادية الذي أنتج عدم المساواة، وأزمة الديون، والإقصاء الاقتصادي الاجتماعي الذي تمرد عليه السكان".

وقال الكاتب إن هذا يشير إلى فشل آخر في الانتفاضات الديمقراطية في العالم العربي، إذ لم تحظ الثورة التونسية بدعم صادق (أو أي دعم) من الدول الغربية التي كانت مهتمة بـ"الإرهاب الإسلامي" وعدم الاستقرار أكثر من تطلعات الشارع العربي. وأشار إلى أن ما يحدث إلى حد ما مجدداً في لبنان الآن.

وأوضح أن مثل هذا السلوك المألوف الجبان من قبل الحكومات الغربية يعطي الديمقراطية سمعة سيئة. قد يتساءل مواطنو هونغ كونغ وميانمار وبيلاروسيا، حيث تم سحق الحركات المؤيدة للديمقراطية بوحشية في العام الماضي، بشكل مبرر: إذا كان الغرب لن يناضل من أجل الديمقراطية، فربما لن يكون الأمر يستحق العناء.

وقال "إن هذا النوع من التفكير يسعد المستبدين في كل مكان. تولى الرئيس الصيني شي جين بينغ سلطات دكتاتورية من دون أن يطلب من الشعب الصيني رأيهم، ناهيك عن تصويتهم. ربما لا يهتمون". 

ورأى أنه بمراجعته لكتاب بروس ديكسون الجديد، "الحزب والشعب: السياسة الصينية في القرن الحادي والعشرين"، قال الباحث في الشؤون الصينية إيان جونسون "إن قمع الدولة يفسّر جزئياً عدم وجود معارضة علنية". كتب جونسون نقلاً عن بحث ديكسون يقول: وفقاً للاستطلاعات والروايات يبدو أن نسبة كبيرة من الشعب الصيني راضية إلى حد ما عن الطريقة التي يدير بها الحزب الشيوعي الصيني بلادهم. قد يرغب العديد من النقاد لو لم يكن الأمر كذلك. ولكن بعد ذلك كيف نفسّر سبب قلة الأتباع لدى المعارضين؟

اقترح ديكسون أن معظم الصينيين يعرّفون الديمقراطية - مينزو بالصينية - من جهة ليس الانتخابات أو الحرية الشخصية ولكن من جهة النتائج التي تخدم مصلحة الشعب. بمثل هذه التدابير، يمكن القول إن الرئيس شي يبلي بلاء حسناً. وبالمثل، فإن استعداد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للتفاخر بمناصرة روسيا والروس له قد يساعد في تفسير معدلات الموافقة العالية التي يتمتع بها، على الرغم من افتقاره للشرعية الديمقراطية الحقيقية، بحسب زعم الكاتب.

يبدو أن الرسالة الواسعة من جميع أنحاء العالم هي أنه إذا تم الحفاظ على سلامة الناس وإطعامهم وإسكانهم وعملهم من قبل الأنظمة الاستبدادية أو غير الليبرالية، فقد يكونون مستعدين للتخلي عن "الرفاهية" النسبية للديمقراطية الراقية على النمط الغربي. ومن الواضح كذلك أن المستبدين الذين ينكرون الحرية في مقابل الأمن غالباً ما يفشلون في تحقيق الأمرين. أنظروا إلى كوريا الشمالية أو حتى تركيا.

وأضاف الكاتب أنه بعبارة أخرى، الحرية السياسية في العصر الحديث، مثلها مثل أي شيء آخر، هي معاملات. لم تعد مبدأ عالمياً يشرحه فلاسفة التنوير والآباء المؤسسون، بل هي مقايضة مبتذلة. بالنسبة للجمهوريين الأميركيين الذين قاموا بقمع التصويت والتلاعب بأصواتهم والذين حاولوا الأسبوع الماضي تدمير تحقيق في انقلاب دونالد ترامب الفاشل في 6 كانون الثاني / يناير، فإن الديمقراطية لا بأس بها، إذا أسفرت عن النتائج "الصحيحة". وبالنظر إلى مثال الجمهوريين الرهيب، فلا عجب أن الديمقراطية، كنظام حكم، في ورطة في جميع أنحاء العالم. في العام الماضي، وجد استطلاع لمجلة "إيكونوميست" أن أقل من 8.4 في المئة من سكان العالم يعيشون في ديمقراطية كاملة وأن أكثر من ثلثهم يعيشون في ظل حكم استبدادي. والأمر يزداد سوءاً.

وتابع الكاتب أن البريطانيين يعرفون بدورهم أن الديمقراطية لا تعمل في كثير من الأحيان بسلاسة حتى في عز دارها. لم يأتِ هذا الموقف الكئيب بالصدفة أو بفضل مجيء عام ممتاز للحكام الطغاة والمستبدين. إنه نتاج اللامبالاة والتواطؤ العام وعدم المساواة العالمية وسوء الممارسة السياسية في كل مكان.

وختم قائلاً إنه إذا كان الرئيس الأميركي جو بايدن جاداً في نكص المد الاستبدادي، فيجب على الولايات المتحدة وأوروبا بذل المزيد من الجهد لإقناع التونسيين، من بين آخرين، بأن الازدهار الاقتصادي والأمن، والحقوق الديمقراطية الجماعية والفردية، ليست متعارضة، ولكنها تعزز بعضها البعض. يمكنهم الحصول على كليهما، وهم يستحقون القتال من أجلهما.

نقله إلى العربية بتصرف: هيثم مزاحم

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً