مسؤول أميركي سابق: حان الوقت لتغيير التفكير الإمبريالي في واشنطن

أدت حتمية الهيمنة الأميركية إلى فشل كبير في أفغانستان وتجاهل ذلك سيؤدي إلى الأخطاء نفسها عندما تركز واشنطن على شرق آسيا.

  • واشنطن قد تبطئ وتيرة الانسحاب من أفغانستان على ضوء هجمات طالبان
    الانسحاب من أفغانستان أضعف المكانة العالمية للولايات المتحدة.

كتب المسؤول السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية غراهام إي. فولر مقالة نشرت في موقع "ريسبونسيبل ستيتكرافت" الأميركي، قال فيها إنه يتم الآن إراقة الكثير من الحبر حول المغادرة المتسارعة للقوات الأميركية والوجود المدني الأميركي الضخم من أفغانستان. 

وأضاف: يبدو أن المعسكرين المتحاربين في واشنطن منقسمان: بين أولئك الذين يعتقدون أن رحيلنا من أفغانستان كان متأخراً لفترة طويلة في مواجهة مهمة فاشلة وغير واقعية ومتغطرسة، وأولئك الذين يعتقدون أنه مع القليل من الحماس والجهد والوقت، كان من الممكن أن نزرع الديمقراطية في آسيا الوسطى وأن نجنب أنفسنا ما يُنظر إليه الآن على أنه خسارة فادحة "للمصداقية الأميركية".

ورأى فولر أن القضية هي "بالطبع أعمق بكثير من مجرد قضية أفغانستان. لم يكن الأمر يتعلق بأحداث 11 أيلول / سبتمبر فقط، أو أسامة بن لادن، أو تنظيم القاعدة، أو حركة طالبان، أو حتى مجرد الانتقام. كان الأمر كذلك يتعلق بالطموحات الأيديولوجية لتأسيس وجود عسكري جيوستراتيجي أميركي جريء في منتصف الطريق حول العالم على حدود روسيا والصين. لا يمكن النظر إلى أفغانستان بمعزل عن غيرها بل كجزء من "اللعبة الكبرى" الاستراتيجية الأميركية الأكبر بكثير في أوراسيا. وكانت باكستان مركزية لذلك الطموح الجيوسياسي للولايات المتحدة، وربما أكثر من كابول نفسها. كانت باكستان هي الرافعة التي اعتقدت واشنطن أنها تستطيع من خلالها تحديد مصير أفغانستان".

وأضاف: بالنظر إلى أبعد من ذلك، يمكن رؤية نفس عناصر التصميم الإمبريالي الطموح الذي يهدف إلى إقامة هيمنة عالمية طويلة المدى للولايات المتحدة من خلال التجارب الأميركية الفاشلة في العراق وسوريا واليمن وليبيا والصومال. بسبب الإخفاقات المتتالية على هذه الجبهات، فإن واشنطن "تنحرف" إلى ساحة إستراتيجية أكثر خطورة وأقل مرونة.

واعتبر الكاتب أن جوهر القضية ليس ما إذا كانت الاستخبارات الأميركية وتحليل السياسة الخارجية قد فشلا ببساطة في الحالة المحددة لأفغانستان، ولكن ما إذا كان الفشل يعكس عيباً أعمق بكثير - أوهام الولايات المتحدة، والطموح العالمي الموروث من نهاية الحرب الباردة. فالأميركيون الذين عملوا في محطات وسفارات وكالة الاستخبارات المركزية في أفغانستان وباكستان لم يكونوا أغبياء. لقد كانوا بالأحرى في قبضة التفكير الجماعي الإستراتيجي الإمبريالي الذي ظهر في أجزاء كثيرة من العالم، بما في ذلك الشرق الأوسط وقلب أوراسيا.

وقال فولر: بعض المراقبين، بمن فيهم أنا، شعروا بالفزع لبعض الوقت من هذه الرغبة الإمبريالية والهيمنة. لقد دُفعت أخيراً لكتابة رواية عن هذه الظاهرة قبل بضع سنوات بعنوان "كسر الإيمان: رواية تجسس وأزمة ضمير أميركي في باكستان". تسعى الرواية إلى التقاط عقلية الولايات المتحدة الخاصة والثقافة الاستراتيجية السياسية كما كانت موجودة آنذاك. وبمعنى ما، لا تزال هذه العقلية موجودة حتى اليوم. تدور أحداث الرواية في باكستان في السنوات الأخيرة، ولكنها متورطة بشكل لا ينفصم في المشكلة الأفغانية أيضاً - كل ذلك كما شوهد من خلال عيون محطة وكالة الاستخبارات المركزية، والسفير الأميركي وموظفي السفارة، وكذلك المجتمع والثقافة الباكستانيين، والدوائر الإسلامية المتنوعة والبيروقراطية في باكستان.

وأوضح الكاتب: كنت رئيساً لمحطة وكالة الاستخبارات المركزية في كابول في سبعينيات القرن العرشين، قبل وقت طويل من أحداث 11 أيلول / سبتمبر 2001 ونظام "طالبان" الأول، لكنني تابعت الوضع منذ ذلك الحين. للأسف، تتمتع عقلية السياسة الخارجية للولايات المتحدة بقدرة كبيرة على البقاء. الرواية ليست، في حد ذاتها، سيرة ذاتية، لكنها تعكس الحقائق العميقة لمؤسسة السياسة الخارجية الأميركية بأكملها كما كانت تعمل في "أف-باك" “Af-Pak” وهو نفسها مصطلح غريب تم اختراعه في العاصمة واشنطن. أبطالها الرئيسيون، الأميركيون والباكستانيون، خياليون لكنهم مع ذلك قريبون مما كانت عليه حقيقة المشهد. ويشمل زيارات روتينية ذات أولوية عالية للسفارة من قبل ممثلي البنتاغون والمستشارين الذين يمنحون السفارة والمسؤولين الباكستانيين المشاكسين أحدث الأفكار الاستراتيجية الأميرية و"عقيدة" حول كيفية إدارة الإخفاق المتزايد.

وقال فولر: اخترت معالجة الموضوع في الخيال لأنني شعرت أنه يتمتع بقوة إقناع أكبر ونظرة ثاقبة في عقليات العديد من اللاعبين الأميركيين وتفاعلاتهم بين الثقافات مع الباكستانيين أكثر من أي علاج غير خيالي. لا يكمن جوهر المشكلة في نظرية العلوم السياسية أو الجواسيس المتطفلين، بل في كيفية تكوين التجربة التاريخية وعلم النفس للطرف الآخر. وربما يكون هذا هو الشيء الأكثر مراوغة لفهم المحتل الأجنبي، بغض النظر عن حجم ما يسمى بجهاز الاستخبارات.

وأضاف: إن العودة للنظر في الرواية الآن هي تذكير محبط بأنه من نواحٍ كثيرة لم تتغير الحقائق الأعمق في واشنطن بعد. نسمع الآن بعض الاعترافات على مضض تقول: "نعم، أفغانستان لم تنجح تماماً". لكن النقاد يسعون فقط إلى كبش فداء تكتيكي للسياسة الفاشلة بينما يتجاهلون أن نفس الحتمية الدافعة للقيادة الأميركية لا تزال عقيدة. أشعر بالارتياح إلى حد ما لأن "عقيدة بايدن" الجديدة قد تقضم أطراف الهيكل الإمبريالي الواسع لواشنطن، لكن لا يسعني إلا أن أتساءل عما إذا كنا سنتعلم أي شيء حقاً بعد عام من الآن. فالقوى الاقتصادية والعسكرية والصناعية والفكرية والأيديولوجية القوية والوطنية المصطنعة التي تهيمن على واشنطن متجذرة بعمق ومرنة بشكل ملحوظ.

وختم الكاتب مقالته متسائلاً: هل ستستمر الولايات المتحدة في محاولة التلاعب بهذه الأمة الحزينة من بعيد من خلال استهداف زعزعة استقرار نظام "طالبان" على المدى الطويل؟ هل من الأفضل إبقاء أفغانستان في حالة اضطراب داخلي – بأي ثمن - من أجل منع نمو وجود استراتيجي روسي و/ أو صيني كبير هناك - في ساحتهم الخلفية؟ هل ما زلنا مدمنين على هذه النظرة الاستراتيجية الصفرية للعالم؟ 

وقال إن  الجواب لا يزال غير معروف. بالطبع، يعتمد الأمر على كيفية إدارة "طالبان" لحكومتها المستقبلية، لكنه سيعتمد كذاك على الطريقة التي تختارها واشنطن الغاضبة للتعامل مع أفغانستان الجديدة.

نقله إلى العربية بتصرف: هيثم مزاحم

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً