"هآرتس": "إسرائيل" تخسر لأن إيران تتبنى سياسة استراتيجية أما ردودنا تكتيكية

وسائل إعلام إسرائيلية، تقول إنّه "رغم أهمية عملياتنا فهي لم تغير شيئاً وإيران ترى مسار نجاح لاستراتيجيتها الكبرى".

  • هآرتس:
    هآرتس: "إسرائيل" تخسر لأن إيران تتبنى سياسة استراتيجية أما ردودنا فهي تكتيكية

يتناول الكاتب الإسرائيلي ألون بينكاس، وهو دبلوماسي وسياسي كان القنصل العام لإسرائيل في نيويورك بين السنوات 2000 – 2004، في صحيفة "هآرتس"، مسألة خسارة "إسرائيل" أمام إيران التي تتبنى سياسة استراتيجية، ويشير الكتاب إلى أنّ التهديد الحقيقي في النووي الإيراني ليس في استخدامه، بل في الحماية التي يوفّرها لطهران وليس هذا مقالاً أو مخطط سياسة حول البرنامج النووي لإيران، حول كيفية منعه أو إبطائه أو التسليم به.

وكذلك ليس مقالاً سيبحث ما إذا كان ينبغي الموافقة أو رفض استئناف الاتفاق النووي وعودة الولايات المتحدة إليه. عدد ضخم من المقالات وأوراق موقف ودراسات سبق أن كُتبت وستُكتب عن "النووي الإيراني" وما يُشتق منه.

وفيما يلي النص المنقول إلى العربية:

الهدف هو تقديم مبادئ لسياسة جديدة وتغيير النموذج فيما خصّ البُعد غير النووي لسياسة ومسلكية إيران في المنطقة، من أجل وقف التآكل في قدرة الردع الإسرائيلية فيما خص استهداف الجبهة الداخلية الإسرائيلية.

التفكير الإسرائيلي في موضوع إيران متحجّر إلى حدّ بعيد، يخضع لنماذج قديمة وذات صلة أقل، ويمنح البُعد النووي أهمية وجودية، وبالتالي حصرية.

مفهومٌ ضمناً أنه في موضوع سياسة "إسرائيل" مع إيران، البُعد النووي والبُعد غير النووي مرتبطان وبينهما رابطة وثيقة، عسكرية وسياسية. من ناحية التفكير وبلورة سياسة، هناك مكان لفحصٍ وتحليلٍ منفصل لكل خيار، وهناك مكان للتركيز تحديداً على البُعد غير النووي. غالبية التهديدات الثابتة لإيران على الشرق الأوسط عموماً، وعلى "إسرائيل" خصوصاً، تأتي من المجالات غير النووية: صواريخ باليستية، استخدام واسع لمنظمات بالوكالة.

اللواء ونائب رئيس الأركان السابق، يسرائيل طال، والذي يعتبر من بين أهم قادة المدرعات في التاريخ، كتب في سنة 1996 كتاباً عنوانه "أمن قومي: قلّة في قبال كثرة"، وواصل وعمّق دعواه في سلسلة مقابلات طويلة في سنة 1999.

وبطبيعة الحال شدد على عدة مبادئ عقائدية للأمن القومي لـ"إسرائيل" وهي: نقل ميدان القتال إلى حدود العدو بأقصى سرعة، ووجود سلسلة فرعية "عملياتية" بين المستوى التكتيكي والمستوى الاستراتيجي، الاعتماد الكبير على الولايات المتحدة ومنصات القتال (في الأساس طائرات) الأميركية.

طال شدد على فرادة الحالة الإسرائيلية: انتصار إسرائيل سيكون تكتيكياً إلى الأبد، لكن هزيمة "إسرائيل" ستكون بالضرورة استراتيجية. خلاصة طال هي أنّ الخيار السياسي يجب أن يكون دائماً الخيار التلقائي لـ"إسرائيل".

وفي السياق الإسرائيلي - الإيراني تم مواءمة هذه العقيدة للبيئة والمعطيات ذات الصلة من قبل المؤرخ ورجل الأعمال الأميركي صاحب الخبرة ويملك شبكة متشعبة من العلاقات في أنحاء الشرق الأوسط، الدكتور توماس كابلان، الذي يستخدم التاريخ العسكري والاقتصادي كأداة توقّع أساسية في التحليل الجيو-سياسي، وأنشأ برنامجاً دراسياً في جامعة "هارفرد" يستضيف رجال استخبارات.

في سنة 1990 قبل غزو العراق للكويت، توقّع كابلان التطورات وقدّمها للنظام الإسرائيلي وللسعوديين.

وفي أيلول/ سبتمبر 2019 حذر كابلان من أنّ المنطق الاستراتيجي لإيران يدفعها إلى مهاجمة منشآت نفطٍ في السعودية. وبالفعل، في نفس الشهر هاجمت إيران محطات نفط لشركة "أرامكو" في السعودية.

السعوديون والإماراتيون وعدة أشخاصٍ في "إسرائيل" تعلّموا الإصغاء لكابلان في موضوع إيران وفي تحليل مسلكيتها الإقليمية.

في صلب مقاربة كابلان يمثُل الموقف القائل بأنّ هناك انفصام بين "إسرائيل" وإيران في كل ما يرتبط بالعلاقة بين التكتيك والاستراتيجية. من هذه الناحية، "إسرائيل" محدودة بالبُعد التكتيكي.

الإيرانيون يفكّرون استراتيجياً – مثل كليشيه الشطرنج أمام طاولة الزهر (النرد) – ويرون مسار نجاحٍ واضح لاستراتيجيتهم الكبرى.

من ناحية إيران، يوجد هنا تبنٍ جزئي لعقيدة القتال الألمانية لـ "التطويق"، عندما تطوّق العدو، أنت تحدّ من حرية مناورته وتُضعف قدرة ومغزى الردع.

في المرحلة الثانية، تعوّد العدو بالتدريج على قبول ضربة محدودة في أرضه كجزءٍ من اللعبة الشرعية، فيما أنت توزّع جهداً أيضاً في ساحاتٍ أخرى. من هذه الناحية، برنامج نووي من جهة، وأنشطة في اليمن من جهة أخرى، هما تجليان لتوزيع المجهود. وهذا فيما استخدام حماس لإطلاق قذائف صاروخية على مدن "إسرائيل" هو الجزء الذي يقبل فيه العدو، "إسرائيل"، الضربة كجزءٍ لا يتجزأ من المواجهة، ويمتنع عن رد من اجل عدم التصعيد، وبذلك يفتت ردعه.

جزء من عمليات "إسرائيل" ضد إيران ومبعوثيها والميليشيات التي تشغّلها كانت إبداعية، حديثة، مثيرة للانطباع وجريئة. لكنها أُطّرت وحُددت للمستوى التكتيكي. بعبارة بسيطة، فخر وتبجح جانباً، لم تغيّر شيئاً.

عمليات نُسبت لـ"إسرائيل"، وفي الأساس للموساد، لم تغيّر المعادلة الاستراتيجية ولم تحرّك إيران إلى تغيير سياستها. صحيح أن إيران ضعُفت، العقوبات تعمل، وربما تم إبطاء البرنامج النووي لعدة سنوات، لكن الواقع لم يتغير بصورة مهمة.

نموذج تجاري" غير متناظر"

مميزات السياسة خدمت، إيران الشاه، وتخدم اليوم الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي أضافت مدماكًا مهمًا: تصدير الثورة. من هذه المبادئ، يزعم كابلان، إيران صاغت سياسة منتظمة، مرِنة، بعيدة المدى وصبورة تعتمد على ثلاث طبقات: الأولى، طموحات علنية ومُعلنة، الثانية، استخدام واستغلال مُحكم لضعف الأعداء وقابلية تضررهم. الثالثة، برنامج نووي شبه علني وبرنامج نووي عسكري سري بصورة رسمية، لكن ليس سرياً من ناحية نفس وجوده. إلى هذا ينضم برنامج تطوير وصنع صواريخ بالستية بعيدة المدى.

بالنسبة لـ"إسرائيل" والسعودية والإمارات، استخدام منظمات وكيلة هو الأكثر إشكالية. وفق "النموذج التجاري" الإيراني، المنظمات الوكيلة تُزعج العدو، وهي التي تتلقى ردوده. عندما تطلق "حماس" و"الجهاد الإسلامي" قذائف صاروخية على عسقلان وسديروت وناحال عوز أو تل أبيب، إسرائيل ترد في غزة.

عندما أطلق حزب الله صواريخ على حيفا، "إسرائيل" هاجمت [أغارت] في لبنان. المعادلة بسيطة: إيران تهاجم "إسرائيل"، التي  تردّ بقصف فلسطينيين أو لبنانيين، بعضهم مدنيين.

وماذا عن التنبؤ؟ كابلان يصفه بـ "العودة إلى المستقبل" اسم فيلم سفر عبر الزمن يطرح إشكالية تغيير شيء في الماضي والعودة إلى المستقبل فهل سيكون نفسه. تبعاً لمُحددات اللواء الراحل طال، أوصى كابلان بسياسة مغايرة تُعيد التوازن إلى المعادلة الإسرائيلية – الإيرانية.

طال وكابلان بحثا وكتبا عن أمور هي في الظاهر مختلفة وبمستوى آخر، لكن كلاهما يزعمان أن "إسرائيل" تخسر المبادرة وقدرة الردع. لذلك المطلوب تغيير شامل للنموذج الإسرائيلي.

من الواضح أنّ الخيار والمسار السياسيين مفضّلين، لكن يجب تهديد إيران بصورة واضحة وبصيغة "اسمعوا جيداً، نحن نعلم بالضبط ما تفكرّون في فعله أو تفكّرون بالقيام به. لا يخطرن هذا ببالكم لأن الرد سيكون".. في هذه النقطة الزمنية، إيران غير مُهدّدة بل وأكثر، إنها على دراية كاملة وتواصل استغلال الضعف وقابلية التضرر الإسرائيلية.

مظلة نووية

تغيير النموذج يعني إنه إذا لم ينجح التحذير، أي هجوم من منظمات وكيلة لإيران سيُردّ عليه بهجومٍ على إيران نفسها. في تحليله لإيران وأنماط سياستها وعملها، كابلان يوصي بـ "هندسة عكسية" لكل عقيدة استخدام وكلاء: "إسرائيل"، أو السعودية، قدرات تطوير منظمات وكيلة داخل أو على حدود إيران.

بداهةً هذا أكثر تعقيداً مما يبدو، لكنه ليس من دون منطق. إنها استراتيجية تُخطَّط وتُخرج إلى حيز التنفيذ سراً وليس بتصريحات مسبقة أو تبجح بعد العمل، وهي تُنتج "تناسباً استراتيجياً".
في "إسرائيل" وفي دولٍ أخرى في الغرب، هناك مقاربة أساسية بحسبها إيران هي في نهاية المطاف "لاعب عقلاني" يعمل في الأساس لاعتباراتٍ داخلية. إعلانات إيران بغيضة، حربجية وتهديدية، لكن مسلكيتها في نهاية المطاف هي ضمن أطر قواعد عقلانية. هذا صحيح، لكن هذا مرتبط بالسياق.

النظام في إيران عقلاني في سياسته الخارجية والأمنية طالما كان وجوده غير مهدد. العقوبات لن تُسقطه، وكذلك حتى لو أقنع الصديقان ترامب ونتنياهو نفسيهما وبعضهما بأن النظام [الإيراني] سينهار، لم ينهار. إلا أن تهديداً وجودياً على الجمهورية الإسلامية يمكن أن يغيّر هذا الوضع. هذا أيضاً الخطر الحقيقي الكامن في النووي الإيراني: ليس تهديد نفس استخدامه بل الغطاء والحماية اللذين يوفّرهما.

كابلان يرى في إيران سياسة "عداء باثولوجية [مرَضية] للصهيونية"، ومن هنا المواجهة مع "إسرائيل" يمكن ان تكون حتمية، إلا إذا غيّرت "إسرائيل" سياستها ومنعتها.

إيران لا يمكنها الانتصار في مواجهة عسكرية قوة مقابل قوة، لذلك توجّهت إلى ما يصفه كابلان على أنه "قوة مقابل إرادة"، طالما إيران مقتنعة بأنه يمكنها المهاجمة دون تداعيات مادية عليها نفسها، إنّها تخلّد عدم التناسبية الاستراتيجية. هذا الواقع، يزعم كابلان، يجب على "إسرائيل" تغييره. 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً