"ناشونال انترست": هل تخيّم حرب باردة جديدة على أوروبا

يُسمح الآن للقاذفات الأميركية التي كانت تحلق بانتظام على طول الأطراف الروسية بـالتمركز، لأول مرة في النرويج، وهي جارة لروسيا في "أقصى الشمال".

  •  تمّ اكتشاف ومرافقة اثنتان من قاذفات القنابل من طراز
    قاذفة القنابل من طراز "بي 52 إن " التابعة للقوات الجوية الأميركية.

كتب ليل غولدشتاين مقالة في مجلة "ذا ناشونال انترست" الأميركية تناول فيها الوضع في أوكرانيا والصراع الروسي الأميركي حولها.

وقال الكاتب إن حرارة الصراع ترتفع مجدداً في شرق أوكرانيا حيث يشير بعض المعلقين المطلعين إلى أن العمل العسكري المكثف قد يبدأ عندما يمر "موسم الطين". ومن المفهوم أن الأميركيين قد يعانون من إرهاق أوكرانيا بعد ملاحظة المؤامرات الغريبة في كثير من الأحيان التي نشأت بين كييف والمكائد السياسية في واشنطن على مدى السنوات الخمس الماضية، في إشارة إلى محاولة الرئيس الأميركي دوالد ترامب ربط المساعدات الأميركية لأوكرانيا بقيام كييف باتهام هانتر بايدن، نجل منافسه جو بايدن، بالفساد في عمله مع شركة نفط أوكرانية.

وأضاف الكاتب: حتى عندما تبادل الرئيسان الأميركي جو بايدن والروسي فلاديمير بوتين الإهانات، احتفل الرئيس الروسي بالسيطرة الروسية على شبه جزيرة القرم. لسوء الحظ بالنسبة لأوروبا، لا تزال أوكرانيا تمثل الأزمة المستعرة التي لا تزال تهدد بقلب "السلام الطويل" في القارة. ورغم أن التوترات بين أوكرانيا وروسيا هي السبب الجذري لجميع المشاكل الأكثر حدة في الأمن الأوروبي تقريباً، فإن هذه العلاقة الثنائية المضطربة تشير أيضاً إلى الطريق نحو حلول منطقية أيضاً.

وتابع: يزعم بعض المعلقين الأميركيين البارزين في مجال الأمن القومي أن "الحرب الباردة الجديدة" لا تشبه كثيراً تجربة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي (1945-1990)، لأن مراكز المنافسة الجديدة موجودة في مجالات الإنترنت والتكنولوجيا الفائقة، وليس فيما يتعلق بالمنافسة العسكرية والأسلحة النووية. ومع ذلك، فإن مثل هذه التقييمات تبدو غافلة عن التصعيد المستمر للتدريبات التي تقوم بها التشكيلات العسكرية الكبيرة في جميع أنحاء أوروبا الشرقية في السنوات الخمس الماضية. ,يمكن رؤية التوترات المتصاعدة على طول الجبهة بين القوات الروسية والأميركية على طول جبهة جغرافية شاسعة من القطب الشمالي وصولاً إلى القوقاز وحتى عمق الشرق الأوسط.

وكشف الكاتب أنه يُسمح الآن للقاذفات الأميركية التي كانت تحلق بانتظام على طول الجوانح الروسية بـ"التعشيش" لأول مرة في النرويج، وهي جارة لروسيا في "أقصى الشمال". وبالمثل، زارت الغواصات الأميركية الأكثر تقدماً المنطقة أخيراً في أعقاب أكبر تدريبات لحلف شمال الأطلسي منذ نهاية الحرب الباردة. انتشرت القوات الأميركية، بما في ذلك الدبابات والمروحيات الهجومية، في دول البلطيق بشكل منتظم وأصبحت الآن عنصراً ثابتاً في بولندا. 

وفي الوقت نفسه، تقوم الطائرات الأميركية بدون طيار الآن بدوريات على طول الجناح الجنوبي الحساس لروسيا، بما في ذلك داخل أوكرانيا وعلى طول محيط شبه جزيرة القرم. 

وتساءل الكاتب: هل نتعجب أن روسيا تجري على الأقل خمسة تحديثات رئيسية في وقت واحد لقواتها الضاربة النووية، بما في ذلك الصواريخ البالستية العابرة للقارات والقاذفات والغواصات والطائرات بدون طيار والأسلحة النووية التكتيكية؟

وقال الكاتب: يفضل عدد كبير جداً من محللي الدفاع في واشنطن التحدث عن الأسلحة السيبرانية أثناء الترويج للمشاريع للحصول على تصحيحات جديدة مع دفاعات إلكترونية مطورة. ومع ذلك، فإن الجمهور الأوسع لا يعلم البتة بشأن مئات المليارات التي ستغذي سباق التسلح النووي المتصاعد، ناهيك عن القوات الجديدة التي يتم نشرها الآن في أوروبا وهي منطقة صديقة للقوات الأميركية. لكن هل هذه الخطوات التصعيدية مبررة؟

ويجيب الكاتب: تؤكد التغطية التقليدية لقضية أوكرانيا أن البلاد قد غُزيت من قبل روسيا بعد طرد زعيم فاسد مؤيد لروسيا من منصبه بسبب الاحتجاجات الغاضبة - ما يسمى بأحداث "يورو مايدن" في أوائل عام 2014. وبعد الاستيلاء على شبه جزيرة القرم، لم تكن موسكو راضية وقررت أن تتخلص من بضع شرائح أخرى من أوكرانيا في منطقة دونباس أيضاً. في حين أن القصة ليست خاطئة تماماً، إلا أنها فشلت في التعرف على بعض الفروق الدقيقة المهمة. على سبيل المثال، ربما كان زعيم أوكرانيا، فيكتور يانوكوفيتش، فاسداً بالفعل، لكن تم انتخابه أيضاً في انتخابات ديمقراطية شرعية. الغوغاء الغاضب ليس الطريقة المثالية لإزاحة رئيس منتخب ديمقراطياً، يجب الاعتراف بذلك. 

وأضاف: علاوة على ذلك ، فإن "أطروحة الغزو" لا تتوافق تمامًا مع الحقائق على الأرض. على سبيل المثال ، حدث في أوائل أيار/ مايو 2014 تصعيد كبير لمشاعر المؤيدين لروسيا في أوديسا، والذي تضمن فظائع خطيرة. تتناسب مثل هذه الأحداث مع تفسير الحرب الأهلية بشكل أفضل من رواية الغزو التي تحظى بشعبية كبيرة في واشنطن اليوم. لا يبدو أن الذكريات في واشنطن تعود إلى ما هو أبعد من انتخابات عام 2016 المتنازع عليها أو الميدان الأوروبي لعام 2014. إن الافتقار إلى المعرفة التاريخية في العاصمة الأميركية، للأسف، يغذّي التوترات المتصاعدة في أوروبا الشرقية. 

ورأى الباحث أنه يجب على الاستراتيجيين الأميركيين أن يفكروا في الكيفية التي كان بها الأميركيون يكنون تعاطفاً كبيراً مع روسيا القيصرية أثناء حرب القرم عندما واجهت روسيا الإمبرياليتين الفرنسية والبريطانية. وبالمثل، ينبغي عليهم التفكير في حقيقة أنه لو لم تدفع القوات السوفياتية ثمناً باهظاً للدفاع عن القلعة في سيفاستوبول حتى منتصف عام 1942، فكان من المحتمل أنها لم تكن لتنتصر في ستالينغراد لاحقاً. بعبارة أخرى، ثبت أن سيطرة الكرملين العنيد على شبه جزيرة القرم في مواجهة العدوان النازي كانت بالغة الأهمية لانتصار الحلفاء في عام 1945.

وقال إنه لا يوجد فهم في مؤسسة السياسة الخارجية الأميركية أن الحدود الداخلية السوفياتية كانت قليلة الأهمية، لذا فإن تأثيرها على سياسة ما بعد الاتحاد السوفياتي محدود أيضاً. فلا عجب في وجود قاعدة بحرية روسية عملاقة في شبه جزيرة القرم بعد عام 1991 حتى عام 2014 إلى الوقت الحاضر. بعبارة أخرى، فإن وضع شبه جزيرة القرم وأوكرانيا بشكل عام أكثر رمادية، وأقل بياضاً وسواداً مما يقدره معظم الأميركيين.

وستاءل الباحث: إذاً، ما الذي يجب عمله في النهاية إلى جانب نفض الغبار عن بعض كتب التاريخ؟ 

وأجاب قائلاً: أولاً، يجب على الولايات المتحدة أن تتخذ خطوات علنية وواضحة لاجتثاث الخصومات العسكرية من جذورها الآن، والتي هي في ازدهار كامل من القطب الشمالي إلى القوقاز، لمعرفة ما إذا كانت هذه الخطوات التي تهدف إلى خفض التصعيد يمكن أن ترد بالمثل من قبل الكرملين. 

ثانياً، يجب على واشنطن أن تسعى إلى إعادة تنشيط ما يسمى بـ"عملية نورماندي" التي تضع روسيا وأوكرانيا في صيغة تفاوضية مع قادة ألمانيا وفرنسا لتحقيق الاستقرار في الوضع في شرق أوكرانيا.

وأخيراً، يجب على الدبلوماسيين الأميركيين التفكير في "صفقة كبرى" تمنح أوكرانيا عضوية كاملة في حلف الناتو في مقابل اعتراف دبلوماسي كامل بالسيادة الروسية على شبه جزيرة القرم. وفي حين أن تحييد أوكرانيا سيكون مفضلاً للأمن القومي للولايات المتحدة، فمن المحتمل أن تكون هذه الخطوة ضرورية لحمل كييف (ناهيك عن صقور واشنطن) على التوقيع على أي حل وسط أكبر يمكن أن يؤدي إلى تخفيف التوترات. وبالنسبة إلى موسكو، من شبه المؤكد أن الفوائد الاقتصادية الواسعة تفوق المخاوف الأمنية. قد تكون هذه الاتفاقية القائمة على "الالتقاء في منتصف الطريق" هي الطريقة الوحيدة التي يمكن لأوروبا من خلالها الهروب من قبضة الحرب الباردة الجديدة التي تزداد إحكاماً.

*د. لايل ج. غولدشتاين، أستاذ باحث في الكلية الحربية البحرية الأميركية في نيوبورت، رود آيلاند. كان مؤسس معهد الدراسات البحرية الصيني هناك وهو عضو في معهد الدراسات البحرية الروسية في الكلية. 

نقله إلى العربية: الميادين نت

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً