"ميدل إيست آي": هل انتهى شهر العسل بين السعودية والإمارات؟

أدى الاختلاف المتزايد في المصالح بين الجارتين إلى حدوث تصدعات خطيرة في "الوفاق الاستراتيجي" الهش بينهما.

 

  • ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد في مكة في صيف 2019.
    ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد في مكة في صيف 2019.

كتب أندرياس كريغ مقالة في موقع "ميدل إيست آي" البريطاني تناول فيه الخلافات الأخيرة بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. وقال إنه كان هناك رجلان قويان في الخليج في حقبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فرضا إرادتيهما على جيرانهم هما ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وولي عهد أبو ظبي والحاكم الفعلي للإمارات محمد بن زايد.

وأضاف أنه منذ أن وضع محمد بن زايد محمد بن سلمان تحت جناحه في عام 2015، لم يبدُ أن هذا الأخير منزعج من أن يتم تصويره على أنه تحت حماية الأول. كانت الفكرة السائدة في الرياض هي أن نموذج أبو ظبي لليبرالية الاستبدادية يمكن أن يكون نموذجاً يحتذى به، حيث نقل المملكة من العصور الوسطى إلى القرن الحادي والعشرين.

ونظراً لأن محمد بن سلمان يجلس الآن بقوة أكبر في مقعد السائق في الرياض، فإن فترة شهر العسل بين الرجلين قد انتهت بالتأكيد.

لكن على مدار العامين الماضيين، اتضح للدائرة المقربة من محمد بن سلمان أن إبن زايد، الحليف المفترض المجاور لم يكن مهتماً بخلق مواقف مربحة للجانبين لكلتا الدولتين. وبدلاً من ذلك، فإن عقلية الخسارة الصفرية الحازمة للإمارات - التي شجعتها سياسة الرئيس ترامب في الشرق الأوسط - جاءت غالباً على حساب المصالح السعودية.

كان صعود الإمارات باعتبارها أقوى دولة عربية على مدى العقد الماضي ممكناً فقط لأن أبو ظبي كانت تسعى بلا رحمة إلى تحقيق مصالحها الخاصة، مع القليل من الاهتمام من قبلها لصراع الرياض على تحسين سمعتها في واشنطن، والمخاوف الأمنية في اليمن، والحاجة الملحة للتنويع الاقتصادي والاعتماد الوجودي على أسعار النفط المستقرة.

تضارب المصالح بين السعودية والإمارات

وقال الكاتب إنه منذ عام 2019، أدى الاختلاف المتزايد في المصالح بين الجارتين، السعودية والإمارات، إلى حدوث تصدعات خطيرة في "الوفاق الاستراتيجي" الهش بينهما. وتم تعزيز العلاقة بين الرياض وأبو ظبي في السنوات الأخيرة من خلال التآزر الأيديولوجي على السرديات الإستراتيجية الإماراتية المعادية للثورة، بما في ذلك إضفاء الطابع الأمني ​​على الإسلام السياسي و"الإخوان المسلمين" والمجتمع المدني.

وأوضح أنه في حين أن أوجه التآزر تلك بين الدولتين لا تزال قائمة، فإن العامل الآخر الذي حافظ تقليدياً على هذه العلاقة الثنائية - العلاقات الشخصية بين محمد بن زايد ومحمد بن سلمان - قد عانى، حيث تراجعت العلاقات بين الزعيمين بشكل ملحوظ منذ انتخاب الرئيس الأميركي جو بايدن.

شراء الرصيد السياسي

وفي حين عزز الزعيمان في السابق "علاقتهما" من خلال رحلات الصيد المشتركة والزيارات الرسمية والمكالمات الهاتفية، تحدث محمد بن سلمان ومحمد بن زايد مرة واحدة فقط منذ انتهاء عهد ترامب، وذلك بحسب البيانات الصحافية. وأصبح من الواضح أنه في عهد بايدن، ستسحب واشنطن تفويضها المطلق للرياض وأبو ظبي للقيام بما يحلو لهما في المنطقة. كلاهما احتاج إلى شراء الائتمان من الإدارة الجديدة والديمقراطيين في واشنطن.

وبدلاً من الظهور كبلطجيين في المنطقة، احتاج كل من محمد بن سلمان ومحمد بن زايد إلى إعادة صياغة صورتهما كلاعبَين بناءًين، حريصين على دعم سياسة إدارة بايدن الإقليمية الناعمة المتمثلة في القيادة من الخلف. فعندما تم انتخاب ترامب في عام 2016، قام محمد بن زايد شخصياً بزيارة فريق ترامب في نيويورك، وقام بالضغط من أجل محمد بن سلمان ليكون الملك المقبل. بعد أربع سنوات، مع رئيس منتخب ديمقراطياً، تحاول الإمارات بشكل ملحوظ خلق مسافة بينها وبين القيادة السعودية إذ أضحى يُنظر إلى أي ارتباط بمحمد بن سلمان على أنه من المحتمل أن يشوّه الجهود الإماراتية لتغيير صورة البلاد.

وقال الكاتب إنه تحت ضغط من أجل مشاريعها المشتركة مع موسكو في ليبيا، ومغامراتها المرتزقة في اليمن، وظهورها كمضاعف للقوة لقوة المعلومات العالمية للصين، أظهرت أبو ظبي أن عقلية المحصل الصفري تعني أنها مستعدة للتخلص من "حليف استراتيجي". كانت الحرب في اليمن، التي ساعدت الإمارات في تأطيرها على أنها "بقيادة السعودية"، هي الساحة الأولى التي علمت فيها القيادة السعودية أن السياسة الإماراتية كانت قاسية عندما يتعلق الأمر بالحفاظ على مصالح الإمارات، حتى على حساب السعودية.

وقد أثار البعض في دوائر محمد بن سلمان، وفقاً لمصادر قريبة من القصر، مخاوف من أن محمد بن زايد ربما دفع السعودية إلى مغامرات محفوفة بالمخاطر من أجل إنشاء درع يمكن للإمارات من خلفه تعزيز مكاسبها في جنوب اليمن. ففي حين اضطرت السعودية لتحمل الأعباء التشغيلية والسمعة للحرب المكلفة ضد الحوثيين ، فقد ضمنت أبو ظبي موطئ قدم لها على طول الساحل اليمني المهم استراتيجياً عبر بديلها، المجلس الانتقالي الجنوبي.

صعود الإمارات السريع

وقد أدى صعود الإمارات الشبيه بالمذنب وسط فراغ القوة الإقليمي الذي خلفه انفصال الولايات المتحدة عن المنطقة إلى التوهم في أبو ظبي بأنها، باعتبارها القوة الوسطى الجديدة في الخليج، لن تحتاج إلى الخضوع والتنازل لأي كان. تُظهر المواجهة المستمرة بين الإمارات والسعودية داخل منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) أن أبوظبي واثقة من صلابة وضعها. فلن تتنازل الإمارات عن مصالحها الوطنية، حتى لو كان الأمر على حساب السعودية، كما هو الحال مع تجاهل أبو ظبي الصارخ لحصص إنتاج أوبك.

أما بشأن بمسألة حصار قطر الذي قاده محمد بن زايد وتبعه محمد بن سلمان عن طيب خاطر، فقد أبدت الإمارات استعداداً قليلاً جداً لتقديم تنازلات. وعلى الرغم من أن التكاليف السياسية والسمعة الناتجة عن الحصار المستمر استمرت في الارتفاع وخاصة في واشنطن، إلا أن أبو ظبي كانت على استعداد لدعم هذا الحصار لصالح حملتها المستميتة المضادة للثورة.

في النهاية، انشقت السعودية وتركت البراغماتية تسود. كان إنهاء الحصار علامة أولى على القيادة السعودية في الخليج تحت حكم محمد بن سلمان، والتي اعتبرتها الرياض فرصة مربحة للجانبين للدول الأربعة المحاصرة وقطر. من ناحية أخرى، كانت أبو ظبي قلقة للغاية بشأن وتيرة وعمق التطبيع مع قطر، الأمر الذي لم يضغط على الإماراتيين للانصياع فحسب، بل سمح لمحمد بن سلمان بجني الرسائل الإيجابية.

هذه كانت البداية فقط. بعد أن تركتها الإمارات في الصقيع مجدداً، شرعت السعودية منذ ذلك الحين في استراتيجيتها الأكثر حزماً للتنويع. إذ تستهدف السياسات الاقتصادية الجديدة للمملكة، والتي تهدف إلى جذب الاستثمارات من الشركات متعددة الجنسيات الموجودة في الإمارات، قصة نجاح دبي التي كانت في مأزق اقتصادي منذ بداية جائحة كورونا.

ورأى الكاتب أن الطبيعة غير الصحية لهذه المنافسة بين الرياض وأبو ظبي معناها أنه أصبح من الصعب أكثر من أي وقت مضى خلق مواقف مربحة للجانبين. وبما أن محمد بن سلمان يجلس الآن بقوة أكبر في مقعد السائق في الرياض، فإن فترة شهر العسل مع محمد بن زايد قد انتهت. فمع خلع القفازات، يتوق محمد بن سلمان لإظهار أن أبو ظبي كانت تتجاوز حجمها، وأن هناك حدوداً للقوة الذكية في تعويض نقص الحجم. ومع ذلك، لا تزال علاقاتهما مدعومة بأوجه التآزر الأيديولوجي بسبب المخاوف من حراك الإسلام السياسي والإخوان المسلمين والمجتمع المدني. يبقى أن نرى ما إذا كان ذلك كافياً لمنع أزمة خليجية أخرى.

*الدكتور أندرياس كريج هو أستاذ مساعد في قسم الدراسات الدفاعية في جامعة "كينغز كوليدج لندن". أصدر أخيراً كتاباً  بعنوان "النظام الاجتماعي والسياسي والأمن في العالم العربي".

نقله إلى العربية بتصرف: الميادين نت

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً