"جيروزاليم بوست": لماذا تقول "إسرائيل" إن إيران تتفوق على واشنطن؟

صحيفة "جيروزاليم بوست" تقول إن "إسرائيل" قلقة جداً، من سير المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران حول الاتفاق النووي، الذي ترى فيها تفوق طهران على واشنطن التي "تسعى للعودة إلى الاتفاق بأي ثمن".

  • "جيروزاليم بوست": الولايات المتحدة تريد العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران بأي ثمن

نشرت صحيفة "جيروزاليم بوست" العبرية، مقالاً للكاتب هيرب كاينون، تناول فيه اجتماع مجلس الوزراء الأمني الإسرائيلي لمناقشة التهديد الإيراني، وأسباب عدم صدور بيان عنه لا رسمي ولا حتى مقتضب. وفيما يلي نص المقال المترجم:

اجتمع مجلس الوزراء الأمني ​​أول أمس للمرة الأولى منذ شهرين لمناقشة التهديد الإيراني، حيث بدا أن الولايات المتحدة وإيران تتجهان نحو إحياء الاتفاق النووي للعام 2015، والذي عارضته "إسرائيل" بلا هوادة، وانسحب منه الرئيس دونالد ترامب بعد 3 سنوات.

لم يصدر أي بيان رسمي بعد اجتماع مجلس الوزراء الأمني، ولا حتى بيان مقتضب، كما هو الحال في بعض الأحيان. لذا فإن ما استخلصه الجمهور من ذلك الاجتماع، جاء بالدرجة الأولى من مصدر حضره وأخبر وسائل إعلام مختلفة، بما فيها الـ"جيروزاليم بوست" أن "الوزراء قلقون من أن واشنطن تريد صفقة إيرانية بأي ثمن، والإيرانيون يعرفون ذلك".

تضمن الاجتماع، إحاطات أمنية من مستشار الأمن القومي مئير بن شابات، ومدير الموساد يوسي كوهِن. مع ذلك، فإن الجزء الوحيد من المعلومات التي أُلقيت لوسائل الإعلام، كان يتعلق بخيبة الأمل الإسرائيلية بشأن الطريقة التي تدير بها الولايات المتحدة المفاوضات.

نُقل عن المسؤول قوله إنه "ليس الوضع الذي يريد الأميركيون الثبات فيه، إنهم يتنازلون أكثر مما يطلب الإيرانيون. هدفهم هو السباق نحو اتفاق بأي ثمن". 

المسؤول أضاف "الإيرانيون يعرفون أن الاتفاق سيُوقّع مهما حدث، لذلك يبذلون قصارى جهدهم لتحقيق أقصى قدر من المكاسب. الأميركيون يسمعون مخاوفنا، لكن السؤال هو ما إذا كانوا يُصغون حتى. ليس من الواضح ما إذا كنا نتجه نحو تصعيد مع إيران".

وسائل الإعلام المختلفة التي حصلت على المعلومات نفسها تقريباً، والاقتباسات نفسها، تشير إلى وجود توجيه، وأنه تم اتخاذ قرار بأن هذا هو ما يجب أن يخرج عن الاجتماع، وأن "إسرائيل" أرادت أن يُعلم أنها تشعر بأن إيران، تتفوق على الولايات المتحدة بشكل سيئ في المحادثات غير المباشرة، الجارية في فيينا.

عندما يخرج قدر ضئيل من المعلومات، من اجتماع استمر لأكثر من ساعتين، فإن السؤال الذي يجب طرحه هو: "لماذا هذا؟"، ما الهدف الذي تخدمه عناوين الصحف التي تقول "المجلس الوزاري المصغّر قلق: واشنطن تريد صفقة مع إيران بأي ثمن"؟ من هو الجمهور المستهدف؟

قبل البحث عمّن كانت هذه الرسالة موجهة إليه، يجدر بنا أن ننظر أولاً إلى من لم يكن الجمهور المستهدف المحتمل: الرئيس الأميركي جو بايدن ووزير خارجيته أنتوني بلينكن.

لدى "إسرائيل" قنوات اتصال عديدة مع الإدارة، من المتوقع أن يسافر كل من كوهِن وبن شابات إلى هناك في الأسابيع المقبلة. لذلك إذا كانت القدس لديها شكاوى من أسلوب التفاوض الأميركي، فمن الرهان الآمن أنها لا تحتاج إلى أن تنقل وسائل الإعلام الإسرائيلية هذا الاستياء، من خلال بضع جمل قالها مصدر مجهول، وأن هذه الشكاوى قد تم نقلها بالفعل.

إذن من الذي تحاول إسرائيل إثارة إعجابه؟

قد يجادل البعض بأنه مخصص للجمهور المحلي، وأنه لأسباب سياسية، فإن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مهتم في تسليط الضوء بين القدس وواشنطن على إيران ليُظهر للإسرائيليين أنه عندما يتعلق الأمر بإيران، فإنه مستعد وقادر - مرة أخرى - للوقوف في وجه الإدارة الأميركية.

سيذهب البعض إلى أبعد من ذلك ليقول، إن نتنياهو يبحث حتى عن نزاع عام مع الولايات المتحدة لأن ذلك قد يساعده سياسياً، كما أظهر الإسرائيليون في الماضي أنه عندما يتعلق الأمر باختيار الجانبين بين رئيس الولايات المتحدة ورئيس وزرائهم، فإنهم سوف يلتفون حول رئيس وزرائهم.

ظهر هذا بوضوح في الأيام الأولى من ولاية الرئيس باراك أوباما، عندما ضغط أوباما بشدة من أجل تجميد الاستيطان في افتراضٍ خاطئ بأن الجمهور الإسرائيلي سينقلب على رئيس وزرائه. بدلاً من جعله يخاطر بقتال مع الولايات المتحدة حول قضية - المستوطنات - لم تحظ بشعبية خاصة في "إسرائيل" بأي شكل من الأشكال. جاءت هذه الخطوة بنتائج عكسية، وتحلّق الجمهور حول نتنياهو.

لكن يبدو أنه من المبالغة الاعتقاد بأن نتنياهو، علاوة على كل تحدياته الأخرى، يبحث الآن عن توتر مع الولايات المتحدة، خاصة وأن فهم الولايات المتحدة سيكون ضرورياً إذا كانت الضربات المتبادلة مع إيران على مدى الأسابيع القليلة الماضية تتصاعد، والقدس تواجه مواجهة حاسمة مع المحكمة الجنائية الدولية وستحتاج إلى دعم أميركي.

إذا لم تكن الإدارة ولا الجمهور الإسرائيلي هم الجمهور المستهدف، فمن كان؟

المرشحان الأكثر احتمالاً هما الكونغرس الأميركي وأصدقاء "إسرائيل" الجدد في الخليج، وهم الإمارات والبحرين والسعوديون.

مع استمرار المحادثات في فيينا، يتم رسم خطوط المعركة في واشنطن حول الحكمة من إحياء اتفاق 2015، أو ما إذا كان ينبغي تغييره ليشمل عناصر أخرى من سلوك إيران، بما في ذلك برنامج الصواريخ الباليستية والسلوك الخبيث في جميع أنحاء المنطقة.

في أواخر آذار/ مارس الماضي، أرسلت مجموعة من 43 عضواً في مجلس الشيوخ من الحزبين، رسالة إلى بايدن تطالبه بتوسيع الاتفاق وتعزيزه. 

من ناحية أخرى، قبل أسبوع، أرسل 27 من أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين، رسالة إلى الرئيس يحثونه فيها على إعادة الانضمام بسرعة إلى الاتفاقية على أساس الامتثال مقابل الامتثال. كما صدرت رسائل مماثلة في الأسابيع الأخيرة من مجلس النواب.

التصريحات في "إسرائيل" التي تعارض كيفية إجراء المفاوضات، يمكن أن تشد على أيدي تلك القوى في الولايات المتحدة، التي تعارض وتعمل ضد العودة السريعة إلى الاتفاق النووي، حيث يمكن لهؤلاء الأشخاص الاعتماد في حججهم - جزئياً على الأقل - على المخاوف الإسرائيلية.

أصبح من البديهي القول إن تهديد إيران هو ما قرّب "إسرائيل" ودول الخليج من بعضهما البعض. بينما يقول البعض إن خطاب نتنياهو أمام الكونغرس ضد صفقة إيران في العام 2015 أضر بموقف "إسرائيل" وسط الحزب الديمقراطي. يؤكد آخرون أن هذا الخطاب - واستعداد نتنياهو لإلقائه على الرغم من أنه استلزم مواجهات مع أوباما - ساعدا في تقريب "إسرائيل" من الخليج ومهدا الطريق للتوقيع النهائي على اتفاقيات أبراهام.

لقد طرح نتنياهو نفسه هذه الحجة في مناسبات عديدة، حيث قال للكنيست في تشرين الأول/أكتوبر، عندما قدم اتفاقية أبراهام للتصويت، إن أهم نقطة تحوّل في مصلحة العالم العربي في الاقتراب من "إسرائيل": "كانت المقاومة التي قُدتها حيال خطورة اتفاق نووي مع إيران... تواصل معي قادة مختلفون في المنطقة، خاصة بعد خطابي في الكونغرس. لقد اتصلوا بي سرا وأخبروني عن مدى ترحيبهم بهذه السياسة، وأعربوا تدريجيا عن استعدادهم لتعزيز العلاقات معنا".

إذا كان هذا هو الحال بالفعل، أو حتى لو كان مجرد تصوير نتنياهو للواقع، فهذا يفسر سبب رغبة "إسرائيل" في القول بعد اجتماع مجلس الوزراء الأمني ​​إنها تشعر بخيبة أمل من الطريقة التي تدير بها الولايات المتحدة المفاوضات: لتعرف دول الخليج أنه يمكنها الاستمرار في الاعتماد على القدس، لقيادة الاتهام ضد العودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة، حتى مع المخاطرة بإثارة استياء الإدارة مرة أخرى.

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً