بيان الخارجية السعودية بشأن التطبيع.. ماذا في الدلالات والأبعاد؟

بيان الخارجية السعودية الذي حدد عدة شروط لإقامة علاقات دبلوماسية مع "إسرائيل"، وعلى رأسها إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، ووقف العدوان على غزة. كيف يقرأ؟

  • بيان الخارجية السعودية بشأن التطبيع.. ماذا في الدلالات والأبعاد؟
    بيان الخارجية السعودية بشأن التطبيع.. ماذا في الدلالات والأبعاد؟

"المفاوضات الرامية إلى تطبيع العلاقات بين السعودية و"إسرائيل" تواصل التقدّم". عبارة لم تنفك الولايات المتحدة و"إسرائيل" تروّجان لها بشكل متواصل، وبصيغ مختلفة، وبوتيرة مكثّفة بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 تحديداً. ولكن ما جاء به البيان السعودي بشأن العلاقة مع "إسرائيل"، والشروط التي وضعتها الرياض، يدحض زيف الرواية الإسرائيلية والأميركية في هذا الإطار، ويدخل الرياض في معادلة الأوراق الضاغطة على الاحتلال لإجباره على إيقاف عدوانه على غزة. فماذا في دلالات البيان؟

بيان الخارجية السعودية.. عودة الأميركي إلى المربّع الأول

البيان الصادر عن وزارة الخارجية السعودية، اليوم الأربعاء، والذي أكد الإصرار السعودي على ضرورة إقامة الدولة الفلسطينية المُستقلة على حدود العام 1967، وعاصمتها "القدس الشرقية"، ووقف العدوان على غزة، والانسحاب الكامل من القطاع، كشرط لإقامة علاقات دبلوماسية مع الاحتلال الإسرائيلي، جاء بمثابة ردّ على التسريبات الأميركية، التي زعمت أنّ السعودية مستعدة لقبول التزام سياسي من "إسرائيل" بإقامة دولة فلسطينية، من أجل إبرام اتفاقية دفاعية مع واشنطن، قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية، وهنا الحديث عن "التزام سياسي" وليس خطوات عملية.

وفي السياق، ذكرت صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية أنّ الولايات المتحدة أبلغت "إسرائيل" بأنّ اتفاق التطبيع السعودي يجب أن يبدأ خلال الشهرين المقبلين.

وبحسب الصحيفة، يرجع ذلك جزئياً إلى أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان يطالب، كجزء من حزمة التطبيع، بمعاهدة توفّر ضمانات شبيهة بضمانات "الناتو" للأمن السعودي.

ونظراً لأنه عام انتخابي في الولايات المتحدة، وفقاً للصحيفة، فمن المرجح أن تحصل مثل هذه الصفقة على تصديق مجلس الشيوخ بحلول شهر حزيران/يونيو، "وفي حال تأخّرها عن ذلك سيتمّ دفنها تحت سياسات الحملات الانتخابية".

إلا أنّ جميع هذه الروايات تتعارض مع الموقف السعودي الرسمي والذي صدر بعد يوم واحد فقط من زيارة وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن إلى السعودية واجتماعه مع ولي العهد محمد بن سلمان في الرياض.

صحيفة "عكاظ" السعودية، قالت إن بيان المملكة بما تضمّنه من مواقف واضحة فيما يخصّ التطبيع مع "إسرائيل"، يأتي لـ"يدحض كل ما سوّقته واشنطن وتل أبيب من مزاعم لخدمة مصالحهما".

وبحسب الصحيفة السعودية فإن التسريبات الأميركية - الإسرائيلية التي تحاول إيهام الرأي العام بانفتاح المملكة على فكرة إقامة علاقة طبيعية مع "إسرائيل" في ظل استمرارها بالعدوان على قطاع غزة، تهدف إلى التأثير على الجهد السعودي الرامي إلى تحقيق وقف فوري لإطلاق النار.

وأضافت الصحيفة أن "بيان المملكة قطع الطريق أمام أي مُزايدات بشأن موقف المملكة التاريخي الثابت والراسخ تجاه قضية فلسطين ووقوفها الدائم مع حقوق الشعب الفلسطيني وتعزيز صموده وتوفير الحياة الكريمة له".

ويُعدّ الموقف السعودي الذي عبّر عنه بيان الخارجية تجاه ضرورة حل الموضوع الفلسطيني أولًا وقبل كل شيء وإقامة دولتهم المستقلة، بحسب الصحيفة السعودية، "موقفاً تاريخياً بامتياز".

وقبل أسبوعين، أكّدت السفيرة السعودية لدى واشنطن، ريما بنت بندر آل سعود، أنّ بلادها غير قادرة على مواصلة المباحثات بشأن اتفاق التطبيع مع كيان الاحتلال الإسرائيلي قبل وقف إطلاق النار في قطاع غزة. مع الإشارة هنا إلى أنّ فكرة "التطبيع"، مرفوضة شعبياً وبشكل كبير في السعودية، إذ عبّر عنها آخر استطلاعات الرأي، والذي أجراه معهد واشنطن في كانون الأول/ديسمبر 2023.

وتظهر نتائج الاستطلاع أن (96%) يوافقون على الاقتراح القائل بأنه "يجب على الدول العربية أن تقطع فوراً جميع الاتصالات الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية وأي اتصالات أخرى مع إسرائيل، احتجاجاً على عملها العسكري في غزة".

كما أظهرت نتائج الاستطلاع تزايد شعبية حركة حماس بشكل كبير بين السعوديين، حيث حدث تحوّل بمقدار ثلاثين نقطة في المواقف الإيجابية تجاه الحركة، من 10% فقط في آب/أغسطس 2023 إلى 40% في كانون الأول/ديسمبر 2023.

وأشار استطلاع الرأي إلى أنّ (91%) من السعوديين يتفقون مع مقولة أنه "على الرغم من الدمار والخسائر في الأرواح، إلا أن هذه الحرب في غزة هي انتصار للفلسطينيين، العرب والمسلمين".

استعداد "إسرائيل" للانخراط في عملية "سلام" لا يكفي

أولى ردّات الفعل على بيان الخارجية السعودية، جاءت في صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية، حيث اعتبرت أن الولايات المتحدة كانت تأمل أن يكون استعداد "إسرائيل" للانخراط في عملية "سلام" نحو حل الدولتين كافياً للسماح للقضية بالمضي قدماً، ولكن، وفي غضون ساعات، أوضحت السعودية أن الأمر ليس كذلك، بإصدار بيان حاد في منتصف الليل.

ورأت الصحيفة أن السعودية ربطت عملية التطبيع بالحرب على غزة، وقالت إنه لتحقيق اتفاق التطبيع، يجب أن "تتوقّف الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة وتنسحب جميع قوات الاحتلال الإسرائيلي من قطاع غزة".

وعلّقت الصحيفة بالقول إنّ "استعداد إسرائيل لصنع السلام ليس كافياً بالنسبة للسعوديين".

الأكاديمي والإعلامي السعودي خالد باطرفي رأى، في حديث للميادين، أن موقف السعودية الواضح هو قبول ما يقبله الفلسطينيون، وأن الرياض استقبلت وفداً فلسطينياً في الاجتماعات التي حصلت مع الوفد الأميركي الذي حضر لمناقشة مسألة التطبيع، وتمّ إشراك الوفد الفلسطيني في الاجتماعات لمعرفة شروط السلطة الفلسطينية وما يريده الفلسطينيون، لأن السعودية لا تقرّر عنهم.

وأكد باطرفي أن لا تطبيع قبل نهاية الحرب على غزة وحلّ القضية الفلسطينية بناءً على قرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة والمبادرة العربية ووفقاً لحل الدولتين، معتبراً أنّ أميركا و"إسرائيل" تريدان القفز فوق هذه الشروط والإيحاء أن السعودية تتساهل في هذا الأمر، خلافاً للواقع.

رئيس مركز القرن العربي للدراسات سعد بن عمر، رأى بدوره في حديث للميادين، أن بيان وزارة الخارجية جاء ليؤكّد المؤكّد بأن موقف المملكة ثابت تجاه القضية الفلسطينية مهما حاولت الإدارة الأميركية و"إسرائيل" تسريب معلومات، وليجزم بأن أي علاقة مع "إسرائيل" تعتمد في الدرجة الأولى على حلّ القضية الفلسطينية.

وأكد بن عمر أن "المملكة لا يمكن أن تفرّط بحقوق الفلسطينيين لأجل مصالحها الخاصة، بل تضحّي بمصالحها الخاصة من أجل القضية الفلسطينية". ورأى أن التطبيع الشعبي غير ممكن عربياً ولو كان التطبيع الحكومي قائماً، معتبراً أن الإدارة الأميركية تهدف من هذا التطبيع إلى فتح أسواق السعودية أمام المنتجات الإسرائيلية بهدف إنقاذ الاقتصاد الإسرائيلي.

وأشار بن عمر إلى أن لدى المملكة أوراقاً أخرى منها الصين وروسيا، وأن "تسريبات الإدارة الأميركية ومحاولتها الإيحاء أن السعودية في هذا الطريق تهدف إلى تهديد دول أخرى لم تطبّع حتى الآن، ولا تزال تتمسّك بالحقوق الفلسطينية، مثل لبنان وسوريا والعراق، وإضعاف موقفها، وفتّ عضدها"، وهو ما لم يمكن أن ينجح في طبيعة الحال.

اقرأ أيضاً: هل السعودية في حاجة لتطبيع علاقتها بـ "إسرائيل"؟